الوجدان العربي الضائع

19 - يونيو - 2018

د. نورالدين ثنيو

1
حجم الخط

تُختزل مسألة التَّقدم والتأخر في العالم العربي في إشكالية الإسلام والسلطة، ليس كما يجري طرحها، أي ما إذا كان الإسلام دينا ودولة أم لا، بل كما يُعَبّر عنها الصراع القائم بين التيارات الإسلامية وحركاتها، والسلطة السياسية ونظامها الاستبدادي.
ومن وحي هذه الثنائية امتد الحديث عن إشكالية الإسلام والسياسة. وعليه نعود إلى المسألة الأساسية التي طُرحت منذ مدة طويلة لكنها لم تندرج ضمن المدى الطويل، لكي ترتب أثرها التاريخي في النهضة المتتالية والمتراكمة. ونعني بالمسألة الأساسية، هي لماذا استمر الحديث عن التقدم والتأخر العربي أكثر من قرن من الزمن؟ هل لأن صياغة الإشكالية تمت على نحو يستدعي ضرورة وجود التخلف العربي والتقدم الغربي، ومن ثم يحسن المثقف العربي الحديث حولها ويؤبدها كخاصية لفكره المعاصر؟
فقد مرّ ردح من الزمن العربي بقي الفكر فيه حبيسا لإشكالية العقل والنقل، ولازمته هذه الإشكالية إلى أن استنفد كل ما في جعبته، ولم يعد بعدها قادرا على تجديد وإعادة صياغة الإشكاليات بالمعاني والمفاهيم التاريخية الجديدة. ولعلنا لا نجانب الصواب عندما نطرح السؤال التالي، لماذا نجح الإصلاح الكبير الذي تم في أوروبا في عصر النهضة على يد مارتن لوثر وارسموس وزويغلي، بينما أخفق الإصلاح العربي نهاية القرن التاسع عشر في أن يرتب المظاهر الملازمة للإصلاح الديني، ويراكم كل شيء في دولة تحافظ على دائميتها وديمومتها. وبتعبير آخر يفيد المعنى نفسه، لماذا لم تكن قوة الاجتهاد الديني الإسلامي الحديث بالقدرة نفسها التي كان عليها الاجتهاد الديني في بداية النهضة الأوروبية؟ والجواب، من جملة أجوبة أخرى، أن قوة العصر الحديث والمعاصر تتمثل في السياسة ووجهها الآخر الاقتصاد، ومن ثم محدودية الخطاب الديني في أن يُغَيّر الحياة في العمق، أي مؤْسَسَة الحياة في كافة نواحيها، واكتفى فقط بمداعبة ومخاتلة الجماهير التي تبحث عن الحماس وفيض المشاعر، أكثر من حرصها على السياسة والاقتصاد.
نعود إلى القضية الأساس، ونتساءل مرة أخرى، هل التخلف لازمة موالية لطبيعة الفكر العربي، وسلوكيات الإنسان المسلم؟ أم أن التخلف موجود لأن الفكر العربي معلَّب بشكل دائم في إشكالية التقدم والتأخر، التي جثمت على الوعي العربي، ولم يتمكن من تخطيها؟ وهل الخروج من التخلف يقتضي فعلا الحسم في المسألة التي طرحها المفكر القومي شكيب أرسلان، منذ أكثر من نصف قرن: لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟ كيف عجز العرب والمسلمون عن تجديد الوعي في قضاياهم المصيرية؟
بدل الحديث المفرط عن الإسلام، كما يفعل الدعاة الجدد، يجب صرف النظر إلى الوجدان العربي، لمعرفة مدى قابليته لامتصاص حقائق الوضع العربي والعالمي الراهن. فلماذا يأبى هذا الوجدان مواكبة العولمة في تجلياتها الكبرى: الإنسان الرقمي، مجتمع المعرفة، الديمقراطية في مظاهرها المختلفة، العصر التكنولوجي الفائق، مُثُل الحداثة، قيم الأخلاق الإنسانية، المجال العام، المواطن في المدينة.. الأمر الذي يستوجب البحث في البنية الاجتماعية وطبيعة السلطة العربية التي تقرر مصير شعوبها. لعلّ الحائل الكبير لتنمية الوجدان العربي والإسلامي هو رسوخ المبدأ/ الشعار «الإسلام هو الحل»، الذي شلَّ كل إرادة نحو التغيير والتحوّل، أبقى الذهنية الشعبية في حالة من انتظار رجاء لا يأتي إطلاقا.
يوحي شعار « الإسلام هو الحل»، بأنه لا مخرج إلا بالصبر على الظلم والحيف وانتظار الفرج أو الانفراج الكبير، الذي يعم العالم بأسره، وأن كافة الحلول الأخرى لا تُقْبَل، ويجب الوقوف حِيَالها بالرفض والنقد والنقض والمجابهة، ولعلّ سبب مواجهة العرب للغرب متأتية من كون هذا الأخير اهتدى إلى حلول خارج شعار «الإسلام هو الحل». وهكذا، فالاتكال على الأزمة باعتبارها حلا هو الذي أعفى المسلم من أي محاولة للبحث عن المخرج الحقيقي لمسألة التقدم، بذريعة أن الحل موجود أصلا في التراث وفي الإسلام في صيغته الماضية.
العالم يتغير ويتحوّل، ولم يعد الشرق شرقا ولا الغرب غربا، وأبرز تجليات هذا التحوّل هو بداية وجود فضاء الإسلام في الغرب نفسه، يحاول من خلال فقه الأقليات أن يضفي ملامح أوروبية / أمريكية عليه، وفق شروط الحداثة. وهكذا، تبدو العولمة والانخراط الواعي فيها، أفضل سبيل إلى تجاوز المأزق العربي وبالتالي كسر إشكالية لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب. فالعولمة توفر فرصة الوجود الفوري للإنسان المسلم مع غيره ليتحرر الإسلام كرسالة للناس كافة من الخصوصية العربية، خاصة منه الوهابية على ما كرسه النظام السعودي.
ولعلّنا لا نجانب الصواب أيضا إذا قلنا إن من جملة الحقائق الجديدة التي لم نعِها كما ينبغي الحال، هو أن الدين في حياتنا المعاصرة صار جزءا من الوعي وليس كله، وأنه جانب من جملة جوانب أخرى أفرزتها الحياة الجديدة، وأن الدين حالة ثقافية من جملة حالات أخرى، وأن واقع المسلمين ليس الدين كمقوم تنمية مستدامة، بل واقعهم غياب الوعي السياسي والاقتصادي الذي يؤشر إلى غياب حقوق وحريات مؤسساتية.
وينهض أكثر من شاهد على ما نذهب إليه من أن الحياة تغيّرت بالقدر الذي لم يعد الفكر الديني هو المهيمن والمسيطر، بل وجوده يتعلق بوجود ميادين ومجالات وتخصصات أخرى، على ما تدلنا عليه تجربة وخبرة جامع الأزهر العتيق، الذي تحوّل إلى جامعة زمن جمال عبد الناصر، وهو اليوم يضم أكثر من 90 في المئة من التخصصات والأقسام خارج الشريعة وأصول الدين. فقد بقي راسخا في الوعي العربي والإسلامي أن الأزهر مؤسسة دينية بسبب رمزية وجود شيخ الأزهر المعين من قبل الدولة، بينما هي جامعة تدرس كافة العلوم الحديثة وبمناهجها الحديثة والمعاصرة أيضا، وهي تستمد وجودها الحقيقي ليس من تدريس الدين الإسلامي، بل بوجود العشرات من الأقسام العلمية خارج الدراسات الإسلامية.
وعليه، ومن باب تخطي المأزق الذي آل الفكر العربي المعاصر في إشكالية الإسلام والغرب، أو التقدم والتخلف، هو إبعاد الإشكالية أصلا من أفق التفكير، والانخراط التلقائي مع القضايا الراهنة، كما تطرح في كافة بلدان العالم، بالقدر الذي يساعد فيها الدين باقي المجالات في تجديد الروح، والتكافل الاجتماعي وامتلاك ناصية الثقافة الحديثة والتواصل الإنساني الذي يقرّب إلى الحق والحقيقة في مجالها التداولي الحديث، ويبعد الاحتكار والاستئثار بالحقيقة الدينية من أجل تغليبها على سائر الحقائق والمجالات.
كاتب وباحث جزائري

الوجدان العربي الضائع

د. نورالدين ثنيو

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • محمود ابو عارف - كولومبيا

    الانسان العربي واقع في مصيبة استبداد حكامه الذين قسم منهم متخلفون فكريا وسياسيا واقتصاديا. ليس لدى المواطن العربي اي قول في إدارة أمور بلاده.

    المشكلة الثانية المحاولات المستمرة من الأعداء الداخليين والخارجيين لتحويل الاسلام الى قشور بحيث لايبحث المواطن في أسس الاسلام في الشورى والعدل واتقان العمل وحسن المعاملة والاخلاص والسعي نحو التقدم بل يبحث المفتون في الحجاب وحكمة تعدد الزوجات وإطلاق اللحية وحف الشارب والطعام الحلال وصار بعض الباحثين الهواة يدخل في البحث في الإعجاز العلمي للقران الكريم( في حين ان أعجاز القران الكريم هو حقيقة مطلقة جاء بهاالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وليست بحاجة الى مزاودة) بدلا من ان يشتغل الباحثون في المختبرات العلمية ليلا ونهارا ليساهموا في تقدم بلادهم
    وما يزيد المشكلة تعقيدا ظهور ( الجمهورية الاسلامية) و( الدولة الاسلامية) واستعما ل نعوت ،من أمثال ( جهاديون ). ( سلفيون) ومانتج عن هذا من اعمال عنف وقتل وتفجير في عدة دول في العالم مما أدى الى ظهور مصطلح ( الاٍرهاب الاسلامي)! و( التشدد الاسلامي) وهذه كلها أدت الى ان الانسان المسلم صار يسير وهو يلتفت بخوف سواء في بلده او في بلد الغربة من ان تنسب اليه هذه الصفة
    نعم العالم العربي والإسلامي متخلف اليوم ولكن هذا ليس قدرا . يحتاج العربي المسلم ان يتخلى عن شعوره بالدونية تجاه العالم المتقدم اولا وان يثق بنفسه وبتراثه ثم ينهض وان يعمل مخلصا ويتقن عمله في السياسة والاقتصاد
    الاسلام يدخل في التركيب العضوي والبنية الاجتماعية للانسان العربي ( حتى ولو لم يكن متدينا) ولذلك فهو يصلح أساسا للانطلاق ( وليس للحكم) في السير نحو النهضة بما يحض عليه من أسس حقيقية للعمل وفقا للحديث الشريف

    ” اصلح السفينةً فان البحر عميق ، وخذ الزاد كاملا فان السفر طويل ، واخلص العمل فان الناقد بصير”


إشترك في قائمتنا البريدية