العراق: مجلس الإعمار… حلول الأمس وهموم الغد

ربما مَثّل عقد خمسينيات القرن العشرين حقبة ذهبية قائمة على نجاح خطط التنمية في العراق، تنمية انطلقت مع بداية الخمسينيات منهية ثلاثة عقود من التخبط وغياب التخطيط المركزي في أداء الدولة. وقد وقفت خلف هذا النجاح ظروف سياسية واقتصادية، منها تغير الجو السياسي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، وبدء حقبة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي وانعكاس ذلك على منطقة الشرق الأوسط عبر تشكيل التحالفات والتكتلات الدولية التي توجت في منتصف الخمسينيات وتحديدا عام 1955 بتشكيل حلف السانتو (الحلف المركزي) الذي تحول لاحقا إلى حلف بغداد بدعم أمريكي وتعهد اقتصادي وسياسي قدمه الأمريكان للدول التي ستشكل طوق مواجهة ضد الاتحاد السوفيتي وهي المملكة المتحدة راعية الحلف والدول المشتركة فيه باكستان وإيران وتركيا والعراق.
منذ تأسيس المملكة العراقية عام 1921 والدولة تحاول أن تضع أطرا حديثة لإدارة وتطوير العمل في العراق، إلا أن نمط نظام الحكم وعدم وجود قواعد راسخة للعمل السياسي أدى إلى سيطرة التكوينات الاجتماعية القديمة على الحياة السياسية فامتلأ البرلمان وهو السلطة الأعلى في مملكة دستورية بممثلي الأحزاب من الشيوخ القبليين الأميين وبعض رجال الدين، ومجموعة صغيرة من تجار وأثرياء المدن، بالإضافة إلى شريحة الضباط العثمانيين السابقين الذين التفوا حول الحكم الملكي الوليد ورأس العائلة المالكة الجديدة الملك فيصل الأول. لذلك كان نظام الحكم غير مستقر ومعرضا لهزات مستمرة ، ولم تكمل أي وزارة من وزارات العهد الملكي مدتها القانونية الممثلة بأربع سنوات. وكانت صفة التبدل السريع هي السمة الطاغية على الوزارات التي لم يعش بعضها سوى أسابيع، ونتيجة ذلك حدث غياب شبه تام للتخطيط المركزي بسبب قصر عمر الوزارات.
وفي محاولة من الدولة العراقية لوضع حل لهذه المشكلة التمست في نوفمبر/تشرين الثاني 1950 رسميا من بنك الإعمار الدولي مساعدة العراق في حل مشاكله عبر إرسال بعثة إلى العراق لدراسة إمكاناته الاقتصادية ووضع توصيات من شأنها مساعدته على وضع برامج تنمية لإعمار البلد. وفعلا تم الاتفاق بين العراق وبنك الإعمار الدولي وتم أرسال البعثة في 25 شباط/فبراير 1951 برئاسة «ايفا روث» وقد ضمت اللجنة خبراء ومستشارين في ميادين الاقتصاد والري والسيطرة على الفيضانات التي كانت تمثل الهم الأول والخطرالأكبر الذي يهدد العراق كل عام، بالإضافة إلى خبراء في مجالات الزراعة والصناعة والتعليم والصحة والإسكان. وقد عملت هذه اللجنة في العراق على مدى أربعة أشهر لتقدم بعد ذلك توصياتها في تقرير تفصيلي للحكومة العراقية في 27 حزيران /يونيو 1951.
وكانت توصية اللجنة ضرورة إقامة هيكلية موازية للحكومة العراقية وغير خاضعة لها، تمكنها من العمل باستقلالية ومهنية ولا ترتبط بالحكومة سوى بإشراف رئيس الوزراء وعضوية وزير المالية. الهيئة الجديدة أطلق عليها تسمية «مجلس الإعمار»، ويجب على العراق أن يضع كل الدخل المتحقق من بيع النفط في خزينة «مجلس الإعمار» لتنفيذ الخطط التنموية التي تتقدم بها الوزارات المختلفة للمجلس، الذي يقوم بدوره برسم خطط بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى لتنفيذ الخطط المطلوبة ومن ثم يقوم بتسليم المشاريع المنجزة للوزارات المختلفة لإدارتها وصيانتها.
ومن الأسباب المهمة التي ساعدت على نجاح «مجلس الإعمار» القفزة الهائلة التي تحققت من تعديل اتفاقية البترول التي حققتها حكومة نوري السعيد الحادية عشرة التي تولت الحكم من ايلول /سبتمر 1950 إلى تشرين الاول /اكتوبر 1952 إذ تفاوضت حكومة السعيد مع شركة نفط العراق (IPC) الاحتكارية ونتيجة للضغوط العراقية والتخوف من تكرار تجربة مصدق في إيران تم تعديل حصة العراق إلى ما عرف باتفاقية «مناصفة الحصص «، أي حصول العراق على نصف أرباح البترول المباع من قبل شركة البترول مما وفر مبالغ كانت تعتبر كبيرة جدا حينها، فقد ارتفعت واردات العراق من مبيعات النفط من 3 ملايين دينار عام 1949 إلى 50 مليون دينارعام 1953، مما حقق وفرة مالية ساعدت في تنفيذ مشاريع «مجلس الإعمار» التي ابتدأت بالمشاريع الكبرى أولا ووفق خطة طويلة الأمد تم تنفيذ المشاريع الوطنية الاستراتيجية مثل سد وبحيرة الثرثار وسد وبحيرة الحبانية اللذين حميا بغداد من خطر الفيضان، ومن ثم ألحقت بهذين المشروعين سدود أخرى في دوكان ودربندخان للحماية من الفيضانات وتوفير الطاقة وتطوير الزراعة، ليتم بعدها التحول إلى قطاع الطرق والجسور في خطط متوسطة الأمد تمثلت في تعبيد آلاف الكيلومترات لربط مدن العراق بشبكة طرق وجسور حديثة، وألحقت بعدها بالمشاريع قصيرة الأمد التي تميزت بكونها على تماس مباشر مع حياة المواطن مثل مشاريع التنمية في قطاع الإسكان حيث تم بناء آلاف الوحدات السكنية لذوي الدخل المحدود، وتطوير قطاع الصحة إذ بنيت عشرات المستشفيات والمستوصفات والمراكز الصحية في مختلف مدن العراق. كما حدث توسع كبير في بنية التعليم الأساسي والتعليم العالي إذ بنيت المدارس والمعاهد والكليات وتم ابتعاث عشرات الطلبة في بعثات دراسية إلى خارج العراق لتوفير كوادر متعلمة وحاصلة على الخبرة اللازمة لإدامة خطط التنمية. كل ذلك أتى ثماره في قفزة الحداثة التي تحققت في الستينيات والسبعينيات.
لكن ما حدث بعد انقلاب 14تموز/يوليو 1958 وإطاحة تنظيم الضباط الأحرار بالنظام الملكي وتأسيس الجمهورية العراقية أن القائمين على النظام «الثوري» الجديد رأوا في وجود هيكلية «مجلس الإعمار» خارج سيطرة الحكومة نوعا من اضطراب أطر العمل البيروقراطي وازدواجية القرار غير المرغوب فيها بالنسبة لهم. ولأن المشاركين في الحكومة الجديدة من الأحزاب الثورية كان لهم موقف ايديولوجي مسبق من مجلس الإعمار الذي كانوا يطلقون عليه اسم «مجلس الاستعمار» باعتباره تدخلا من القوى الدولية في اقتصاد العراق لأنهم اعتبروا وضع عائدات النفط تحت تصرف صندوق إعمار سيادي يدار من ستة خبراء ثلاثة منهم عراقيون وثلاثة أجانب يمثلون إدارة «مجلس الإعمار» أمرا مرفوضا، بل يمثل نوعا من انتهاك الاستقلال الاقتصادي والتفريط بثروات البلد، علما أن قرارا بتخفيض حصة خزينة مجلس الإعمار كان قد تم اتخاذه عام 1957 إذ تم تخفيض تخصيصات مجلس الإعمار من عائدات البترول من 100% لتصبح 70% فقط ، ليذهب الباقي للموازنة التشغيلية لوزارات الحكومة. لكن حكومة الجنرال قاسم ارتأت أن تنشئ وزارة الإسكان والتعمير وأن تدمج مجلس الإعمار في بنية الحكومة. والنتيجة ومنذ ستينيات القرن الماضي والحكومات المتتابعة تبتلع ريع العراق النفطي مع غياب خطط التنمية الحقيقية إذا استثنينا الانتعاش النسبي الذي شهده عقد السبعينيات نتيجة قفزة أسعار البترول وقرار التأميم.
بعد إطاحة نظام صدام حسين عام 2003 وشيوع موجة من الفرح الشعبي المنفلت نتيجة الحصول على هامش حرية غيبها الحكم الشمولي لعقود طويلة، لم تنتبه قوى المجتمع للكوارث التي تقوم بها الحكومات «الديمقراطية» المتتابعة. ومع انفجار أسعار البترول منتصف العقد الماضي، وصل ريع البترول إلى أرقام فلكية حيث لم تدخل خزينة العراق عبر كل تاريخه ما يماثلها، لكن مافيات الفساد والتخبط الاقتصادي أفرغت خزينة العراق بدون تنفيذ مشروع خدمي واحد. وتركت البنية التحتية المهترئة لتصل إلى اسوأ المستويات حتى غدت بغداد وللسنة الثامنة أسوأ مدينة للعيش في العالم من حيث معايير جودة الخدمات والصحة والتعليم والأمن وجاذبية الاستثمار.
ابتدأ عدد من الخبراء ومراكز الدراسات والباحثين الاقتصاديين منذ 2014 بالمطالبة بإقامة مجلس إعمار جديد تحدد أطره القانونية وفق معطيات وظروف العراق الجديدة. فبعد هدر ما قيمته حوالي 500 مليار دولار من عائدات البترول بين عامي 2004 و2014 أصبح العراق أمام كارثة حقيقية. وقد ذكر الخبير الاقتصادي ووزير التخطيط الاسبق د. مهدي الحافظ في تصريح له عام 2014 أن «إنشاء مجلس للإعمار خطوة مهمة لتحقيق التنمية في العراق، ولكن إنشاء هذا المجلس يحتاج إلى حكومة فاعلة ولديها رؤية اقتصادية موّحدة». وأضاف أن «العراق منذ عشر سنوات لا يمتلك أي رؤية اقتصادية وهذا الأمر يؤخر الاستثمار وإنجاز المشاريع والسبب في ذلك هو أن المؤسسات الاقتصادية ليست متفاعلة مع التطورات الاقتصادية كما أنها لا تعي حجم المسؤولية التي يفترض اضطلاعها بها».
ونتيجة ضغوط الشارع ومطالبته بالإصلاح والخدمات والأمن، نصت المادة 27 من الموازنة العامة للعام 2015 على أن « لمجلس الوزراء إنشاء المجلس الأعلى للإعمار على أن ينظم ذلك بقانون خلال ثلاثة أشهر». لكن يبدو أن إنشاء هذا المجلس الذي تمت التوصية بإنشائه ومر عليه ثلاث سنوات وليس ثلاثة أشهر من مستحيلات الزمن العراقي السيء، ولن يتم تأسيس «مجلس الإعمار» إلا بعد تشكيل حكومة رشيدة تعمل لصالح الوطن بشكل حقيقي.
كاتب عراقي

العراق: مجلس الإعمار… حلول الأمس وهموم الغد

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

  1. يقول د محمد شهاب أحمد / بريطانيا:

    للأمم و الشعوب ، كما للأفراد ، أقدارها . و خطأ ساعة قد يدّمر حياة الفرد ، و تلك الساعة في حياة العراقيين كانت في ذلك الفجر الدامي الظالم يوم ١٤ تموز ١٩٥٨ .
    إن كنت أشعر بالغضب على نفسي ، فذاك لأني في سنوات الصبا و الشباب الأولى صدّقت ما كان يشحن في عقولنا عن رجعية النظام الملكي و ثورية الجمهوريين !
    منذ ذاك الإنقلاب الدموي الذي قاده رجال إئتمنت الدولة في أيديهم السلاح لحماية البلاد ، فإذا هم يستخدموه لقلب البلاد عاليها سافلها ، و إن قلنا في أحسن الأحوال أن نواياهم كانت سليمة ، إلا أن حقائق الحياة و كيف تدور ، سرعان ما أظهرت أنهم لم يكونوا إلا مغامرين لم يترددوا في الإستحواذ على جاه السلطة ، و تقاتلوا فيما بينهم على ذلك .
    و الشعب دفع غالياً جرّاء ذلك .
    قالوا عنه ” مجلس الإستعمار”… و بعد عشرات السنين لم يستطيعوا إثبات أي فساد على رجالات تلك الدولة التي أدارته .
    إنحدار العراق و دماره إبتدأ منذ ذاك الْيَوْمَ ، و هنا سأقول كلمة أعتقد بصحتها ، و إن لم أقّر و أمشي في ركابها عندما كنت أعيش في العراق ذاك الزمان .
    بطريقة أو أخرى إستطاع نظام البعث و صدام حسين في السبعينات وقف الإنحدار و التردي من خلال قطع دابر المغامرين و تدخل العسكر ، و ظهر و كأن العراق ، خصوصاً بعد تأميم النفط العراقي عام ١٩٧٢ ، في حالة صعود و إزدهار ، و قد حصل ذلك حقاً ، غير أن البلاد ، و لشديد الأسف ، دخلت مرحلة الحروب …..و بعد ذلك تأريخ معروف

    و شكراً للسيد الكاتب

إشترك في قائمتنا البريدية