المغربي طارق بكاري: فرادة أي عمل روائي تكمن في طريقة تعاطيه مع الواقع

29 - يناير - 2016

الرباط – «القدس العربي»: يبدو الروائي المغربي طارق بكاري منشغلا برهان المغايرة والتحديث وبطرح الأسئلة المقلقة التي تحاكم الواقع. لكنه يوضح أنه، في كتابته الأدبية لا يسعى إلى تقديم فهم مباشر لتعقيدات هذا الواقع، بنوع من المباشرة الفجّة، بل يحاول صهره في بوتقة الخيال وطرحه على نحو يقارب الرومانسية في كثير من الأحيان؛ وهو ما تحقق في روايته «نوميديا» (الصادرة عن دار الآداب) التي رشّحتها لجنة «الجائزة العالمية للرواية العربية» إلى القائمة الطويلة برسم دورة 2016.
وبالمناسبة، أجرت معه «القدس العربي» الحوار التالي:

■ كيف تلقيت خبر تأهلك إلى القائمة الطويلة لبوكر الرواية العربية؟
□ استقبلت الخبر بسعادة عارمة لأن «نوميديا» وجدت طريقها إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر، وحظيت بثقة لجنة جائزة لها سمعة طيبة في أوساط القراء العرب، كلّ كاتب لا بد أن يسعد حين يجد أن مجهوده يثمر، وأنّ لما يكتبه قيمةً معترفاً بها. ولعلّ أهمّ ثمار ثقة لجنة الجائزة في «نوميديا» هو الوصول بها إلى جمهور أرحب من عشّاق ومحبّي الرواية في العالم العربي. أعتقد أنها فرصة مثالية لكسب ثقة القارئ والناقد على حد السواء. سعيد بدخول «نوميديا» غمار سباق «الجائزة العالمية للرواية العربية».
■ تعدّ الكتابة الشعرية أو القصة القصيرة بمثابة «مسافات تسخينية» لدى العديد من كتّاب الرواية. هل ينطبق الأمر عليك؟ وأي سياقات ذاتية أو موضوعية قادتك إلى معانقة الحرف؟
□ بدأت بكتابة الشعر ولا أزال أكتب الشعر، لم يحدث أن اعتبرته «مسافة تسخينية»، وإنْ كنت أميل إلى الكتابة الروائية، إلا أنني لم أتخلّ عن القصيدة، ولطالما اعتبرتُ أن الشعر ضروري جداً. الرواية فن يقدر على احتواء الشعر. والقارئ لـ»نوميديا» يلمح اللمسة الشعرية، ولعلّ هذا الأمر ضروري لاستمالة قلب المتلقّي أولاً. أعتقد أنّ القراءة كانت مسافة تسخينية لا بدّ منها لكتابة الشعر ثم الرواية. الانفتاح المبكر جداً على نصوص أدبية باذخة أسعف قلمي كثيراً وساعدني، لقد أنفقتُ الساعات الطوال في تقليب الصفحات وعناق الكتب. ومن ثم، فالقراءة قدّمتْ لي الكثير، التجارب المختلفة، ظروف الحياة القاسية، إضافةً إلى رغبة مبهمة في الكتابةِ، كانت تملأ القلب منذ الطفولة؛ أعتقد أنّ كلّ ذلك استدرجني لعناقِ الحرف… ثمّ إنني أعتقد أنني كنت مصوباً بمشيئة ما غامضة إلى الكتابة، لا أستطيع أن أجلو الأمر على نحو منطقي، لكنّ يقيناً ضرب جذوره في النفس منذ الطفولة يقول إنّ الكتابة هي كل ما أجيد.

الأسطرة والتحديث

■ وإلى أي حد يمكن القول إن روايتك «نوميديا» تنتمي إلى الرواية الجديدة أو التجريبية؟
□ أعتقد أنّ الناقد أولى منّي بهذا السؤال… عموماً أعتقد أن «نوميديا» تنتمي للتجريب الأدبي، حاولتُ أن أقدم فيها رؤية مغايرة للعالم وللوجود، رؤية قلقة مشككة تعكس تمرداً على الواقع وتتوسّل أدوات فنية وأسلوبية أكثر مرونة. تجدرُ الإشارة هنا مثلا إلى مسألة الخلط بين الواقعي في الرواية والجانب الخرافي، فرواية «نوميديا» تبنّت بعض الخرافات الشعبية والميثولوجيات المتعلقة بتلك القرية الأمازيغية، لكنّها لم تقدمها على نحو ساذج، بل جنحتْ بها نحو الأسطرة، وقامتْ ببلورتها في أفق حداثي أكثر.. كما حاولت في رواية «نوميديا» أن أشتغل على بنيات حكي بالغة التركيب من جهة، وحاولتُ من جهة أخرى أن أتناولها من منطلقات جمالية.. لمْ أعرض الواقع كما هو وإن انطلقتُ منه إلى واقع موازٍ… حرصتُ على أن أثقف اللغة وأطوّعها جيداً. والقارئ لرواية «نوميديا» يلحظ أنها تجنحُ في كثيرٍ من الأحيانِ صوبَ الشعر. دخلتُ غمارَ الكتابة بعد أن تشبّعتُ بنصوص تجريبية عديدة، وبعد وعي مسبقٍ بطبيعة البنى النظرية التي تحكمها، وحاولتُ أن أكتب وأنا أضعُ نصب عينيَّ رهانَ المغايرة والتحديث، وطرح الأسئلة القلقة التي تحاكم الواقع وتضرب على العالم طوقاً من الأسئلة العصية.
■ صنف الروائي والناقد محمد برادة «نوميديا» بكونها «رواية رائدة في مجال استثمار الفضاء الأمازيغي في المغرب استثمارا جماليا من خلال رواية تمتلك مقومات الكتابة الحداثية وتتوافر على رؤية عميقة تتصل بإشكالية الهوية في المغرب». فهل يمكن اعتبار روايتك سيرة للمكان وللناس من خلاله؟
□ طبعاً، الرواية لا تقف عند فضائها، ومديح المكان على حسناته لا يقدّم رواية ناجحة. في رواية «نوميديا» استثمرتُ الفضاء الأمازيغي على نحو إستيتيقي، لأنه يضرب بجذوره في الذاكرة الشخصيّة، ولأنني أدين له بنص روائي.. قدّمتُ سيرة تلك القرية الأمازيغية وناسها وحكاياتها الغريبة والشيّقة في آن، لكن الرواية لا تقف عند هذا البعد فقط، بل تتعداه إلى أبعادَ أخرى تضرب عميقاً في النفس البشرية حيناً، وتُدين التطرف والجور السياسي حيناً آخر، وتناقش قضايا قد يضيق المقام بحصرها. المكان في الرواية يدخل في إطار محاولة تقديم رؤية تتصل بالصراع الهوياتي في المغرب. ولعلّ تقديم بطل لقيط «لا مُنتمٍ» يختزل الرؤية التي أطرحها، وهي أنّ الغلوّ في صراع الهوية بئيس وغير ذي جدوى بحق، وأنّنا جميعاً ننتمي إلى الإنسان والإنسانية، ويجبُ على المرء ألا يحشر نفسه في خندق ضيق. بطولة «مراد» اللقيط هي إدانةٌ للشوفينية وانتصار لإنسانية الإنسان. صحيحٌ أنّ البطل يغازل الفضاء الأمازيغي، لكنّه يفعل ذلك حنيناً لمنابت الطفولة، في الأخير كلّ إنسان هو بطريقة أو بأخرى مسكون بمكان ما، وفي كثير من الأحيانِ هو مكان البدايات، لذلك يبقى (حنينه لأول منزل) كما يعبر الشاعر. و»مراد» (الوعل) بعدَ أن أهملتهُ يد آثمة وتركته نهباً للضياعِ تبنّته تلك القرية الأمازيغية الجميلة التي فتح عينيه عليها، طبيعيّ إذنْ أن يدين لها بالكثير وأن يحمل في قلبه حنيناً شائكاً إليها بعد أن لفظته.
■ في ضوء هذه الرؤية، أي علاقة تقيمها بين الواقعي والتخييلي في كتابتك؟
□ في رواية «نوميديا» يتعانق ما هو واقعي بما هو خيالي. صحيحٌ أنَّ البنى الحكائية في مجملها خيالية، لكن لا بدّ من العودة إلى الواقعِ من أجل إيهام المتلقّي بواقعية الأحداث، قرية «إغرم» في الرواية، أحداث سنوات الجمر والرصاص أو تفجيرات 16 مايو/أيار الإرهابية وغيرها من الأحداث الواقعية تمّ دمجها لغايات تخييلية في سياقات سردية مختلفة. الكتابة إيجاد عوالم موازية للعالم الواقعي، لكن لا بدّ من أن تضرب جذورها في ما هو واقعي. طبعاً فرادة كل عمل روائي تكمنُ أساساً في طريقةِ التعاطي مع هذا الواقع. ورواية «نوميديا» لا تقدّم فهماً مباشراً لتعقيدات هذا الواقع، ولا تتجه صوبه بمباشرة فجّة، بل تحاول صهره في بوتقة الخيال وطرحه على نحو يقارب الرومانسية في كثير من الأحيان. عموماً رواية «نوميديا» برمّتها خيالٌ، يقدّم حيناً رؤية للواقع («إغرم» مثلا بين واقعها والرؤية التي تقدمها الرواية) أو تتّكئ على هذا الواقع من أجل خدمة غايات سردية وفكرية (إليكَ مثلا قضية هلاك صديق البطل الوحيد في أحداث 16 مايو الإرهابية، هنا يخدم هذا الحدث الواقعي حبكة الرواية من جهة ويدين من جهة أخرى الإرهاب).

النزوع نحو التجريب

■ وأين تجد نفسك أقرب على مستوى المرجعية الأدبية؟
□ أنزعُ نحو التجريب، وأحاولُ ما أمكن أن أجد لنفسي أكثر من طريق. الموهبة أمر ضروري في الكتابة الأدبية، لكنّها غير كافية لإنضاج عمل أدبي جيد. فعلُ القراءة مهمٌ جداً، التعامل مع النصوص الناجحة عربية كانت أم غربية أمرٌ لا بدّ منه. أن ينشد الروائي التميّز والفرادة فذلك يعني أن ينفتح على واقعه بكل تناقضاته، وأن ينفتح على ثقافات وآداب أخرى، ويواصل شحذ الذاكرة والحواس بالنبش المتواصل في التراث والثقافات المحلية… لكنْ، تبقى للقراءات المتنوعة في مجالات الأدب والفلسفة وباقي العلوم الإنسانية الدور الأهم واستلهامها في الكتابة مطلبٌ ملح.
■ كيف تقيس درجة التعامل النقدي مع الإنتاج الروائي في المغرب؟
□ العودة إلى التراكم النقدي الروائي المغربي تكشف بالملموس أنّ هذا المجال يعرف دينامية مهمة، والساحة النقدية المغربية تزخرُ بأسماء لامعة في هذا المضمار، لكن يصعبُ تحديد تواشجات النقد المغربي بالنص الروائي المغربي، هناكَ نصوص وجدتْ طريقها إلى النقاد وأخرى لا تزالُ تنتظر. النقد المغربي في عمومه تحكمه نزعة التنظير، وانشغال النقاد في كثيرٍ من الأحيان يصبّ في مجال تطويع النقد الغربي واستنبات نظرياته في تربة النقد المغربي، وفي الغالب يقتصر اختيار النصوص الروائية على تلك التي تستجيب لشروط نظرية نقدية محددة؛ أضفْ إلى ذلكَ أنَ الناقد المغربي يجد نفسه أمام طوفان من الأعمال الروائية بعضه مغربي وآخر مشرقي، تصعب قراءتها فكيف تناولها بالدرس والتحليل. وعلى العموم، فالنقد المغربي يعرف ازدهاراً يواكب ازدهار الرواية المغربية، فقط يحتاجُ إلى مزيد من الالتصاق بالنصوص الروائية لاسيما الناضجة منها فذلك يفيد الدرس النقدي ويضفي عليه صفة المشروعية، كما يفيد الرواية المغربية، إذ يقدّمها للقارئ على نحو جيد، ويكشف بحرفية عن مسكوتها.
■ أخيراً، أودّ أن أسألك، هل ثمة مشروع روائي جديد تشتغل عليه حالياً؟
□ طبعاً، هناك مشروع روائي جديد أشتغل عليه منذ سنتين، رواية تعود إلى سبعينيات المغرب، تطرح قضيّة اليهود المغاربة وتتناول جانباً مظلماً من تاريخ المغرب (ما عرف بسنوات الجمر والرصاص)، رواية تحاكم اليسار المغربي، تدين اختياراته وتسلّط الضوء على مآزقه التي انتهت به إلى الاندحار.

الطاهر الطويل

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية