التيه وفقدان المعاني والثوابت

23 - فبراير - 2018

قناعةٌ تولدت ومن ثم ترسخت لديّ بأن الثورة، أي ثورة، لا تندلع في بلدٍ فتجتاح نظامه وقد تجرفه في طريقها فحسب، وإنما يصاحبها زلزالٌ يضرب ما توصف بأنها ثوابت ومفاهيم تُصور بأنها راسخة، قديمة قدم الدهر، وبالتالي فليست محل تساؤل، ناهيك عن أن يتطرق إليها أي شك.
كثيرة هي تعريفات الثورة، فكل طرفٍ يوصفها وفق مصالحه وموقعه الطبقي، ومن ثم تصوراته ومفاهيمه، بنيته الفكرية، المتوارث أغلبها (خاصةً في بلداننا)، وبعيداً عن الفلسفة (مع أن هذا هو وقتها الأنسب في نظري نظراً لانحسار المد الثوري وهجمة الثورة المضادة الشرسة الدموية) فإن الثورة كما أفهمها وأراها تمثل وثبةً نوعية تأتي نتيجة تناقض اجتماعيٍ واقتصاديٍ محتدم؛ تأتي لتتخطاه، وقد لا تنجح في إسقاط الأنظمة، نتيجة عوامل وتطوراتٍ عديدة، مما لا يتسع المجال هنا لنقاشه، إلا أن الأكيد أنها تطرح تساؤلاتٍ حارقةٍ لا حصر لها.
لم تشذ 25 يناير عن ذلك النمط قط، خاصةً في الأجيال الأصغر سناً، التي لم تعش ولم تعِ حدثاً كبيراً من قبل، فهي إما كانت صغيرةً زمن الحروب واغتيال السادات، وإما كانت لم تولد بعد فتشكل وعيها بدرجاتٍ متفاوتة زمن مبارك، برتابته وبلادته وجمود صراعاته الاجتماعية بشكلٍ عام، فأغلب معارك النظام كانت مع أطرافٍ كالجماعات العنيفة المتطرفة، وهي بطبيعة تكوينها وخطابها تنفُر من المجال العام بمعناه السياسي الحديث، بقدر ما تنفِر الجمهور. هذه القطاعات الشابة رجّتها الثورة وفتحت عليها طاقة التساؤلات والبحث عن معان عديدة، كان يتم التعامل معها في ما مضى كبديهيات ومسلمات، معاني كالوطن والانتماء والدين وعلاقته بالمجتمع والصراع الاجتماعي، وكثيرون ما يزالون يبحثون عن إجابات.
لكن ما يلفت انتباهي في هذا السياق هو ما يقوم به النظام ذاته من الناحية الأخرى من تحطيم ممنهج لكل المعاني والثوابت، التي توافق عليها الناس طيلة العهد، منذ نشأة الدولة الحديثة في مصر، وما جدّ عليها من تطوراتٍ وتغيير مسار مع نظام يوليو.
لا أعتقد أن ثمة اختلافاً بين المهتمين بالتاريخ المصري الحديث، أياً كانت انحيازاتهم أو مرجعياتهم الفكرية على كون القضية الوطنية كانت القاسم المشترك والجامع الأساسي بين شتى التيارات، حتى ما انطوت أيديولوجيته على منحىً أو نزعةً أمميةً صريحة، ثم أضيفت إلى ذلك نزعةٌ عروبيةٌ في حقبةٍ ما، وعداءٌ صار متأصلاً للكيان الصهيوني المغتصب الدخيل، بما يمثل عن حق من امتدادٍ للاستعمار وعنصرية وقرصنةً، وسمِ ما شئت من النقائص والمثالب التي تشكل انتقاصاً، بل ونفياً حقيقياً لكيان الدول العربية ،ووجودها واستقرارها وتواصلها ومنظومات أمنها المفترضة لكن كل ذلك آخذٌ في التغير بسرعةٍ مذهلة ومقلقة، ناهيك عن كونها تضرب بخشونة وحماقة في أسس هذه الدول وهذه الأنظمة في حد ذاتها.
في إحدى كتاباته المتأخرة سماها الراحل محمد حسنين هيكل بـ»المحرمات»، وبصرف النظر عن كوني كنت أفضل عدم صياغة الأمر على أرض الحلال- الحرام، فالأكيد أن الصلح مع الكيان الصهيوني كان محرماً، استقر عليه لا الخطاب الرسمي للدول العربية فحسب، وإنما ترسخت الخصومة وانعدام الثقة والعداء في السيكولوجية الجمعية لهذه الشعوب، التي نزفت في حروبها مع الكيان المغتصب المعتدي. ثم جاء السادات فاجترح ذلك المحرم متعللاً بالخير الأسمى، ألا وهو استعادة الأرض، على حساب اعتباراتٍ أخرى فائقة الأهمية، على رأسها التضامن العربي، حتى لو كان نظرياً، ومن ثم أطلق كتبته وأبواقه يشككون في جدوى العلاقة مع العرب، فصاروا يخلطون بين الشعوب والأنظمة، وأخذوا يشوهون وعي الناس المتلقي أكثرهم في سلبية خطاب الفرقة والهويات المزعزعة القلقة. كانت الحجة آنذاك استرجاع الأرض.
ثم مرت السنين، وتقادم العهد، ومع رهان الأنظمة المتتابعة على أمريكا – إسرائيل للبقاء، استمر مسلسل التنازلات والتفريط. جرت في النهر مياهٌ عكرة كثيرة. وتاه الناس، ولست مبالغاً إذا قلت إن احتلال العراق بدأ في كامب ديفيد.
أما الآن، وبعد أن غُدرت الثورات، فالنظام المصري يفرط في الأرض، الأرض نفسها التي ضحى بالتضامن العربي من أجلها، لصالح إعادة ترتيب أوراق المنطقة، بما يصب في مصلحة إسرائيل في المقام الأول، وقبل ذاك كان يبيعها الغاز بأقل من السعر العالمي، والآن يزف لنا نتنياهو بيع الغاز لمصر، حيث النظام (كعادته) لا يكلف نفسه أبسط قدرٍ من الشفافية فيتجشم عناء خروج أصغر مسؤولٍ ليشرح لنا ما الحكاية بالضبط.
قديماً، حين قام الضباط بحركتهم في يوليو 52، افتقروا لجامعٍ أيديولوجي (وربما لأي ثقافة سياسية معتبرة وعميقة ما عدا قلة منهم ) لكنهم اتفقوا على المسألة الوطنية المتمثلة في جلاء المحتل، وبناء جيشٍ وطنيٍ قوي، وربما طموحاتٍ عامة، غامضةٍ وغير مصقولةٍ عن العدالة والتنمية والتقدم، من جملة أحلامهم بمستقبلٍ أفضل لهذا البلد ينتشله من ذل الاستعمار والفقر. أما النظام حالياً فهو يضرب في التيه تماماً، فلا هم له سوى الحفاظ على الانحياز الاجتماعي نفسه للسادات – مبارك والأهم من ذلك الدولة، ذلك الصنم والطوطم الذي صار بقاؤه الخير الأسمى (وربما الأوحد) وكل ما عدا ذلك من المعاني والثوابت فلا قيمة له، بما فيه التراب الوطني ذاته. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أنه بنهجه الحالي يضرب في كل ما قد يشكل معنى أو قيمة للجمهور، خاصةً أن شطحاته وتفانينه كتفريعة قناة السويس الجديدة، وجموح قرارته الاقتصادية أفقرت الملايين، ومع جاذبية الرهان على نموذج الجمهور الذي يتم شحنه وتوجيهه وفق المصلحة، وقد اختُزل دوره في التصفيق، فلا بد من الالتفات إلى كون ذلك الجمهور نفسه، على خلفية الضنك والشك في قيمة أي شيء بدأ يسأم، إن لم يكن قد قطع في الملل أشواطاً بعيدة.
هذا النظام فاقد البوصلة وأي مضمونٍ حقيقي، واستمراره في هذا النهج يؤدي بالمجتمع هو الآخر لفقدان المعنى والجدوى، للتفكك والتوحش، ومع تماديه في التنازلات والصفقات كريهة الرائحة لا أملك سوى أن أسأل نفسي: ثم ماذا؟ أي كارثةٍ أخرى يسقطها على رؤوسنا في الغد؟
كاتب مصري

التيه وفقدان المعاني والثوابت

د. يحيى مصطفى كامل

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • خليل ابورزق

    يقول الكاتب المحترم ” ولست مبالغاً إذا قلت إن احتلال العراق بدأ في كامب ديفيد” و هذا صحيح و اضيف ان كامب ديفيد كانت الذروة في عهد السادات و الذي بدأ بانقلاب مايو 1971 الذي سماه ثورة و لم يعد احد يتذكره. جعل عنوانه الانفتاح فاسس الفساد..و كان هذا بداية كل الكوارث العربية و الانحدار المصري الى ما نحن فيه..لانه قطع رأس الامة العربية “مصر” عن جسدها العربي بما قتل الاثنين..ليس فقط غزو العراق و لكن ايضا غزو الكويت و حرب الانفصال في اليمن و الحروب التي تلتها و حرب الجزائر وحرب لبنان و تنمر الاقزام العرب..و الاهم تدهور الاحوال المصرية في كل المجالات..هل كان كل هذا سيحدث لو بقيت مصر في مركز القيادة العربية؟؟


إشترك في قائمتنا البريدية