المعضلة الإيرانية: من الاحتجاجات المعيشية إلى سؤال شرعية النظام

3 - يناير - 2018

تشهد إيران منذ نهايات كانون الأول/ديسمبر انتفاضة شعبية واسعة النطاق. عندما تندلع مظاهرات احتجاجية من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها؛ وفي أغلب المدن الرئيسية، من مشهد إلى كرمنشاه، ومن آراك إلى طهران، فلابد أن تكون هذه انتقاضة شعبية. ليس ثمة طريقة لإعطائها وصفاً مختلفاً. أما كيف بدأ هذا الحراك الشعبي، ولماذا، وإلى أين سينتهي، فأسئلة من نوع آخر.
في الأيام الأولى للحراك الشعبي، وقبل أن يصل بعد إلى المدينتين الكبريين، طهران وأصفهان، افترقت أوساط الحكم في قراءتها للموقف إلى وجهتي نظر: الأولى، حملت المحافظين مسؤولية استخدام الأعباء الاقتصادية لإطلاق حراك شعبي معارض للرئيس روحاني.
الثانية، عكست حكمة الدولة، وقالت أن الاحتجاج السلمي هو حق دستوري وأن حكومة روحاني تتفهم حجم المشكلة الاقتصادية وطبيعة شكوى المواطنين. بعد أيام قليلة من التظاهر، تراجع الخطاب العقلاني، وارتفع خطاب المؤامرة الخارجية وتهديد المتظاهرين بيد الدولة الحديدية؛ وبدأ سقوط القتلى في الشوارع.
تعيش إيران وضعاً اقتصادياً بالغ السوء؛ ولم يساعد الإفراج عن مليارات الدولارات في الخارج، بعد الاتفاق النووي، في إحداث تحسن ملموس في حياة الأغلبية الإيرانية. إيران دولة نفطية، ومنتج رئيسي للغاز؛ ولأن أسعار الغاز أكثر استقراراً، فلابد أن تكون إيران أقل تاثراً من انخفاض أسعار النفط من نظيراتها النفطية. ولأن الاتفاق النووي رفع الكثير من العقوبات عن الاقتصاد الإيراني، فالمفترض أن مقدرات إيران التصديرية في مجالي النفط والغاز قد تحسنت إلى قدر كبير. ولكن إيران ليست دولة نفطية وحسب؛ بل تتمتع أيضاً بقاعدة صناعية كبيرة، وتعتبر دولة مصدرة للمنتجات الزراعية. إضافة إلى ذلك، فإن معظم الأرقام الديمغرافية للمجتمع الإيراني، مثل الشريحة الشابة ومستويات التعليم، تصب لصالح إقامة رفاه اقتصادي، يستند إلى قاعدة صلبة ومستديمة. ولكن الأوضاع في إيران لم تزل بعيدة عن مستويات الرفاه. دخل إيران القومي هو ثلث نظيره التركي، بالرغم من أن تركيا ليست دولة نفطية، وتستضيف ثلاثة ملايين من اللاجئين.
ثمة من يعزو سوء الوضع الاقتصادي إلى سنوات الحصار والعقوبات الممتدة، التي أوهنت بنية البلاد التحتية، الصناعية والتقنية. هذه هي وجهة نظر الطبقة الحاكمة. ولكن الحقيقة أن لا الحصار ولا نظام العقوبات كان محكماً في أي من مراحله؛ وقد نجحت إيران، مثلاً، في تطوير صناعة عسكرية ونووية، حتى في ظل العقوبات الدولية. في المقابل، يرى قطاع من المثقفين الإيرانيين المستقلين، وقطاعات شعبية واسعة، أن المشكلة تتعلق بجملة أسباب أخرى.
فبعد إطاحة نظام الشاه في نهاية السبعينات من القرن الماضي، في ثورة شعبية مدوية، لم توضع نهاية للأقلية الحاكمة وسيطرتها على مقاليد القوة والثروة، بل استبدلت. وكما كل طبقة حاكمة، عرضة لقليل من المراقبة والمحاسبة، يعتبر الفساد القاسم المشترك الأعظم بين المسيطرين على مقاليد الحكم في الجمهورية الإسلامية.
ما يختلفون فيه، وحوله، هو أنصبة الفساد. والفساد في نظام الجمهورية الإسلامية لا يعتبر مسألة هامشية، كما هو المعتاد في الدول الحديثة، بل يتعلق بنسب كبيرة من الدخل القومي. وإن كان لسنوات الحصار والعقوبات من دور، فقد عملت على تفاقم ظاهرة الفساد وتضخمها.
بيد أن هناك مصدراً آخر لأزمة إيران الاقتصادية وتدهور مستوى معيشة الأغلبية، يعود إلى أولويات الجمهورية المختلة. تعيش الطبقة الحاكمة في الجمهورية الإسلامية وهماً إمبراطورياً متضخماً، وشعوراً مزمناً من التهديد، في الآن نفسه. لتحقيق الوهم الإمبراطوري، تتعهد الجمهورية الإسلامية نفقات هائلة في جوارها المشرقي، من العراق إلى لبنان، ومن اليمن إلى سوريا.
وبدافع من شعور التهديد، تنفق مليارات أخرى على برامج تسلح، ليس ثمة ضرورة لها، من المشروع النووي إلى تطوير منظومة صواريخ متوسطة وبعيدة المدى. كلاهما، وبالرغم من التكاليف الهائلة، انتهى إلى خسارة كاملة، كما في حالة المشروع النووي، أو إلى عقوبات أمريكية إضافية، كما هو حال منظومة الصواريخ. والمشكلة، أن إيران لم تزل تعتمد على الاستيراد لسد حاجاتها الدفاعية التقليدية.
محسنين الظن بحكامهم، والمبررات التي يتقدمون بها لسوء الوضع الاقتصادي، انتظر الإيرانيون زمناً كافياً، بعد توقيع الاتفاق النووي، لرؤية الآثار الإيجابية لرفع العقوبات. ولكن آمالهم في حياة أفضل لم تتحقق. وهذا ما أطلق الحراك الشعبي في نهاية كانون الأول/ديسمبر. المزعج، من وجهة نظر الطبقة الحاكمة، أن ما بدأ حراكاً احتجاجياً ومطلبياً، مدفوعاً بثقل الأعباء المعيشية، سرعان ما تحول إلى حراك سياسي، يرفع شعارات تندد بدكتاتورية الولي الفقيه، وبنظام الحكم برمته. وهنا تقع معضلة نظام الجمهورية الإسلامية، المزمنة، التي ما إن تتراجع إلى خلفية الساحة السياسية حتى تعود من جديد.
كانت الجمهورية الإسلامية هي وعد الثورة الشعبية، التي أطاحت نظام الشاه واستبداده.
ولأن الجمهورية ولدت من ثورة عارمة، ومن حلم عشرات الآلاف من ضحايا الثورة، كان يفترض أن تصبح الجمهورية تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب. ولكن ذلك الوعد لم ينجز. ما جاءت به الثورة في النهاية كان جمهورية تستند إلى حكم ولاية الفقيه، وليس ولاية الشعب. في لحظة الانتقال الحرجة من النظام الشاهنشاهي إلى نظام الجمهورية الإسلامية، غلب رأي المؤمنين بولاية الفقيه، ما يمكن وصفهم بالشيعة الإحيائيين، الذين لم يجدوا حلاً لأزمة الفكر السياسي الشيعي إلا بإخضاع الجمهورية للولي الفقيه، النائب المفترض للإمام الغائب. بذلك، ولد نظام جمهوري يحمل نقيضه في داخله. فمن ناحية، تشهد إيران انتخابات رئاسية وبرلمانية، بصفة دورية، يختار فيها الإيرانيون رئيسهم بين عدد من مرشحي الرئاسة، أو نوابهم البرلمانيين بين عدد من المرشحين لعضوية البرلمان، أو مجلس الشورى. ولكن ثمة إرادة أخرى، تعلو إرادة الناخبين والمنتخبين معاً. يمثل الولي الفقيه المرجعية العليا للدولة، وليس لهيئة منتخبة، لا الرئاسة ولا البرلمان، أن تمضي قراراً يخالف قرار الولي الفقيه. وثمة مؤسسات موازية، تعكس إرادة الولي الفقيه، لا تقرر من يصلح مرشحاً للرئاسة أو البرلمان وحسب، بل ويمكن أن تسقط تشريعاً برلمانياً باعتباره مخالفاً لمرجعية النظام أو مصلحته.
يعرف الإيرانيون أن جمهوريتهم ليست جمهورية بالمعنى المتعارف عليه؛ وهذا ما يجعل الأزمات الإيرانية تنتهي إلى مواجهة مع النظام نفسه. كما في 2009، الأزمة التي انطلقت بفعل تزييف نتائج الانتخابات الرئاسية، انتقل الحراك الشعبي الأخير من الاحتجاج على الفساد وإضاعة أموال المواطنين في بنوك أعلنت إفلاسها بصورة مفاجئة، وعلى إجراءات الحكومة الاقتصادية، إلى الدعوة لموت الولي الفقيه. بمعنى، أن هناك اعتقاداً راسخاً لدى قطاع كبير من الإيرانيين بأن معاناتهم ليست وليدة الحكومة أو الرئاسة أو البرلمان. هذه، في النهاية، ليس المؤسسات صاحبة القرار. نظام ولاية الفقيه هو المشكلة الأساسية!
بيد أن من المبالغة تصور قدرة هذا الحراك الشعبي على إطاحة نظام الجمهورية الإسلامية. كما كل شعوب المشرق، ينقسم الإيرانيون إلى معارض ومؤيد، ولم يزل قطاع ملموس بينهم يؤمن بنظام الجمهورية الإسلامية، بكل مساوئه. والأهم، أن النظام يتمتع بأدوات تحكم وسيطرة لم تعرفها إيران في تاريخها كله، ولا حتى في ذروة سيطرة نظام الشاه. صنع الحراك الشعبي في 2009 هوة واسعة في العلاقة بين قطاع كبير من الإيرانيين ونظام الحكم؛ وما سينجم عن الحراك الحالي هو تعميق هذه الهوة واتساعها. شرعية النظام تتآكل، ولكن قدرته على الاستمرار لم تنفد بعد.

٭ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

المعضلة الإيرانية: من الاحتجاجات المعيشية إلى سؤال شرعية النظام

د. بشير موسى نافع

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • غادة الشاويش- ادلب الشهيدة التي لن تنكسر

    *من اروع وارشق وأدق المقالات التي لا تنطق عن الهوى وتوصف بدقة واضحة بعيدة عن الغرائز حقيقة وتقييم الوضع في الداخل الايراني مقالة في غاية الروعة والاحكام وتوصف ازمات الايديولوجيا التي قامت علبها فكرة الولي الفقيه وتلفت الى المشكلة الأساس في بنية النظام الايراني وهو تمحوره في بنيته السياسية حول شخصية تنوب عن المعصوم وقادرة على سحق القرار الاغلبي وتندفع بدوافع دينية وتنطلق من استكبار ناشيء عن ااتاريخ الامبراطوري التوسعي للفرس .. افتقر الى توصيف السبب الحقيقي لافتتاني بالمقال لعله د بشير لانه استطاع ان يجمل في كلمات تمت حياكتها بدقة وذكاء اصولا اساسية للاشكال الحقيقي في ايران وتقيبما دقيقا لمءالات الوضع برمته شكرا لقلمك العميق


  • محمد ادريس

    ليس من الموضوعية مناقشة مسالة ايران بمعزل عن السياق الجيوسياسي الاقليمي و الدولي.

    خسارة امريكا لايران يمثل ثاني اكبر نكسة للسياسة الخارجية لامريكا بعد خسارة الصين في اعقاب الحرب العالمية الثانية، و التي يمكن القول ان السيطرة عليها (اي الصين) كانت احد اهداف دخول امريكا الحرب. فكانت النتيجة ان اخذت تقريبا كل اليابان و ضيعت الصين.

    و في وضع مشابه من حيث النتيجة، نجحت امريكا في اخراج مصر من الصراع مع اسرائيل و بسط نفوذها الكلي عليها بعد طرد الاتحاد السوفييتي من مصر و اعتماد مصر كليا على السلاح الامريكي. و في نفس الفترة تقريبا خسرت ايران.

    ودراسة بسيطة لتاريخ الصين بعد الحرب العالمية الثانية قد تساعد على فهم وضع ايران حاليا.

    بعد خسارة الصين، اخذت امريكا تحاول وضع موطئ قدم على حدود الصين، اولا عبر دعم تايوان، ثم عبر حرب كوريا و اخيرا عبر حرب فيتنام. و تصادفت خسارة امريكا لفتنام مع الصراع بين الصين و الاتحاد السوفيتي، فحاولت امريكا استغلال ذلك عبر تطبيع العلاقات مع الصين بهدف عزل و اضعاف الاتحاد السوفييتي، و شكل ذلك الى جانب ادخال مصر بيت الطاعة الامريكي اعظم انجاز للدبلوماسية الامريكية و كسنجر. وبالنسبة للصين مثل ذلك اقرارا امريكيا بخسارة الصين، اي ثلاثين سنة تقريبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية و ثلاث حروب مدمرة (الحرب الاهلية الصينية، و حرب كوريا و حرب فيتنام). و خلال تلك الفترة كانت كل امكانيات الصين مسخرة لتاكيد و ثبييث استقلاليتها و تخللتها ضروف اقتصادية صعبة عاشها الصينيون.
    و مباشرة بعد ذلك تولى جيل جديد القيادة في الصين، كرس كل جهوده للتنمية الاقتصادية مستفيدا من تخلصه من الاعباء المترتبة عن مواجهة امريكا.

    بالنسبة لايران فوضعها الحالي هو وضع الصين قبل 1972 اثناء المواجهة المباشرة مع امريكا و على الارجح سيستمر الوضع كذلك حتي تياس امريكا و تضطر للتفاهم مع ايران و هو ما بدات ارهاصاته تظهر في الاتفاق النووي. و سلوك الادارة الحالية تجاه ايران يببن ان هناك جيوب مقاومة في امريكا ترفض الاقرار بعجز امريكا عن هزم النظام في ايران و مازالت تحاول و ستستمر في المحاولة الى ان تياس كليا و تاتي ادارة قوية تقر بعجز امريكا عن استعادة ايران. و في انتظار ذلك سيستمر من وقت لاخر اظهور احداث مثل ما وقع هذا الاسبوع في ايران، و على الارجح ستستمر كذلك الفوضى في العالم العربي.


  • حسن إسما عيل - ألمانيا - ميونيخ

    السؤال: ماذا يحدث في ايران؟أنا أعتقد أنه يصعب التحقق بشكل مستقل من الأحداث ودون وجود صحافة مستقلة، يرى العالم ما قد يكون نسخة غير واضحة أو مائلة لما يحدث في إيران، ما زالت الاحتجاجات في بداياتها ومن غير الواضح مدى قوة المعارضة أو المدى الذي ستسمح به الحكومة:
    (1)” في 1979، شهد الإيرانيون ثورة من دون ديمقراطية، واليوم يطمحون إلى الديمقراطية دون ثورة”.

    (2)عوامل مجتمعه وربما أزيد أدت لغضب سكان مشهد من أوضاعهم مما أشعل فتيل المظاهرات هناك، و لأن معظم المدن الإيرانيه تعانى مما تعانى منه مدينة مشهد من فقر و بطاله و إهمال حكومى خصوصاً مدن الأطراف و المدن الغير رئيسيه فسرعان ما تطايرت شراره المظاهرات فى مشهد لتشتعل فى عده مدن إيرانية أخرى حتى وصلت لقم نفسها (العاصمه الدينيه لنظام ولايه الفقيه الشيعى) و للأطراف الإيرانية و منطقه الأحواز العربيه المحتله ،هذه المظاهرات ليس لها قائد إنما تقودها الفئه المسحوقه من الشعب الإيرانى و هذه الفئه غير مُسيسه و غير مأدلجه أيضاً و لهذا فهى ليس لديها قياده سياسية مركزية بعكس “الثورة الخضراء” التى أنطلقت فى 2009 و التى كانت مؤدلجه و يقودها النخبه و طلبه الجامعات و كان لها زعامه سياسية ممثله فى مير حسين موسوى و مهدى كروبى و لهذا تمركزت فى طهران و فشلت فى الوصول إلى مدن إيرانية رئيسيه أخرى كما فشلت فى الوصول الأطراف المهمشه ناهيك عن منطقه الأحواز العربيه المحتله المتهضده من طهران و لذلك لإعتبارات عرقيه و مذهبية حيث أن سكان هذه المنطقه من العرب السنه و بإعتبار أن حراك 2009 كان حراكاً سياسياً مؤدلجاً لهذا إعتبره سكان الأحواز لا يختلف كثيراً عن نظام الملالى المحتل و عليه لم يشاركوا فيه, أما الآن فالمظاهرات فى كل مكان و تخطت مطالب الإصلاح الإقتصادى وصولاً لمطلب إسقاط نظام ولايه الفقيه و منظومه الدوله الثيوقراطيه الكابت على أنفاسهم.

    (3)الوضع هذه المره مختلف و إيران فوق صفيح ساخن و رغم شح الأخبار الوارده من الداخل الإيرانى إلا أنه من المحتمل جداً أن نقول للقابضون على الجمر فى بلادنا و من ينتظرون شراره تشعلهم , الإجابة: إيران.
    فهل تكون إيران هى الملهمه لربيع عربى قادم؟


إشترك في قائمتنا البريدية