الانتخابات الليبية مهمة ولكن من غير ضمانات ستصبح مشكلة وليست حلا

28 - يوليو - 2018

حاورته: روعة قاسم

0
حجم الخط

المفكر والباحث الليبي علي عبد اللطيف احميدة:

علي عبد اللطيف احميدة مفكر سياسي ليبي ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة نيو انغلاند، في مدينة بدفورد، في الولايات المتحدة. في مسيرته العديد من الدراسات والبحوث في مجال تاريخ وسياسات شمال افريقيا. حاصل على جائزة أفضل باحث علمي في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1993 وجائزة كرسي لودكي للآداب والعلوم (2010-2011). يعتبر في حديثه لـ «القدس العربي» ان أسباب الأزمة الليبية ليست القبيلة، ولكن فشل النخبة والتدخل الأجنبي الخارجي في الشؤون الليبية. ويشير إلى ان الوضع الليبي سيستمر طالما ان الأسباب لم تواجه. وأعرب عن تخوفه من ان تصبح الانتخابات الليبية مجرد طقوس لا تنعكس على أرض الواقع وتحدث تغيرا في المشهد الليبي بسبب وجود الميليشيات المستفيدة من الوضع القائم.
لد علي عبد اللطيف احميدة في مدينة ودان الواقعة في منطقة الجفرة في ليبيا، وقد حصل على درجة الليسانس من جامعة القاهرة عام 1976 وعلى درجة الماجستير من جامعة واشنطن، سياتل، الولايات المتحدة عام 1982 في مجال العلوم السياسية، ودرجة الدكتوراه في مجال العلوم السياسية عام 1990 من الجامعة ذاتها. ومجال اهتمامه الرئيسي هو النظرية السياسية، وعلم السياسة المقارن، وعلم الاجتماع التاريخي، مع التركيز بوجه خاص على حركات مقاومة الاستعمار في شمال افريقيا، وخاصة في ليبيا الحديثة، من منظور الإنسان باعتباره عنصرا مؤثرا في الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية، ومتأثرا بها. وقد نشر بحوثا ومقالات عدة في مجلات علمية عربية ودولية متخصصة.
صدرت له مجموعة كبيرة من الكتب والدراسات باللغات الإنكليزية والعربية والايطالية. من أهمها «المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا: دراسة في الأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لحركات وسياسات التواطؤ ومقاومة الاستعمار (1830-1932)» و»أصوات مهمّشة: الخضوع والعصيان في ليبيا أثناء الاستعمار وبعده» و»ما بعد الاستعمار والقومية في المغرب العربي: التاريخ والثقافة والسياسة» و»ما بعد الاستشراق: مراجعات نقدية في التاريخ الاجتماعي والثقافي المغاربي» و»جسور عبر الصحراء: التأثير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي لطرق تجارة القوافل عبر الصحراء». وهو ثالث شخص تمنح له جائزة كرسي لودكي.
وفي ما يأتي نص الحوار:
○ كباحث في التاريخ السياسي الليبي والمغاربي، في اعتقادك ما مدى أهمية العودة للتاريخ الليبي من أجل معرفة أسباب الأزمة الراهنة؟
• في الحقيقة هناك نوع من قصر النظر في التعاطي مع المسألة الليبية، فأغلب الباحثين والمهتمين بالشأن الليبي يتعاطون مع ما يجري اليوم في البلاد وكأنه فقط نتيجة أحداث 2011 وكأن ما حصل قبل هذا التاريخ لا أهمية له، وهذا شيء مجحف بشكل كبير بحق تاريخ ليبيا ولا يؤدي إلى فهم الحالة ناهيك عن ان هناك سوء نية لعدم فهمه. ليبيا الآن تعيش حالة من التشرذم والصراعات بين النخبة وانقسامات بين الشرق والغرب علاوة على احتلال الجنوب الليبي، فالفوضى الموجودة والحالة المزرية هي نقطة في قراءة التاريخ والحالة الليبية. ان الوضع كان مركبا لأن عدم الوصول إلى حل مع النظام السابق وبالذات تصميم العقيد القذافي والوقوف حتى آخر لحظة ضد مطالب المحتجين، أدى إلى حرب دموية في نهاية الأمر وإلى «عسكرة الانتفاضة» الأمر الذي أعطى الفرصة للتدخل الخارجي.
يمكن القول انه خلال السنتين ما بعد «الثورة» حصل شيء إيجابي إلى حد كبير، فكانت هناك مرحلة انتقالية ونوعا من الأمل في إرساء مرحلة جديدة أكثر رحابة وحرية، لقد اضيفت أشياء جميلة إلى حياة الليبيين لم تكن موجودة في السابق، فحصلت الانتخابات وخف ضغط وقيود الدولة الأمنية. واعتقد الليبيون ان انجازاتهم الأولى (مثل الدولة وحماية الحدود والخدمات، ستستمر وستضاف إليها انجازات جديدة) ولكن ما حصل ان «عسكرة الثورة أو الانتفاضة» أدت إلى ظهور قوى غير متوقعة في بعض المدن وإلى التدخل الخارجي. لذلك أعتقد ان فشل النخبة التي قادت المرحلة الانتقالية في الوصول إلى قواسم مشتركة والتنازل من أجل هذه القواسم المشتركة التي تهم الشعب الليبي ككل، إضافة إلى التدخل الخارجي والتحالف مع جماعات مختلفة في أنحاء ليبيا، ادى إلى حدوث التشرذم وانتشار الخطف والوقوف ضد أي محاولة لإعادة تقوية الجيش والشرطة وحماية الحدود.
في المقابل أيضا إذا لم يحدث أي تغيير حقيقي للحالة المزرية والصعبة وما لم تتنازل النخب من أجل هذه القواسم وأيضا الوقوف ضد التدخل الخارجي المباشر وغير المباشر سواء عسكريا أو ماليا أو إعلاميا، أي التدخل الذي يهيج خطاب التقسيم والكراهية ويروج لعودة الخطاب الاستعماري فيما يتعلق بالكيان الليبي نفسه والشعب الليبي، فان معاناة الليبيين ستتواصل.
○ كيف تنظر إلى تداخل المجتمع والقبيلة وتأثيرها في المشهد الليبي؟
• أعتقد ان هذا الموضوع شائع كثيرا ولكن مبالغا فيه، فالقبيلة الآن من الناحية الاقتصادية ومن ناحية بنيتها المستقلة التي وجدت بها في بداية القرن التاسع عشر والقرن العشرين انتهت، لكن سيست في عهد القذافي، والآن بحكم ضرب المؤسسات الأساسية والروابط والأحزاب أدى إلى تجييش وتسييس لمفهوم انتهى. جل الشعب الليبي يعيش في المدن، لذلك انتهت فكرة القبيلة كوحدة اقتصادية اجتماعية سياسية مستقلة، ولكن يعاد إنتاجها اليوم ولكن ليس بالمعنى الآخر أو القديم. الكل يريد ان يعلق أسباب المشكلة على مفهوم القبيلة. لكن أسباب الأزمة ليست القبيلة، ولكن فشل النخبة والتدخل الأجنبي الخارجي في الشؤون الليبية. هذا لا يعني ان التكوينات الاجتماعية – بما فيها الدور التصالحي والتوافقي- لا تستطيع ان تقوم بدور رمزي في المصالحة والتوافق في ظل غياب الروابط والنوادي والمقاهي ودور السينما والتنظيمات المتعددة للمجتمع والتي جرى انهاكها خلال اربعين سنة، ولكن الحديث عن المجتمع الليبي وكانه مجتمع قبلي خرافة ومغالطة كبرى.
○ لكن برزت مشكلة القومية والاثنية في ليبيا بعد عام2011 كيف تفسرون ذلك؟
