المغربي عبد الإله المرابط: فن النحت يمنحني حواس إضافية

12 - يونيو - 2018

حاوره: ياسين الحراق

0
حجم الخط

آمن جلجامش ملك أورك بماهية الخلود، ما أفضى به إلى البحث عن حياة أبدية، لكنه وجد نفسه كمن يحمل صخرة ويصعد بها إلى قمة، ثم تسقط من يديه إلى أسفل، فعدل عن فكرته باعتبار أنّ مغامرة كهذه غير ممكنة أبدا، ما دامت مفاتيح الخلود لا تتيحها سوى الأعمال الجميلة والنادرة وليس الأعمار. من هنا استحال الخلود إلى إيمان بالخلق والإبداع وبالجمال تحديدا. فكان النحت من الفنون المبكرة التي ترجمت روح الجمال الذي يكتنف الذات البشرية، ما يفسر استمرار هذا الفن وخلوده، بل تحوله إلى عبادة، إذ لا يمكن للمسة فنية متقنة ألا تحمل على الأقل روحا مانحة بداخلها. وحديثا نجد الشاعر التركي ناظم حكمت يربط هوية المدينة بتماثيل الشعراء التي تزينها «ليست المدن، يا حبيبتي، كبيرة بطرقاتها/ بل بشعرائها الذين أقيمت تماثيلهم فيها». يبدو أن ناظم حكمت الشاعر لم يتمعن كثيرا في مدن إيطاليا واليونان، وإلا لكان عدل عن ذائقته واختزل الهوية في التماثيل فقط؛ لأن الشعراء كالأنبياء لا حظ لهم، لكن المفارقة التي نصطدم بها هي أن مدينة صغيرة في شمال المغرب كالقصر الكبير، لا تتزين ولو بتمثال واحد، رغم تفردها بنحاتين كبار، وهذا سبب كاف كي نسبر، عبر هذا الحوار، في أعماق تجربة فنية متميزة للنحات المغربي عبد الإله المرابط، الذي تشي أعماله الفنية بنفور من الواقعية الصلدة والشكليات التي تقيد حرية الفنان.

■ ما سر انجذابك لفنّ النحت؟
□ انجذابي نحو فن النحت يرجع إلى الاهتمام المركز حول الإنسان، فأعمالي الفنية مستوحاة من حركات جسم الإنسان، فقمت بكسر الحواجز التي كانت تفصل الفن بالحياة اليومية، وبدأت أهتم أكثر بالنحت البيئي باستعمال الخشب والصخور والحجارة، فعملي دمجٌ لفن النحت مع التصوير التشكيلي، وهذا ما يبرز التنوع والتداخل، ويجعل العمل شاقا ويستغرق وقتا طويلا، وأثناء الإنجاز أحرص عادة على تغيير التصاميم وأعتمد السرعة في الأسلوب وهذا ما يسمى بالفن الحديث والمعاصر.
■ كيف احتفظت بولعك بفن النحت في مدينة صغيرة كالقصر الكبير، حيث الجميع منشغل بهموم الحياة؟
□ ولعي بالفن بشكل عام نابع من حبي لمدينتي، رغم تراكمات الحياة اليومية وكلما داهمني وجع الحنين لنداء الماضي ولرحيق الطفولة تستحضر ذاكرتي حرارة المشاعر، أماكن مررت بها واغتسلت بمياهها، فمسقط الرأس هو اختزال لكل الوطن، وهكذا أرى في مدينتي نور يستحيل غيابه إلى لوحة الحياة.
■ ما الذي يقدّمه فن النحت للعالم في القرن الواحد والعشرين؟ وكيف تجاري هذه المتعة الإبداعية؟
□ فن النحت البارز والمعاصر يساير التقدم العلمي والتقني، وهو ما يسمى بفلسفة العصر، فصميم تجربتي الفنية والإبداعية هي مواجهة تحجر النظرية واستحداث أفكار ونظريات ومفاهيم جديدة. أعمل على التأكيد على قيم جمالية وتشكيلية وأساليب وطرق معاصرة، بدون تمثيل أو تقييد، أدرب عقلي على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الواقع.
■ ارتبط فن النحت بالميثولوجيا الدينية، لكنه انزاح بعد ذلك نحو تجسيد الجوانب الإنسانية والمحاكاة المباشرة للواقع لتنطبع أعمال النحت مؤخرا بالطابع التجريدي، بالنسبة لك بماذا يرتبط هذا الفن اليوم؟
□ يرتبط فن النحت، بالميل لحساسية الفنان التي تجعلنا نشعر بالقيمة الجمالية للمرئيات، القيمة لا يراها شخص غير حساس، فحسب رأي أفلاطون، اكتشاف مصدر الجمال المحسوس في العالم هو الذي يعطينا الجمال. أما الفيلسوف الفرنسي «إميل أوغيست شاغتيي» الذي تمرد على النظريات التقليدية في الإلهام، اهتم بربط الفن بالصناعة، وخلق أشكالا متحركة ودائمة التحرك، وما تحدثه من أشكال جانبية بفعل الظلال وتحركها.
■ لعبت «مدرسة الفنون الجميلة» في تطوان، منذ تأسيسها سنة 1945، دورا مهما في تقوية فن النحت والتشكيل في المغرب. ماذا بقي من هذه المدرسة اليوم؟
□ مدرسة الفنون الجميلة في تطوان، مؤسسة عليا للتكوين في مجال الفنون البصرية التشكيلية والتطبيقية، وهي أول مدرسة متخصصة في هذا المجال، وتهدف إلى تكوين أطر في مجال الفنون التشكيلية، وتحولت منذ سنة 1994 إلى معهد وطني لتفعيل التعليم الجامعي الفني وتخريج أفواج من الفنانين بمستوى عال.
■ مازال حضور النحت في المغرب خافتا مقارنة بباقي الأنواع الإبداعية الأخرى، ما السبب في ذلك؟
□ فن النحت في المغرب ينقصه الاهتمام اللازم، فكل محاولات تأسيس هذا الفن كانت دائما خجولة ومحتشمة. ويشتغل في هذا المجال فنانون على رؤوس الأصابع، وذلك راجع إلى عدة تحديات، من بينها لامبالاة المسؤولين وأصحاب القرار الثقافي، لكن على الرغم من كل هذا أجد نفسي غير عابئ، فأنا مشغول بالجسد المنحوت وبوجوه الكائنات الحية بشكل خاص.
■ استفتى عمدة طنجة المجلس العلمي حول جواز نصب تمثالي ابن بطوطة وهرقل في المدينة، فهل مازالت الرقابة على «الجمال» في المغرب؟
□ كلمة تمثال عادت من جديد إلى معناها الأصلي الدال على الجمال الفني وتخلصت من الإيحاءات الدينية، التي جعلها الإسلام مرادفة تقريبا لكلمتي «وثن» و «صنم». فالنحت مثل القصيدة الشعرية يقدم صورا مجسدة في الحجر والمعدن أو الخشب، أما القصيدة فصورها اللغة. وإذا كان فهم رجل الدين مخالفا لما سبق فتلك هي المشكلة.
■ تركز في منحوتاتك على الوجوه والأقنعة والأشكال الحيوانية… فهل هذا راجع إلى تأثرك بالمدرسة الإفريقية والمدرسة الأمريكية؟
□ النحت يواجه صعوبة توفير المكان الملائم لوضع الأعمال النحتية داخل البيوت، فالتمثال يستلزم هنا التوقف أمامه والتأمل والالتفاف حوله. رودان النحات الشهير المنتمي للفن الغربي 1840-1917 يعتبر التمثال قابلا للتغيير والتعديل، فبعد أن كان نحاتا واقعيا تحول إلى عاطفي لإبراز الأمل والألم لدى الإنسان، فقد أحدث ثورة في تغيير أسس المفاهيم الجمالية في النحت الحديث. بالنسبة للأفارقة يصنعون النحت ببساطة وتجريد كاملين ومصدرهم في ذلك الطبيعة الأم، وعلاقتهم تعتمد الرمزية والتعبير البسيط عند الإنسان الفطري، وفي أمريكا الجنوبية نجد فريدا كاهلو المكسيكية تجمع بين الواقعية والرمزية والسيريالية، ما جعل أعمالها الفنية تحظى بسعر مرتفع في المنطقة. ونجد كذلك النحات والرسام الكولومبي فرناندو بوتير، وأعماله تتسم بالمبالغة في ضخامة الشخصيات البشرية والحيوانية. وفي ما يخصني فبالإضافة إلى تأثري البالغ بالمدارس السالفة الذكر، لا أخفي قدرتي على التخيل ورسم الصور الذهنية للكون من حولي بطريقة ذاتية.
■ يعتقد النحاتون القدامى أن منحوتاتهم تجلب الحظ. فيما يرى الشعراء المحدثون أن قصائدهم لا تجلب سوى النحس والبؤس، فما الذي يقدمه لك فن النحت؟
□ يمنحني حساسية شديدة وربما حواس إضافية. عند محاولة صياغة العوالم الفنية أستخدم لحظات تأمل عميقة، وأعيش خلوة مع الذات والكون، حتى أتمكن من القبض على الكائن الفني. أوظف لغة بصرية وأحول البعد الذاتي إلى خبرة ممتعة. هدفي التعبير عن الجمال وليس الحقيقة أو تمثيل الواقع، أحلل العناصر التي تقدم للحواس والعقل وأعيد تشكيلها كما يتراءى لي، وما العالم المرئي كله إلا مخزن صور ورموز تعطي للخيال مكانة وقيمة.

المغربي عبد الإله المرابط: فن النحت يمنحني حواس إضافية

حاوره: ياسين الحراق

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية