الهيكل الطبقي والتناقضات الثقافية في العراق

20 - يونيو - 2018

نجم الدراجي

21
حجم الخط

في منذ العهد العثماني والعراق يتكون طبقات اجتماعية حافظت على وجودها واستقرارها لعقود عديدة من الزمن، ومنها الطبقة الوسطى التي شهدت نمواً واتساعاً، وتميزت بأنها نقطة التوازن في التراتب الاجتماعي .
الهيكل الطبقي يعبر عن هوية المجتمع وواقعه، وقد رافقته سلبيات عديدة منها ( النظرة الفوقية، والدونية، والتعسف ). ويشار إلى أن تهديد الوجود الذي تعرضت له الطبقتان ( البرجوازية والارستقراطية ) تمثل بالسخط الشعبي والحركات اليسارية، وعملت أنظمة الانقلابات العسكرية على إنهاء البرجوازية من الواقع، أما الارستقراطية فقد أصابها التآكل بسبب ظهور حالة «تجار الحروب»، وفي مطلع عقد التسعينيات غابت الطبقة الوسطى من الواقع الاجتماعي.
الدهشة والغرابة بأن المجتمع العراقي لم يدخل «مختبرات» علم الاجتماع من قبل باحثين عراقيين لتحليل طبقاته وخصائصه، باستثناء أ. د.علي الوردي و الفلسطيني أ. د. حنا بطاطو، أما الآخرون فكانوا يتجنبون الاقتراب من مراكز القوى والهيمنة المحلية حتى وصل الأمر إلى عدم الإشارة مثلاً إلى أسماء الإقطاعيين وزعماء القبائل بشكل مباشر. وأعتقد بأن التعقيدات التي رافقت تطور المجتمع، والإرث التاريخي المثقل بالتناقضات والتباين الطبقي، وربما التشويه الطبقي! حالت دون المساس بأوتار الخطر الذي استشعر به الباحثون.
جغرافيا العراق تتشكل من ( جبال، وديان، سهول، صحارى، أهوار )، وفيها طيف ملون، ولكل مساحة لهجة محلية أو لهجات متعددة كلهجة الموصل، والغربية، والجنوب، وسكان الأهوار، ولبعض المناطق لغات كالكردية والتركمانية والأرمنية وغيرها … وصعوبة التواصل بين المجتمعات أوجدت حالة من عدم الفهم والإدراك المشترك للخصائص، وربما قادت إلى العزلة.
لم يتعرض أحد من الباحثين إلى دراسة ألوان الطيف العراقي دراسة عملية تطبيقية لفهم أنماط الحياة الاجتماعية، مثلما فعلت المستشرقة البريطانية (غيرترود بيل) والباحثة الأمريكية ( إليزابيث فيرنيا )، حيث سجلا يوميات الواقع العراقي من دون تحفظ أو خوف وبأسلوب تحليلي ميداني. وأعتقد بأن (المس بيل) استفاضت أكثر بسبب موقعها الرسمي في العراق حيث شغلت منصب مستشارة المندوب السامي البريطاني وهي عالمة آثار وعرابة التأسيس أيضا.
إلى عهد قريب لم يكن المجتمع اندماجيا عدا العلاقات الناتجة عن الزمالات في الجيش أو الجامعات المحدودة كما في جامعة الموصل في الشمال وجامعة البصرة في الجنوب، وكذلك اندماج لشخصيات مثل موظفي الدولة أثناء تنقلاتهم الوظيفية بين المدن، ربما عدا بغداد فإنها متعددة الأطياف لكونها مركز القرار الحكومي والتجاري والعلمي، وفيها أعلى نسبة من الطبقة الوسطى ومن بعدها الموصل ثم البصرة.
من الأمور التي يتجنبها الباحثون هي مسألة الصراع بين الحضارة والبداوة، وحتى إذا مروا بجانب حدودها المحظورة، نلاحظهم يتكلمون عن علاقة ودية توافقية، والعراق موطن الحضارات القديمة، ومن ثم الحضارة العباسية، ولكن الذي يجب أن لا ينكر هو تعرضه على مر التاريخ الحديث لحالة البداوة التي قدمت إليه من الجزيرة العربية على شكل موجات لكونه يقع على حافتها، ونتج عنها نفور وصراع، فالقيم البدوية تحاول أن تفرض ما تعتقده على المدنية و «التبغدد»، وخيمة البدوي حاضرة حتى في تفكير القصر العربي، وما أن يعيش الرجل البدوي في المدينة حتى تتولد لديه «ازدواجية الشخصية» فهو يفكر بطريقة ويتصرف بأخرى، وتعاظم التناقض بظهور موجات الهجرة من الريف إلى المدن الكبرى، ونزوح سكان الأهوار إلى المدن القريبة جغرافياً بسبب تجفيف المسطحات المائية الشاسعة مما زاد من حالة التناقض .
من التناقضات الغريبة أيضاً محاولات توطين الغجر! والمعروف بأنهم يعشقون حياة التنقل والترحال، ولا ينتمون إلى المدنية، وغير اندماجيين .
كذلك الدراما العراقية لم تنجح في تجسيد ملامح التنوع العراقي، وكانت تخضع لاعتبارات تمنعها من الدخول عبر بوابات المجتمع الحقيقية. أما المسرح والمتمثل بمسرح الراحل الكبير يوسف العاني فكان مسرحاً للنخبة والوسط الثقافي، وبقية الفعاليات كانت إما «مؤدلجة» أو تجارية.، وبرزت ثقافة خاطئة، فمثلاً تم التثقيف بأن رقص وأغاني الغجر ينحصر في «بنات الريف»، وبطبيعة الحال فإن مجتمع الحضارة لن يستطيع أن يميز ذلك، وكذلك بيئة الريف عاجزة عن إيضاح الخطأ «المتعمد»، وأنسحب ذلك على الكثير من الخصائص، وأعتقد بأنها إفرازات التناقضات الثقافية.
المجتمع العراقي في حاجة إلى إعادة دراسة خصائصه بشجاعة وحيادية ليتسنى التعرف عليه بوضوح، ويخطو الفرد نحو الحرية الفكرية، وينطلق منها نحو التكامل المجتمعي بدلاً من حالة التفكير الجمعي .
هل سيعاد تشكيل طبقات المجتمع العراقي من جديد ؟

كاتب عراقي

الهيكل الطبقي والتناقضات الثقافية في العراق

نجم الدراجي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • سلام عادل(المانيا)

    تحية لالاستاذ نجم وتحية لجميع الاخوات والاخوة
    لقد تطرق الاستاذ نجم اليوم في مقاله لحالة او وضع يمكن التعليق عليه من نواحي كثيرة فالعراق بلد متنوع بكل شيء وطبقات المجتمع العراقي اختلفت بحسب الظروف ففي فترة الحكم العثماني كان موظفوا الدولة هم النخب وكانوا قليلي العدد وكذلك عدد المتعلمين قليل جدا يليهم شيوخ العشائر بامكانياتهم القوية ثم رجال الدين واختلف الامر بعد سقوط الحكم العثماني ودخول البريطانيين ومن ثم تاسيس الدولة العراقية فتغيرت الامور فاصبح مع الوقت وجود عدد من الاغنياء من يمثلون البرجوازية انذاك وكثر المتعلمون بسبب الزيادة الكبيرة التي حصلت في المدارس وظهرت الطبقة المتوسطة كذلك بسبب عدد الموظفين الحكوميين في جميع المجالات وبقي دور العشائر ورجال الدين كذلك وتغير الامر بعد العام 1958


  • سلام عادل(المانيا)

    بعد ثورة او انقلاب تموز 1958 ظهر العسكر كطبقة قيادية للمجتمع وقد كان لها دور مؤثر في السابق ولكن البريطانيين كانوا لها بالمرصاد وهنا تغير الامر كثيرا فقد انتهى تاثير العشائر تقريبا وتم تحجيم دور رجال الدين وخاصة الشيعة ولذلك كان عداءهم لعبد الكريم قاسم معروف بسبب قراراته بشان الاصلاح الزراعي والمراة وبرزت الاحزاب التي يمكن تسميتها بالشعبية كالحزب الشيوعي والبعث والصراع بينهما كان على اشده ولم يكن هناك تاثير لالاحزاب الدينية في الساحة العراقية ورغم الفترة القصيرة لحكم عبد الكريم قاسم ولكن اجتماعيا كان له تاثير كبير فكان هناك توطين وهجرة كبيرة من الريف للمدينة وذلك بسبب انهيار الاقطاع المتسلط في الريف وكذلك وجود فرص للعيش في المدن الكبيرة


  • سلام عادل(المانيا)

    بعد سقوط حكم عبد الكريم قاسم على يد البعثيين والقوميين العرب ولغاية تاميم النفط العراقي الذي وقع قانونه عبد الكريم قاسم نفسه لم يتبدل حال العراق كثيرا سوى وصول البعثيين للسلطة في 1968 ولكن التغيير الكبير حصل بعد التاميم ووجود الشيوعيين مع البعثيين في حكم الدولة العراقية وهنا ظهرت طبقات جديدة في المجتمع العراقي بالاضافة للطبقة الوسطى الذي يمثل الموظفون الحكوميون اغلبها برزت طبقة التجار والمقاولين والصناعيين ولكن ليس كطبقة برجوازية ولكن وليدة الوفرة المالية للدولة التي اقامت مشاريع كثيرة وعاش العراقيين خلالها للعام 1980 فترة ذهبية فكان هناك تقدم في مجالات الادب والفن والرياضة ونوع من الحرية الثقافية لوجود جرائد ومجلات تمثل اكثر من طيف واحد


  • سلام عادل(المانيا)

    بعد وصول صدام للحكم ومع سنوات الحرب الثماني مع ايران ومن ثم سنوات الحصار الاقتصادي الى سقوط نظام صدام 2003 عاد العراق اجتماعيا وثقافيا لفترة الحكم العثماني ان لم يكن ابعد من ذلك, لقد تدرجت بالفترات التاريخية للحكم في العراق لانه طبيعة الحكومات هي التي انتجت الطبقات الاجتماعية فيه فالقوميات والاقليات الدينية موجودة اساسا ولكن العشائرية كضاهرة اجتماعية متمثلة بشيوخ العشائر الذين كانوا يمثلون الاقطاع في الريف وكقوة مسلحة على اطراف المدن كانت تضعف وتزداد قوة بحسب قوة وضعف الحكومات وحاجتها اليهم وكذلك الامر بالنسبة لطبقة رجال الدين ونفوذهم ولكن انتهاء الطبقة الوسطى التي تغذي الثقافة والادب والمجالات الاخرى تحكمها الحالة الاقتصادية للبلد فطبقة البرجوازية انتهت تقريبا بزوال الحكم الملكي فراس المال لا يمكن ان يتعايش مع الانقلابات والثورات فلذلك هربوا لخارج العراق وكادت ان تعود مرة اخرى في نهاية السبعينات لولا وصول صدام للحكم ومنهجه العشائري الذي حول البعث الى اداة لخدمة حكم عائلته وظهرت طبقة من الاغنياء ولكنهم لا يمكن تمثيلهم بالبرجوازيين كما حاصل الان بعد ان تغيرت مفاهيم اخلاقية كثيرة في المجتمع العراقي بعد 2003 تم التاسيس لها او في فترة الحصار وبسببه مثل الفساد الاداري


  • سلام عادل(المانيا)

    بكل الاحوال لا يمكن ان نسمي الاقليات الدينية والعرقية في العراق كطبقات اجتماعية رغم وجود بعض الاختلاف في سلوكهم عن اغلب العراقيين بل كانوا يمثلون نوع من الاختلاف او اللون المميز بين باقي الالوان ورغم ان اغلبهم هاجر ولم يبقى لهم تاثير كبير في المجتمع العراقي وخاصة في المدن الكبيرة


  • فاطمة هاشم - لبنان

    أشكرك أستاذ رؤوف بدران من فلسطين الحبيبة على تحيتك و اشكر استاذ نجم الدراجي الذي جمعنا حول مقاله الشيق ، المفيد والعميق…كما أحيي ايضا جميع المعلقين على المقال من الأساتذة سيدات و سادة
    مع فائق الاحترام للجميع


  • نجم الدراجي - العراق

    مساء الخير والسعادة اساتذتي واصدقائي الكرام ..
    تغمرني السعادة بحضور أفكاركم ومشاركاتكم القيمه ، وأتمنى ان أكون صمن هذه الفعاليات الجميلة الملونة شاكراً لكم وممتن لكم لهذا الثراء الكبير الذي أغاث مفردات المقال ..
    لفت أهتمامي نص للاستاذ الدكتور علي الوردي رحمة الله تعالى في كتابة طبيعة المجتمع العراقي ص 165 ( الانسان لايفكر بعقله المجرد ، بل هو يفكر بعقل مجتمعه .. ان تفكيره يجري في نطاق القوالب والخطوط التي صنعها المجتمع له . )
    ويكمل الكبير الوردي الفكرة بالقول :
    ( لاننكر وجود أفراد خرجوا على قيم مجتمعهم واطاره الفكري وهذا أمر يكثر حدوثه في المجتمعات (( المفتوحة )) التي تتصارع فيها الافكار وتلتقي فيها الاتجاهات المختلفة . اما في المجتمعات (( المغلقة )) التي تعيش في عزلة نسبية وتسيطر ثقافة اجتماعية موحدة ، فمن الصعب على الانسان ان يفكر أو يسلك خلاف ما اعتاد عليه ونشأ فيه ) .
    ما نطمح اليه هو التفكير الحر النابع من المسؤولية في بناء المجتمعات وفق الحداثة والمدنية بعيدا عن الازدواجية والاعتبارات الضيقة التي لاننتمي اليها فكراً وسلوكاً .
    احيي الاصدقاء الاخت العزيزة المبدعة منى مقراني ، والشيخ الكروي ، والاخت الاستاذة التشكيلية أفانين كبة ، والاخ العزيز الاستاذ ماجد محمود ماجد مصطفى ، والاخت الدكتورة فاطمة هاشم ، والاخ العزيز عمرو مجدح ، واديب الكرمل المنشد العظيم بروح المحبة التي غمرت العراق رؤوف بدران ، الاخ العزيز سلام عادل
    الشكر والتقدير لصحيفتنا الغراء القدس العربي وادارة المنبر ، وسعادتي لاختيار الادارة للصورة الفوتوغرافية وهي معبرة عن جزء مهم من الاثر البغدادي ، والصورة هي لمنطقة الميدان ( القشلة ) ادارة الحكم العثماني والجامع والخانات القديمة هي من اثار العصر العباسي .
    تحياتي
    نجم الدراجي . بغداد


إشترك في قائمتنا البريدية