سي إن إن الأمريكية: السعودية تستعد للاعتراف بأن خاشقجي قتل نتيجة استجواب خاطئ

عاجل

الذين أخطأوا في كل مرة… حسابات المسألة السورية وتداعياتها

21 - فبراير - 2018

كما الطبقات الجيولوجية، تستبطن المسألة السورية عدداً متراكماً ومتداخلاً من الأزمات. هنا ثورة شعبية، جمعت قطاعات واسعة من الشعب السوري، الأحياء منهم ومن قضوا تحت دمار البيوت، الذين اختاروا البقاء في البلاد ومن دفع إلى المنافي، من انخرط في الفصائل المسلحة ومن أصر على الابتعاد عن السلاح. ربما تعني سوريا الجديدة، التي ينشدها كل هؤلاء، شيئاً مختلفاً لكل فصيل أو جماعة أو حزب، ولكن تجارب السنوات القليلة الماضية، بكل قسوتها، تشير إلى أن السوريين سيستطيعون، في النهاية، التوافق على دولة أكثر عدلاً، أكثر تعبيراً عن تعددية الشعب، وأكثر استجابة لإرادته. ولكن الثورة لم تعد الوجه الوحيد للمسألة السورية. ثمة حرب أهلية في سوريا، لم يعد من الممكن تجاهلها، بعد أن اصطفت فئات من الشعب السوري، لأسباب طائفية أو سياسية أو اجتماعية، إلى جانب النظام وجيشه، واختارت خوض الحرب ضد معارضيه، المسلحين منهم وغير المسلحين. كما اصطفت فئات أخرى، ولأسباب قومية، من أجل توكيد الهوية، وبناء كيان قومي حصري.
وهناك، بالطبع، صراع إقليمي، يشمل عدداً من القوى المشرقية، التي تفاوتت مستويات انخراطها في المسألة السورية خلال السنوات السبع الماضية، وتباينت طبيعة علاقاتها من مرحلة إلى أخرى. لعبت السعودية دوراً ما في مساندة الثورة خلال الفترة من 2012 إلى 2015، ثم انسحبت إلى ملفات أخرى. ووقفت تركيا، منذ نهاية 2011، إلى جانب الثورة والشعب، لتصبح أكثر اهتماماً بالتهديد الذي تمثله أجنحة حزب العمال الكردستاني السورية. ولكن إيران، وطيفاً واسعاً من أدواتها الشيعية، تبنت من البداية موقفاً مسانداً للنظام، أصبح أكثر طموحاً مع مرور الوقت، بحيث باتت إيران شريكاً كاملاً في إدارة شؤون البلاد وصناعة قرار النظام. مصر، التي تمسكت بموقف حيادي خلال حكم المجلس العسكري، وأصبحت أكثر ميلاً للثورة والمعارضة خلال ولاية مرسي القصيرة، انتقلت إلى موقع المساند لنظام الأسد بعد انقلاب 3 تموز/يوليو 2013.
الطبقة الأكثر بروزاً وأوقع أثراً في مجريات المسألة السورية مؤخراً هي تلك المتعلقة بالتدخل الدولي، والصراع الآخذ في الاحتدام بين روسيا والولايات المتحدة. انتهجت إدارة أوباما سياسة أقرب إلى عدم الاكتراث بالثورة السورية، انتهت إلى تفضيل بقاء نظام الأسد على انتصار فصائل الثورة المسلحة. ومع صعود داعش المثير في صيف 2014، اتخذ أوباما قرار العودة إلى العراق وسوريا بهدف محاربة الإرهاب. ولكن ثمة مؤشرات متزايدة على أن إدارة ترامب طورت سياسة مختلفة قليلاً. لم تتخل واشنطن ترامب عن مكافحة الإرهاب وهدف اجتثاث داعش، ولكن ثمة اهتماما أمريكيا إضافيا بسوريا، يتعلق بالمواجهة الجيوسياسية مع روسيا والصين، التي تحتل أولى أولويات استراتيجية إدارة ترامب العالمية. لم يخف كبار مسؤولي إدارة ترامب عزمهم على البقاء عسكرياً في سوريا، والبقاء لأجل غير محدد. ما يريده الأمريكيون من هذا التواجد، المفروض بالقوة، وبدون مظلة قانونية دولية، ليس اقتلاع داعش وحسب، ولكن أيضاً الشراكة الفعلية في تقرير مصير سوريا. لتحقيق هذا الهدف، تبنى الأمريكيون الحزب الديمقراطي الكردستاني، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، أداة لهم، حتى لو أدى ذلك إلى استفزاز تركيا، حليف الولايات المتحدة الأقرب والأقدم في الشرق الأوسط.
وتكشف تطورات الأسابيع القليلة الماضية حجم التعقيد الذي يلف المسألة السورية، وحدة التدافع، المباشر وغير المباشر، بين أطرافها المحليين والإقليميين والدوليين. واجه الأمريكيون، بقوة نيران هائلة، الهجوم الذي حاولت به قوات سورية حكومية، مدعومة بمرتزقة روس وميليشيات شيعية، التقدم إلى منطقة حقول نفط وغاز بالقرب من دير الزور، تسيطر عليها الوحدات الكردية العاملة تحت إشراف الجيش الأمريكي، يوم 7 كانون الثاني/يناير، موقعة عشرات القتلى ومئات الجرحي بالمهاجمين، بما في ذلك أعداد كبيرة من الروس. يدعي الأمريكيون أنهم لم يكونوا على دراية بوجود العناصر الروسية بين المهاجمين، وأنهم التزموا قواعد الاشتباك، التي أبلغوا بها موسكو ودمشق من قبل، بضرورة تجنب أية مواقع يتواجد فيها خبراء عسكريون أمريكيون. ولكن الأرجح أن القيادة المركزية الأمريكية، المسؤولة عن رعاية الوحدات الكردية، كانت تعرف طبيعة المهاجمين، وأنها أرادت إرسال رسالة قاطعة حول الوجود الأمريكي في سورية لموسكو ودمشق.
في الوقت نفسه، تنفذ تركيا عملية عسكرية واسعة ومعقدة، لتطهير منطقة عفرين، في شمالي غرب سوريا، من الوحدات الكردية المسلحة. والمدهش، أن واشنطن، التي أكدت عدم تعهدها أية نشاطات عسكرية في المنطقة، أبدت تحفظاً على التحرك التركي، بينما اتخذت موسكو موقف التأييد الضمني.
إيران، التي تتمتع بعلاقات أفضل مع تركيا منذ صيف 2016، شاركت نظام الأسد معارضة العملية التركية. ولكن التباينات بين أهداف ومصالح إيران وروسيا في سوريا لا تقتصر على عملية عفرين.
الإيرانيون قلقون من دعم روسيا للدور التركي العسكري في مراقبة نظام عدم التصعيد، الذي أتاح لتركيا انتشاراً عسكرياً واسع النطاق في ريفي حلب وإدلب. كما أن إيران تبدو عاجزة عن تفسير صمت روسيا، التي يفترض أن تغطي دفاعاتها الجوية السماء السورية، عن استباحة الطيران الإسرائيلي للأجواء السورية، واستهدافها ليس إمدادات حزب الله وحسب، بل ومراكز لوجستية إيرانية. ما يحتمله الموقف الروسي من النشاطات الإسرائيلية العسكرية، إلى جانب التوغل الروسي الاقتصادي والمالي في سوريا، أن موسكو تعمل على تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، وأنها تجد تأييداً لسياستها هذه من دوائر نافذة في نظام الأسد.
خلال العام الماضي، سيما بعد نجاح قوات النظام في السيطرة على مدينة حلب، أعلن نظام دمشق وحلفاؤه الإيرانيون الانتصار على الثورة السورية؛ ولم يتردد بشار الأسد في التوكيد على أن بسط سيادة نظامه على كافة الأراضي السورية ليست سوى مسألة وقت. اليوم، تقسم سوريا إلى مناطق نفوذ؛ وقد أصبحت المسألة السورية أكثر تعقيداً مما كانت في أي منعطف منذ اندلاع الثورة في آذار/مارس 2011. ثمة قطاع من البلاد يسيطر علية جيش النظام، مدعوماً بقوات إيرانية وميليشيات شيعية من كل صنف؛ قطاع لم يزل تحت سيطرة فصائل الثورة المسلحة المختلفة؛ قطاع روسي؛ قطاع أمريكي ـ كردي؛ وآخر تركي. قد يتسع نفوذ هذه الجهة قليلاً، أو يتقلص، ولكن أحداً لا يمكنه تقدير موعد خروج القوات الأجنبية المختلفة، وجلوس السوريين، نظاماً ومعارضة، للتوصل إلى حل سوري وطني. الحقيقة، أنه لم يعد هناك من حل سوري.
ثمة جهات محددة تتحمل المسؤولية الكاملة عن إيصال سورية إلى هذا الوضع الكارثي: نظام الأسد وحلفاؤه في إيران. الأسد والإيرانيون من دفع سوريا من مستوى تأزم إلى مستوى أكثر تأزماً. لم يستمع الأسد لحلفائه وأصدقائه العرب والأتراك، الذين نصحوه في بدايات الثورة بمقابلة شعبه في منتصف الطريق، وتصور إن من الممكن هزيمة الشعب بقوة السلاح، كما فعل والده في مطلع الثمانينيات. وعندما فشل في تحقيق الانتصار على الشعب، سارع الأسد إلى استدعاء الإيرانيين والميليشيات الشيعية. وبالرغم من محاولات أنقرة المتعددة التوصل إلى حل توافقي للأزمة، يكفل مصالح الأطراف المختلفة ويحقق آمال السورييين، رفض الإيرانيون التعاون، وأصروا على بقاء الأسد ونظامه. وعندما أدرك الإيرانيون عجزهم عن حسم المعركة، استدعوا روسيا إلى حلبة الصراع. وبدخول الروس، أصبح تبلور دور أمريكي مواز مسألة وقت فقط. كلما ادعى الأسد والإيرانيون الانتصار، على الجميع التذكر أنهم أخطأوا حسابات هذه الحرب في كل مرة، وفي كل مرة بلا استثناء.

٭ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

الذين أخطأوا في كل مرة… حسابات المسألة السورية وتداعياتها

د. بشير موسى نافع

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • محمد ادريس

    روسيا موجودة في طرطوس اي سوريا منذ 1971، اي قبل ان يكون هناك اي شيئ اسمه جمهورية اسلامية في ايران. و بسبب تواجدها في طرطوس كانت و مازلت معنية باي صراع عسكري يخص سوريا. و وجود الاتحاد السوفييتي في طرطوس كان احد الاسباب الرئيسية التي جعلت امريكا تكف يدها عن سوريا قبل مجيئ اوباما. بل و خلال حرب لبنان و بعد ان ان اجبر السوفييت الاسد على التخلي عن اخيه رفعت الذي كان يمثل بالنسبة لامريكا مشروع ” انور السادات” السوري، مكن الدعم السوفييتي سوريا من حسم حرب لبنان بعد طرد كل من اليهود و امريكا و فرنسا من هناك.

    جاء اوباما بعد فشل مشروع حرب العراق و اضطرار ادارة بوش اقتسام النفوذ مع ايران في العراق من اجل ايقاف نزيف الاعباء الاقتصادية و البشرية الذي تحولت اليه مغامرة امريكا في العراق. رفع اوباما شعار عدم ارسال الجنود الامريكيين الى اي حرب جديدة دون ان يعلن جهرة البديل لذلك، ليتضح في ما بعد ان البديل هو استخدام “فقراء” العرب كحطب لحروب امريكا و بتمويل من “اغنياء” العرب.

    عاش العرب خلال العقود الاخيرة فترة قحط في مجال المعرفة و الحريات و التنمية جعلهم يحسبون اي سراب للحرية هو الخلاص الذي سيروي عطشهم. فجاء ربيع اوباما العربي محاولا استغلال ظمأ العرب للحرية لاصلاح اخطاء من سبقوه في العراق عن طريق تصفيه الحسابات القديمة مع كل من سولت له نفسه تحدي امريكا يوما ما و استغلال الزخم الناتج عن ذلك لاعادة تشكيل خريطة المنطقة والزج بالعرب كحطب لحروبه على ايران لانقاذ مشروع امريكا المتهاوي في العراق و تقديم اعظم خدمة لاسياده اليهود.

    و ككل ضمآن يرى السراب ماء، اكل العرب الطعم و لم يسالوا انفسهم لماذا الان فقط تريد امريكا لهم الخير و ليس سنة او عشر سنوات او عشرين سنة من قبل، او ماهو المقابل.

    لقد كان اوباما قاب قوسين او ادنى ان يحقق اعظم انجاز للسياسة الخارجية لامريكا منذ كسنجر، و لكن لسوء حظه استخف بقاعدة طرطوس ليتحول سراب ربيع اوباما العربي الى فوضى منحت الروس و ايران و الصين و قلة قليلة من العرب اعظم فرصة لتحدي امريكا في شرق اسيا و في افغانستان و في العالم العربي.

    و لان امريكا مازال عندها اليابان و كل اوروبا و كل امريكا تقريبا فسوف لن تتحمل النزيف و الاهانة الذي يمثله بقاؤها شرق الفرات في مواجهة خصوم عازمون على استغلال غباء و اخطاء امريكا لتحقيق نصر عظيم بات في متناول اليد.


  • خليل ابورزق

    يخلص الكاتب المحترم الى: “ثمة جهات محددة تتحمل المسؤولية الكاملة عن إيصال سورية إلى هذا الوضع الكارثي” و يذكر النظام و ايران و هذا صحيح الى حد ما. و لكن الكاتب المحترم نسي السبب الاول و الرئيس في كارثة سوريا و كوارث العراق و مصر و لبنان و فلسطين و هو وجود اسرائيل و دورها و متطلبات استمرار وجودها. فلولا مشروع الكيان الاسرائيلي لما تم تقسيم سوريا اصلا بل لما تم تقسيم المشرق كله.
    وجود اسرائيل و ليس حدودها او امنها هو المشكلة


إشترك في قائمتنا البريدية