• هناك خرافات عديدة تسيطر اليوم في المشهد السياسي، الأولى هي الاعتقاد بان المشكلة الليبية داخلية فحسب، وان لا دور للتدخل الخارجي فيها من أجل نهب الخزينة الليبية وأموال الشعب، كما ان هناك خلقا أو فرضا اصطناعيا لمفهوم القبيلة، أما الخرافة الثالثة فهي الاعتقاد بان ليبيا تضم أقليات وهذا محض أكاذيب تخلق لأغراض عديدة، وهنا أعطي أمثلة، فالطوارق مندمجون في التكوين المجتمعي الليبي، التبو عددهم لا يزيد عن 50 ألفا في ليبيا، ولكن حوالي مليون منهم متواجدون في شمال تشاد، وهناك أطماع لتوطينهم أو رغبة في جلبهم للجنوب الليبي. من خلال اطلاعي على العديد من نتاجات المثقفين والباحثين الغربيين اؤكد ان هؤلاء الباحثون خلقوا فكرة ان هناك أقليات طوارقية وتبو في ليبيا ولكن هذا غير صحيح. بالنسبة للأقليات مثل البربر أو ما يسمى في ليبيا بـ «الجبالية» هم ليسوا أقلية ضمن المفهوم العرقي الغربي. صحيح لهم مطالب مشروعة ولكنهم ليسوا أقلية هم جزء من لحمة وبنية الشعب الليبي وليسوا بتلك الصورة المضخمة أو الأيديولوجية التي تريد ان تركز عليها الدراسات الغربية أو بعض النشطاء المتشددين من أخوتنا الأمازيغ.
○ هناك صعوبات اليوم للتوافق برزت في عقد العديد من المؤتمرات الخارجية دون نتائج ملموسة. غياب الحل ما تأثيره على وضع الليبيين؟
• الوضع الليبي سيستمر طالما ان الأسباب لم تواجه. وجود هذه الأسباب بالذات مثل عدم توافق النخبة ووجود وسيطرة الميليشيات التي ترفض بناء الجيش والشرطة والمؤسسات الوطنية العامة واستمرار التدخل الخارجي وتحالفه مع هذه الجماعات وهذه الايديولوجيات وعدم حماية الحدود الليبية في الشمال والجنوب – لأنها مفتوحة حتى الآن، في ظل كل ذلك فان الأزمة ستستمر. لكن في المقابل التوافق بمعنى ان يتنازل الفرقاء من أجل صالح ليبيا، وبشكل أكثر تحديدا، أنا لا أرى مفرا من ان يتفق حفتر والقوى الضاربة في مصراتة وتتنازل من أجل الجميع وحماية الجميع ضمن مبدأ لا غالب ولا مغلوب، وإيجاد حل لقضية المسلحين والميليشيات، دون هذا لا أرى أي تغيير في هذه الأزمة، بل بالعكس أعتقد انه طالما وجدت هذه الأسباب ستستمر الأزمة للأسف الشديد.
○ بالنسبة لخريطة الطريق الأممية، هل تعتقد ان الظروف مهيأة لإجراء الانتخابات؟
• أعتقد ان طرح غسان سلامة لم يكن سيئا ولكن لا بد من تعديل اتفاق الصخيرات سيء السمعة الذي أدى إلى مشاكل عديدة، وأيضا عقد مؤتمر وطني عام يجمع كل الفئات من بينها التي كانت تدعم النظام السابق وأيضا إجراء انتخابات فيما بعد. أضيف إلى هذا، لا بد من ان يأتي تنازل من القوى العسكرية المسيطرة ولا بد من مواجهة التدخل الأوروبي والعربي في الشأن الليبي. هذا ضروري وإلا ستصبح مسألة الانتخابات عبارة عن طقوس، لان الشعب الليبي صوت بشكل رائع ثلاث مرات رجالا ونساء، وكل القرائن والتقارير الدولية أشادت بقدرة الشعب على المشاركة السياسية. خوفي ان تصبح الانتخابات المقبلة عبارة عن طقوس وان تجير وتضرب بشكل أو بآخر ولا تنفذ قرارات الشعب الليبي بوجود القوى المعادية للانتخابات، مثل الميليشيات التي تريد ان تستمر في نهب المناصب والمال والخزينة الليبية لأنها مستفيدة استفادة كبيرة من الوضع القائم. أعتقد ان الانتخابات مهمة ولكن من غير ضمانات تصبح عبارة عن مشكلة أكثر منها حلا.
○ هناك سؤال يطرح دائما وربما عايشته وانت قضيت أكثر من عقدين في المهجر، في رأيك لماذا تقدم الغربيون وتأخر العرب؟
• صحيح تأخرنا لظروف تاريخية عديدة ولكن نحن لسنا متأخرون كما نعتقد، مشكلتنا اننا مهووسون بحكم التجربة الاستعمارية بأن نقارن أنفسنا بأوروبا، فمن الناحية المعرفية هذا أمر كارثي، وحتى كتابي «ما بعد الاستعمار والاستشراف» حاولت ان أناقش فيه هذين السؤالين من منظور مختلف تماما عن المثقفين العرب.
أعتقد، اقتصاديا ومن ناحية بناء الدولة بحكم الظروف الاستعمارية والتاريخية، ما زلنا نتصارع في بناء دولة تمثل حقوق ومشاعر ومصالح قطاعات عديدة من الشعب، إذن المشكلة أننا لسنا متخلفون ثقافيا وفكريا كما نعتقد، بالعكس نحن نناضل ولنا مشاكل كبقية الشعوب الأخرى، وأيضا الغرب ليس متقدما كما نعتقد في كتاباتنا العربية والإسلامية، الغرب أيضا مليء بالمشاكل وربما نعيد قراءة قضية التقدم والتأخر وننظر لها من جانب آخر. وحتى فهمنا للتاريخ الاجتماعي والثقافي يحتاج نوعا من القراءة، لان الهوس بأوروبا أيضا كان كارثيا علينا بشكل كبير.
○ هل تقصد من ذلك حركات الإصلاح في مجتمعاتنا المقلدة للمجتمعات الأوروبية؟
• نحن نقلد كل شيء وهناك اعتقاد لدى البعض اننا لا نكون متقدمين إلا إذا قلدنا الغرب، واعتقد ان هذه مقولة تحتاج إلى مراجعة.
○ ما تفسيرك لتفشي الإرهاب خلال الأعوام الماضية في العالم العربي؟
• الإرهاب ظاهرة عابرة للقارات. ولكن بدل ان نسأل ما هو الإرهاب يجب ان نسأل ما هي الأسباب والسياق المحلي والدولي الذي خلق الظاهرة، فهذا هو السؤال المهم وبعد سنجد الإجابة.
○ في مسيرتك العديد من المحطات الهامة منها حصولك على كرسي لودكي للآداب. ما أهمية حصول مفكر عربي على تلك الصفة؟
• حصلت على ثلاث جوائز مهمة في جامعتي وهي جائزة في البحث العلمي المتميز وجائزة تعطى لأهم استاذ جامعي وكنت المسلم العربي الوحيد الأول الذي اهديت له هذه الجائزة أي «كرسي لودكي» وهي نوع من التكريم، حقيقة حصلت عليه بتصويت أعضاء الجامعة ولجنة البحوث وألقيت محاضرة بحضور أعضاء التدريس تم خلالها اعطائي سنة من التفرغ للبحث العلمي والتعليم الجامعي.
○ لديك العديد من المؤلفات حول ليبيا لو تبرز لنا اهم ما تضمنته وما هي نتاجاتك المقبلة؟
• لدي حوالي ستة كتب خلال العشرين السنة الأخيرة ترجم معظمها من الانكليزية إلى العربية، أهمها التطرف والمجتمع والدولة، الاصوات المهمشة، وأنجزت كتابا عن المعتقلات الفاشية في ليبيا قبل المحرقة اليهودية وأيضا كتاب ما بعد الاستشراف وهو دراسات حول الشأن المغاربي بشكل عام وأيضا كتاب ما بعد القومية دراسة مغايرة وقراءة للوضع والمجتمع والدولة سواء في ليبيا أو تونس والجزائر. وهناك كتاب آخر كتبته عن الجسور عبر الصحراء وعن تجارة القوافل عبر الصحراء عبر بلاد المغرب العربي وأخيرا أنجزت كتاب «ليبيا التي لا نعرفها « وهو يقدم للقارئ العربي بعض الأمور التي لا يعرفها عن ليبيا ويتجاوز النظرة النمطية الاستشرافية عن القبيلة والقذافي والإرهاب والنفط ويحاول ان يقدم قراءة مغايرة في البحث عن الشعب الليبي ونضاله من أجل الاستقلال.

11HAW

الانتخابات الليبية مهمة ولكن من غير ضمانات ستصبح مشكلة وليست حلا
المفكر والباحث الليبي علي عبد اللطيف احميدة:
حاورته: روعة قاسم

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية