المايسترو لبنان بعلبكي: في أوروبا أقدم مؤلفات لشباب لبنانيين أفتخر بهم

18 - أغسطس - 2018

زهرة مرعي

0
حجم الخط

تحفيز الفنون وخاصة الموسيقى يخلصنا من مرارة الطائفية

بيروت ـ «القدس العربي»: خلال زمن قصير تمكن المايسترو لبنان بعلبكي من اكتساب حيز مميز ضمن مساحة الثقافية الموسيقية اللبنانية، بعد دراسة لسنوات في رومانيا. إلى جانب قيادته للأوركسترا الفيلهارمونية ترك أثراً جميلاً بتعاونه مع جورج خباز في تقديم «سنية أوركستر» في مهرجان إهدن العام الماضي، والذي سيتكرر في 25 من الجاري. وكذلك بمرافقة موسيقية للعرض المسرحي الموسيقي «إلا إذا» في مهرجانات بعلبك.
معه هذا الحوار:
○ المايسترو لبنان بعلبكي في مهرجانات بعلبك. هل بحثت في انتمائك العائلي لمكان مغرق في التاريخ؟
• يشكل مهرجان بعلبك حلماً للكثير من الفنانين من لبنان والعالم ينتظرون فرصة الوقوف على مسرحه. معرفتي بجورج خباز حفزّت التعاون لتقديم عرضه الموسيقي المسرحي «إلاّ إذا» في بعلبك، وتحقق الحلم باكراً. ومن الآن بدأ البحث بعمل موسيقي خاص بي للعام المقبل في المهرجان. بالعودة للإنتماء العائلي فنحن جنوبيون أصفياء. ولا شك أن الجذور قبل قرون بعلبكية، وكانت رحلة صوب الجنوب كعائلات كثيرة. لا أخفي الحنين لبعلبك، هي جينات، وقد تكون ذاكرة جماعية. في بعلبك أشعر بالانتماء سواء كنت في المدينة أو القلعة.
○ كم تُسهّل الأسماء حياة البشر أو تُحملهم أعباء؟ وهل تآلفت مع اسم وطنك سريعاً؟
• نعم، فقد نشأت على الروح الوطنية في العائلة، خاصة والدي رحمه الله. والدي الفنان عبد الحميد بعلبكي، وطني بعاطفة كبيرة، ولهذا اسماني لبنان. بالتأكيد يترك الاسم أثراً في حياة البشر، ويشكل أول بطاقة تعريف عنهم. أياً كانت الصفة التي أكتسبها مهنياً وإنسانياً، يبقى للاسم وقعه بمجرد لفظه. نعم حظي مزدوج في اسمي الأول والثاني.
○ هل تصغي في اسمك أو أي اسم آخر لنغمة موسيقية ما؟
• أكيد. عندما أتابع حديثاً ما يجذبني إيقاعه ولحنه. أخبرني الشاعر هنري زغيب توصله عبر البحث بأن لبنان بالآرامية «لب أنان». «لب» هو القلب، و«أنان» هو الله. «لب أنان» لحن متكامل من بداية ونهاية. والألحان الجميلة ذات بداية ونهاية واضحة. بالطبع هو مديح باللغة.
○ لكل مهنة همومها ومشاغلها. ماذا عن الموسيقي وقائد الأوركسترا ومتى ينسى حرفته؟
• العمل مع مجموعات، وتسلُم قيادة ما، يستوجب قدرات تتجاوب مع تلك المسؤوليات. إلى المعرفة الموسيقية يحتاج قائد الأوركسترا إلى علم نفس الأشخاص وخاصة الموسيقيين. فهم مختلفون بهمومهم عن كثير من الناس. على قائد الأوركسترا الإلمام شبه المطلق بالفن، وسعي دائم نحو الكمال. وهذا يميزه عن أي موهبة موسيقية أخرى كمؤلف أو عازف. فهو قادر على رؤية التفاصيل بأبعد من حدودها العادية. عندما تعزف الأوركسترا مؤلفاً لفنان ما فهو يرى جديداً فيما كتبه لم يعرفه من قبل، وهذا نتيجة حرص شديد في الأداء. تتشابك هموم قائد الأوركسترا إضافة لمسؤوليته عن العمل ككل مهما كان نوع الموسيقى. فخطأ طفيف قد يغير مجرى العمل.
○ كقائد للأوركسترا الفيلهارمونية في لبنان ما هو طموحك المستقبلي؟
• سؤال أطرحه على نفسي أحياناً. يتسع طموح قائد الأوركسترا باتساع الأوركسترات حول العالم. لا تحد حلمي تجربة ما، بل هو يكبر طالما الأمل والحلم موجود بتجارب جديدة.
○ بعد معايشتك للمؤسسات الموسيقية في الغرب وخاصة رومانيا هل ترى أننا على الطريق لتكون لنا بصمة في الموسيقى السيمفونية؟
• وجود الأوركسترا في بلدنا على درجة عالية من الأهمية، ولا أدعي أننا في الطريق لبصمة ما في تاريخ الموسيقى العالمية. تقوم الأوركسترا بعملها ولها حضورها في الحياة الثقافية اللبنانية. ويمكن القول انها الواجهة الابرز التي تمثل الحياة الثقافية في لبنان. ألهمت الأوركسترا الكثير من المغنيين الشعبيين ليكونوا «ترافور أوركسترا». نحتاج لعوامل أكبر بكثير كي نترك بصمة في الموسيقى، وأن يكون المجتمع متقبلاً لتعلم الموسيقى دون اشكاليات وجدليات من هنا وهناك. ويفترض وجود إنتاج أكبر بكثير للموسيقيين، وهنا أعترف بأن إنتاج الموسيقيين لا يزال ضئيلاً وضعيفاً. والموسيقيون الجيدون ما زالوا ضمن دائرة ضيقة جداً. في حين يعود تاريخ أوركسترات أوروبا لمئات السنوات. ومع كل دورة جامعية يبلغ إنتاج الموسيقيين الألوف. وهذا ما يساهم بالبصمة. هل نحن على الطريق الصح؟ أكيد، طالما وجدت الأوركسترا والموسيقيون المزمعون على تقديم الجديد. صدقاً وصراحة نسير كما طاقة الشمعة.
○ كمايسترو للعمل المسرحي الموسيقي الغنائي «إلاّ إذا» هل بثّ فيك جرعة أمل بالإنتماء للوطن وليس للطوائف؟
• دون شك. تجمعني صداقة بجورج خباز، وبعملنا معاً في هذا العرض عرفته أكثر. روحه الحقيقية وطنية تؤمن بالإنسان. رسالته في «إلاّ إذا» وصلت لكل من حضر العرض. الإنسانية تنقذنا كبشر وليس الإنتماء الطائفي أو الديني. إن وجد الأمل لمغادرة واقعنا المر فعبر تحفيز الفنون وخاصة الموسيقى. كثير من المجتمعات سلكت هذا الدرب ووجدت نتائج كبيرة.
○ جذب السيناريو في «إلاّ إذا» الجمهور وبقي عطشاً لمزيد من الموسيقى. هل كان ذلك مستحيلا؟
• ربما كان متاحاً. هذا يعود لرؤية المخرج والمؤلف جورج خباز لعمله المسرحي. انها تجربة جورج الأولى في المسرح الموسيقي، وربما وجد ضرورة لحيز موسيقي أوسع في أعمال لاحقة.
○ هل من مقارنة بين «إلاّ إذا» و«سينة أوركستر» حيث تعاونت مع خباز لتقديمه الصيف الماضي في إهدن؟
• في بعلبك كنا مع عمل مسرحي موسيقي، وفي إهدن مع عرض موسيقي في المرتبة الأولى تصحبه مشهدية محدودة. فكرة «سينة أوركستر» جاءت بهدف تقريب الشباب من الموسيقى الأوكسترالية، بخلاف معرفتهم بها في أيام الحداد الرسمي. من هنا كانت فكرة تقديم موسيقى الأفلام التي يرتبط بها كثير من الشباب، سواء عن وعي أو من دونه. وهكذا تطورت الفكرة إلى مشهدية كبيرة. وصف جورج خباز العملين بالمختلفين، فالأول موسيقي يرافقه المسرح، والثاني مسرحي ترافقه الموسيقى.
○ ماذا تقرأ في موسيقى الأفلام؟ وهل ستكتبها يوماً؟
• موسيقى الأفلام ولعي، إن أتت الفرصة للكتابة فهذا ممكن، وعندها أكون مع التحدي الكبير. تشكل موسيقى الأفلام تطوراً طبيعياً للموسيقى الكلاسيكية التي ازدهرت في القرون الماضية، وتكمل هذا المسار. موسيقى الأفلام تشبه المؤلفات السيمفونية الكبيرة إنما برؤية وروحية مختلفة.
○ علم نفس قيادة الأوركسترا عنوان رسالتك للدكتوراه. هل شكلت اختلافاً في العلاقة مع الأوركسترا وفي الحياة اليومية؟
• عبر أبحاثي وعلى المستوى الشخصي توصلت إلى «دوزان». والـ»دوزان» هو تعبير عن الإنفعالات الداخلية للبشر تشبه المد والجزر، وجميعنا يعيشه في الحياة. معرفة هذا العلم واختباره مع الأوركسترات يساعد على قراءة الأمور خلال حصولها والتوصل لحلول. مهمات قائد الأوركسترا دقيقة. فنحن في عمل مستمر مع مجموعة من الناس لزمن يتراوح بين ثلاث وأربع ساعات، وخلالها قد تتولد العديد من المشكلات سواء موسيقية أو إنسانية بين البشر. ومهمة قائد الأوركسترا إيجاد الحلول سريعاً جداً، وطرحها بحيث تجد القبول الفوري لمتابعة العمل والوصول إلى نتيجة موسيقية. أبحاثي ساهمت بتغيير على صعيدي الشخصي، سواء بالتعاطي مع الأوركسترا ومع سائر الناس. وفي بحثي وجدت أن قيادة الأوركسترا ليست علماً جديداً، بل هناك إشارات منذ الفراعنة عن مجموعة مغنيين وأمامهم من يؤشر بيديه. كذلك عنصر الإيحاء موجود في الفلسفة اليونانية. عمر تلك القيادة يعود للآلاف السنوات. وكل مجموعة من المغنين تحتاج لشخص يوحد الإيحاء بهدف توحيد الأداء. كذلك للقيادة علومها القديمة والحديثة. وهناك كراكتيرات خاصة بعازفي هذه الآلة أو تلك. في البحث وجدت أن علم النفس طال جوانب كثيرة في الموضوع الموسيقي. الإرتباط فعلي وكبير بين الموسيقى وعلم النفس.
○ ما هو الفرق بين المتاح للموسيقي في لبنان وخارجه؟
• في لبنان أوركسترا وحيدة، فيما تضم أصغر دول أوروبا عشرات الأوركسترات. في رومانيا أكثر من 40. إذاً الخبرات المتاحة أكبر. ساحة لبنان ضيقة، إنما من شأنها خلق تقديم أعمال جديدة، تترك أثرا أكثر مما قد تفعله في الخارج.
○ هل كان قرار العودة قبل سنوات سهلاً ودون تضحيات؟
• عملياً لست منفصلاً عن التواصل مع الخارج. لن أقول بتضحية، فأنا أحقق أحلامي الفنية والموسيقية في لبنان. إنما هناك فصل بين الحياة كموسيقي وكمواطن في لبنان، وهذا لا يحتاج لجدل. يعيش المواطن في لبنان الكثير من الصعوبات. موسيقياً الحياة ناشطة بشكل جيد جداً وخاصة عبر المهرجانات مما يتيح تقديم أفكار جديدة. العودة إلى لبنان خطوة موفقة وجيدة.
○ تتعاون مع ماجدة الرومي في حفلاتها ماذا أضفت لها؟
• ربما أضاف أحدنا خبرة للآخر. قبل ماجدة الرومي لم أكن قد ولجت الأعمال التي تمثلها. أغنياتها تحمل أبعاداً أوركسترالية رحبة، أخذتها إلى مكان لم يجعل المتلقين يضيعون بين ما كان وما صار، وابتعدت عن الحلقة المفرغة التي يدور فيها معظم الموسيقيين في عالمنا العربي. أضفت لها بعضاً من النكهات الخاصة بخبرتي مع الأوركسترات الكبيرة. كذلك نوعية تنظيم العمل وغيرها من العناصر المساعدة. هذا يكفي، فليس ضرورياً احداث ثورة في حياة الفنان الذي نتعاون معه، وبخاصة ماجدة الرومي صاحبة التاريخ، كانت تحتاج لنكهة وليس لإعادة نظر في المعادلة كاملة.
○ أن تكون مع سمية بعلبكي على المسرح فهل تنحاز لحرفتك أم للأخوّة؟
• رافقت سمية منذ صغري، وفي المنزل كانت لنا جلسات كثيرة. معرفتي العميقة بصوتها، شخصيتها وطريقة أدائها وحبها للموسيقى تركتها تتولى إدارة الأوركسترا بنفسها، وكنت وسادة تستند لها. لم أكن معها قائد أوركسترا.
○ كيف العمل في الكونسرفاتوار الوطني والموازنة عُصرت حتى الأنيميا؟
• بحث يطول. خلق جيل من الموسيقيين يحتاج لرؤية شاملة وكاملة، ولهذا كلفته المادية. إلى رواتب الأساتذة، تحتاج الحياة الموسيقية لتأمين المباني، المسارح والآلات اللائقة للطلاب. كذلك ورشات العمل. في الغرب موازنة الثقافة جزءاً من موازنة الدولة، في لبنان الموازنة للأسف ضعيفة. رغم الظروف الكونسرفاتوار صامد ويؤدي جهداً نتيجة حب العاملين فيه. فهم في غالبيتهم يحبون الموسيقى، وتأسيس جيل من الموسيقيين. التقدير كبير للعاملين في الكونسرفاتور نتيجة جهودهم.
○ ما هي المشاريع القريبة؟
• بعد العودة من حفل ماجدة الرومي في قرطاج سوف أتابع التحضير لحفل «سنيه أوركستر2» في مهرجان إهدنيات في 25 الجاري. نحن مع مزيد من الإتقان والدقة. تعرّف الجمهور للفكرة وهو بصدد الاستمتاع وليس الاستكشاف. بعدها يبدأ موسم الحفلات في الخريف والشتاء في لبنان والخارج من تركيا، قطر ورومانيا. حفلات موعدها محدد. 99 في المئة من برنامج حفلاتي في الخارج يتضمن مؤلفات لشباب لبنانيين أقدرهم وأفخر بهم. هم نوعية فنية، وكماً لا بأس به قياساً لصغر بلدنا. هي مؤلفات سيمفونية ترفع الرأس في أوروبا.

المايسترو لبنان بعلبكي: في أوروبا أقدم مؤلفات لشباب لبنانيين أفتخر بهم
تحفيز الفنون وخاصة الموسيقى يخلصنا من مرارة الطائفية
زهرة مرعي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية