الانتخابات المبكرة في تركيا: أسبابها الداخلية وتحدياتها الخارجية

20 - أبريل - 2018

مفاجأة خرج بها الرئيس التركي أردوغان بإعلانه انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في تركيا في الرابع والعشرين من يونيو المقبل، والمفاجأة أن الموعد السابق المقرر كان في نوفمبر 2019، وكان في ظاهره موعدا يرتبط بترتيبات متعلقة بالتعديلات الدستورية الرئاسية، التي تم الاستفتاء عليها في الرابع من أبريل 2017، وكأن الموعد كان جزءاً من تلك الترتيبات السياسية المستجدة في الحياة السياسية التركية، ولذلك كان لا بد أن تكون الدعوة للانتخابات المبكرة مبررة أمام الشعب التركي أولاً، وأن يكون عليها توافق بين الأحزاب السياسية في السلطة والمعارضة ثانياً، حتى يتم إقرارها في البرلمان التركي ثالثاً، وتوقيع رئيس الجمهورية التركية عليها رابعاً.
وقد تم التغلب على جزء من تلك الخطوات، بدعوة رئيس حزب معارض هو دولت باهشلي رئيس حزب الحركة القومية إلى هذه الانتخابات المبكرة، وبذلك أصبحت المسألة برلمانية تبحث خلال أيام، فالاقتراح أو الدعوة إلى تقريب موعد الانتخابات عن طريق حزب سياسي معارض، وليس الحزب الحاكم، وموافقة الحزب الحاكم على ذلك، أمر فيه دلالة على توافق الأحزاب التركية الرئيسة على إجراء هذه الانتخابات في الموعد الجديد.
وما يميز هذه الدعوة لتقديم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية هو أن الرئيس التركي أردوغان رئيس أكبر حزب سياسي تركي وهو رئيس الجمهورية، قد وافق على اقتراح رئيس حزب معارض وهو حزب الحركة القومية، فالأمر ليس بقرار منفرد من الرئيس التركي ولا من حزبه الحاكم، فقد دعا الرئيس أردوغان إلى هذه الانتخابات بعد مشاورات مع دولت باهشلي، وحدد لها موعد الرابع والعشرين من يونيو المقبل، فمن المهم التأكيد على أن دعوة باهشلي لهذه الانتخابات المبكرة هي الأصل، سواء كانت بالتوافق مع حزب العدالة والتنمية أو بدونه، ودليل ذلك أن هناك توافقا أكبر بين الحزبين، فإقرار الموعد دليل على هذا التوافق، لأن الاتفاق على الموعد المبكر جاء بعد اجتماع اردوغان المغلق مع دولت باهشلي يوم 18 أبريل الجاري في المجمع الرئاسي.
وتحديد الموعد الجديد لا بد ان يحمل دلالات، وهو ان توقيت الدعوة للانتخابات المبكرة يرتبط في الغالب بالوضع الشعبي الداخلي المؤيد لسياسة الحكومة التركية في عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون، التي انتصر بهما الجيش التركي على التنظيمات الإرهابية وأخرجها من مناطق حدودية واسعة كانت تهدد الأمن القومي التركي، من جرابلس إلى الباب إلى منطقة عفرين، فالشعب التركي قدّم الكثير من الشهداء ومئات الجرحى في معارك داخل سوريا، كما أن العمليات العسكرية في سوريا وجدت تأييداً كبيراً من الداخل التركي بمن فيهم أبناء الشعب التركي من أصول كردية وغيرها، وبالتالي لا بد من أخذ الأسباب الداخلية بعين الاعتبار لاستثمار الظروف، أو الشروط الداخلية للنجاح في هذه الانتخابات من أكبر تحالف حزبي في تركيا، حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.
في الانتخابات الأخيرة نوفمبر 2015 حصل حزب العدالة والتنمية على 49% من المقاعد في الانتخابات البرلمانية، وتجاوز الرئيس أردوغان نسبة 52% في الانتخابات الرئاسية 14 أغسطس 2014، ومن المؤمل أن تكون نتائج الانتخابات المقبلة أكبر بالنسبة للعدالة والتنمية، لأن الأحزاب المعارضة التركية، وبالأخص حزب الشعب الجمهوري ستكون حظوظها أقل من ذي قبل، ولذلك يحاول حزب الشعب الجمهوري منذ الإعلان، التأكيد على أنه جاهز للانتخابات المبكرة، وانها لم تفاجئه أولاً، كما يحاول التحالف مع الأحزاب المعارضة الأخرى ثانياً، لإدراكه أن تحالف حزب العدالة والتنمية مع الحركة القومية قد فرض واقعاً سياسياً جديداً في تركيا، وهدف حزب الشعب الجمهوري تشكيل جبهة قوية لمواجهتهما وتقديم مرشح انتخابي لرئاسة الجمهورية، كما يمثل المتحالفون معه، وهذا ما عبر عنه المتحدث باسم حزب الشعب الجمهوري بولنت توزجان في يوم الاعلان عن تقديم الانتخابات مباشرة.
وحيث ان الانتخابات المقبلة سوف تُدخل النظام الرئاسي الجديد حيّز التنفيذ، بحسب التعديلات الدستورية التي تم إقرارها بالاستفتاء الشعبي في الرابع من أبريل 2017، كان لا بد للرئيس أردوغان من أن يخاطب الشعب التركي بأسباب ذلك، فقال: «نتيجة للعمليات العسكرية التي نخوضها في سوريا والأحداث التاريخية التي تشهدها منطقتنا، بات من الضروري لتركيا تجاوز حالة الغموض في أسرع وقت ممكن»، وأضاف: «سنشرع مباشرة بالإجراءات القانونية المتعلقة بالانتخابات، ولا شك في أن الهيئة العليا للانتخابات ستبدأ مباشرة بالتحضير لها»، القرار جدي وضروري، فالتعديلات الدستورية الرئاسية نجحت في الاستفتاء بعد النجاح بإسقاط الانقلاب العسكري بتسعة أشهر فقط، لأن الشعب التركي كان لا يزال في زخم الانتصار على الانقلابيين الداخليين ومن يقف وراءهم في الخارج، سواء كانوا في بنسلفانيا في أمريكا، أو في العواصم الأوروبية، وكذلك لا بد أن تكون الانتخابات المبكرة ضروريةً لحسم وتثبيت جهاز الحكم الرئاسي، من وجهة نظر الحكومة التركية وحزبها الحاكم، وهو ما أكد عليه رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم بقوله: «إن التطورات الداخلية والخارجية دفعت بلاده إلى اتخاذ قرار إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في 24 يونيو المقبل، بدلاً من موعدها المقرر في 3 نوفمبر 2019. وإن بلاده اتخذت القرار المذكور لـ»تطلعات المواطنين لدخول بعض بنود التعديلات الدستورية (التحول إلى النظام الرئاسي) حيز التنفيذ بأسرع وقت ممكن، والقضايا الأمنية والتطورات الجيوسياسية التي تواجه البلاد».
ومبرر ذلك «حفظ مستقبل البلاد والشعب» بحسب كلام يلدرم، و»أن مستقبل البلاد والشعب أهم بكثير من مستقبله السياسي كرئيس للوزراء»، فهو يقدم تضحيته بمنصبه كرئيس وزراء تنفيذي في النظام البرلماني الحالي، قبل أن تتحول الصلاحيات التنفيذية لرئيس الجمهورية مباشرة، بحسب الدستور الجديد، وكذلك يقدم رئيس الجمهورية أردوغان سنة وأربعة أشهر تقريباً من حكمه كرئيس جمهورية، في ما لو أتم دورته الانتخابية الحالية وفاز في الانتخابات المقبلة في موعدها السابق 3 نوفمبر 2019، ولذلك قد تكون الضغوطات الخارجية أكثر دفعاً لتقديم موعد الانتخابات، من الأسباب الداخلية، وبالأخص أن هناك توجهات خارجية للضغط على تركيا لتغيير موقفها من سوريا، وقد يتم فيها استغلال الضغوط الأوروبية الفرنسية والأمريكية. كما أن لإعلان المتحدث باسم حزب «الشعب الجمهوري» التركي المعارض بولند توزجان، عن استعداد حزبه لخوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة دلالة مهمة أيضاً، وهي تفاعله السياسي مع التطورات بشكل سريع، فتصريحاته، وقد كانت بحضور رئيس الحزب كمال كليجدار أغلو، كما أن كلامه جاء في تصريحات صحافية أدلى بها عقب اجتماع اللجنة المركزية للحزب برئاسة كمال كيلجدار أوغلو أيضاً، أي أن الأحزاب السياسية الرئيسية في تركيا سلطة ومعارضة متوافقة على إجراء الانتخابات المبكرة، وما بقي هو الاستعداد للتنافس الحزبي على المقاعد البرلمانية كما هي في الانتخابات السابقة، والجديد هو التنافس في الانتخابات الرئاسية لرئيس الجمهورية، أي على رئيس تنفيذي يحكم تركيا بالنظام الرئاسي الجديد. وأولى الخطوات في ذلك دراسة البرلمان التركي لمقترح من حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية إلى رئاسة البرلمان، لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، بدلا من موعدها المقرر العام المقبل، فالمقترح يحمل توقيع بن علي يلدرم ودولت باهشلي وعدد آخر من النواب البرلمانيين، حيث سيتم تدارس الاقتراح المشترك من اللجنة الدستورية يوم الجمعة 20 أبريل الجاري، وسيتم عرضه على الجمعية العامة للبرلمان نهاية الأسبوع الحالي لمناقشته والتصويت عليه، وهو ما سيفتح أبواب التنافسي الانتخابي الحزبي في كل تركيا، لتبدأ بعدها تركيا في عهدها الجديد.
كاتب تركي

الانتخابات المبكرة في تركيا: أسبابها الداخلية وتحدياتها الخارجية

محمد زاهد جول

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية