بحثا عن قاسم جبارة في فيينا

حين جئت المدينة، أواخر ثمانينيات القرن المنصرم، كان هو قد غادرها للتو. بطلقة واحدة في الرأس، من مسدس عتيق كان قد اشتراه من بائع خردوات غجري.. من أولئك الذين يبيعون كل شيء قديم في أسواق السبت والأحد الشهيرة والرخيصة عادة.
كان مسدس الغجري في حالة يرثى لها على الأغلب، إذ لم تتمكن رصاصته التي صوبها الشاعر نحو رأسه تماما من إتمام مهمتها المنشودة على الفور. لم تقتل صاحبها كما اشتهى في اللحظة تلك، بل أصابته بشلل تام، سوف يقود بدوره إثر إقامة مؤلمة، قصيرة حسب التقارير، في مصح طبي عام إلى الموت المرغوب. أتمت الرصاصة مهمتها ولكن بعد حين. ومات الشاعر العراقي قاسم جبارة منتحرا في مطلع الخريف من عام 1987، بعد عقد واحد على إقامته في فيينا، محطته الثانية والأخيرة بعد بغداد التي تركها هاربا من سطوة البعث وجنون الدولة الوطنية التي اخترعها وأحرق الناس في لهيبها اللعين: «كل أعضائي هادئة باستثناء العراق».
هل دفع العضو غير الهادئ ذاك بصاحبه إلى اختيار الموت ملاذا ومخرجا؟
هل لعبت العلاقة المتوترة بزوجته النمساوية دورا في النهاية المأساوية للشاعر؟ مع أهمية الإشارة هنا إلى أن السيدة تلك قامت هي الأخرى بمحاولة انتحار فاشلة قبل زوجها بعام كامل. وهل مارست الأعمال البائسة التي مارسها جبارة في فيينا ضغطا نفسيا لا يُرد على صاحبها المسكون بهوس الشعر ولذة التحليق في فضاء مختلف وشديد التناقض مع مثل هذه الأدوار القاسية : توزيع الإعلانات على البيوت. بيع الصحف على الأرصفة أو غسل الصحون وتنظيفها في المطاعم والمقاهي، وهي الأعمال الوحيدة التي اعتاش عبرها الشاعر في المدينة؟ وهل؟ وهل؟
كنت أمام عديد الأسئلة المؤلمة حين بدأت البحث لأول مرة عن قاسم جبارة في فيينا: من هو هذا الشاعر الذي قرر في لحظة سديمية وحاسمة أن يموت، وفعل؟ أين هي قصائده، ولماذا لم أعثر على اسمه مرة في صحيفة أو كتاب؟ ومن يعرفه في هذه المدينة التي تطوي الغرباء على أنفسهم وأحلامهم وتتركهم هناك؟
من هو قاسم جبارة المولود في بغداد عام 1935؟ من هو ذاك المهاجر، الشاعر. زوج السيدة النمساوية المجهولة والحزينة.. والقتيل برصاصة مسدس عتيق صوبها هو إلى روحه المثقلة ومضى؟ هي مهمة شاقة قادتني عام 1991، وقت بحثت وكتبت عنه لأول مرة، إلى زيارة المستشفى العام في فيينا طلبا للمساعدة، ولكن إدارة المستشفى رفضت، فأنا، كما قيل لي، لا أحمل صفة تخولني البحث في أرشيفهم، ناهيك عن أن المشافي، العامة والخاصة، كثيرة في المدينة ولا ترتبط بإدارة مركزية واحدة وأرشيف موحد.
هذا يعني أن جبارة فارق الحياة في أي منها، وليس في أكبرها بالضرورة. وهذا يعني أن مهمة البحث عن تفاصيل موته عبر الدوائر الرسمية سوف تكون شاقة، إن لم تكن مستحيلة وأن عليّ البحث عن طرق أخرى قد تقود إليه. كيف يبحث المرء عن شاعر منتحر في مدينة لا تعرف عنه شيئا؟ عبر قصائده.. مثلا، ولكنها غير متاحة في حالة جبارة‘ أو عبر اصدقائه، ولكنني لم أعثر، رغم عديد المحاولات، على واحد أتقصى من خلاله ما أود الوصول إليه. ربما كان قاسم جبارة وحيدا، بلا أصدقاء أو أقارب: يعمل في النهار. يأوي إلى زوجة متعبة.. يشرب ما يسكره، يكتب أحيانا وينام؟ كنت كمن يبحث، فعلا لا مجازا، عن إبرة القش الشهيرة تلك.. عن قصيدة يتيمة في محيط من القصائد، وهو الأمر الذي دفعني آنذاك لكتابة نص قصير عن مهمة البحث العسيرة ذاتها، ولكن قاسم جبارة ظل حاضرا لديّ ولم أوفر فرصة تدلني أكثر عليه إلا واقتنصتها، إلى حين التقيت صدفة، عام 2001، بصديقه الوحيد، سليم، البغدادي مثله. ورفيقه السابق في الأعمال الشاقة التي مارسها في فيينا. وهو زائره الأخير قبل أن يفارق الحياة ويدفن في قبر جماعي تخصصه المدينة لأولئك الذين لا يملكون مالا لشراء قبورهم الخاصة، حيث توضع النعوش فوق بعضها بعضا هناك دون شواهد تدل على اسماء أصحابها.
عرفت الكثير عبر سليم عن صديقه الراحل، ولكنه الكثير المعروف تقريبا والمنتظر أيضا: غريب في فيينا يبحث عن ملاذ لروحه الهاربة. يقبل بما تعرضه عليه البلاد من أعمال بائسة، ثم يلتقي بنمساوية عابرة فيتزوجها فلا تضيف إليه سوى متاعبها النفسية الشديدة هي الأخرى، ولكن ذاك الغريب بتلك الحكاية المألوفة كان شاعرا، بل هكذا سأعرف من خلال القصائد التي قدمها صديقه إليّ، كان شاعرا من طراز لافت وجميل، عارف كما يبدو بسر الصنعة التي بين يديه، بقدرة اللغة على التطويع والذهاب إلى مطارح لا يقترب إلا الحاذق منها:
«راض بالموت وبالمنفى، وبعنف الركلات
وبالمرحاض الرطب
وبالغرفة في آخر طابق
وبتوزيع الإعلانات
وبموزارت الممنوع عليّ
بحذاء العسكر
بجواز هولندي
بفتاة مفلسة..».
وفي مقطع مدهش من القصيدة الفاتنة هذه يتابع جبارة:
«راض بالصمت
وبالثرثرة العظمى
بالهذيان الهائل
بالذكرى إذ تسقط في بئر سوداء
باللحية والشعر الكث
وبالجلد المدبوغ
وبمسح صحون القوادين
بنشيد الصف الثالث
بصديقة الملاية
بالقرآن
بتنزيلات السوق..»
حين قرأت القصيدة هذه للمرة الأولى أدركت على الفور أني كنت أبحث عن شاعر يستحق عناء البحث عنه في الغابة الكبيرة، وأن هوس التفتيش عن أسباب انتحاره، تلك التي شدتني بداية إليه، ابتعدت قليلا أمام هوس التفتيش عن تركته الشعرية التي تدعوك بشغف خالص إليها، فهناك، في العالم الشعري لقاسم جبارة، سوف يعثر الباحث بكل الأحوال على أسباب انتحاره المؤلمة، فقصيدة جبارة هي ذاته وقد صارت قصيدة. هي روحه وقد فقدت القدرة على مواصلة الصراع المر مع محيطها:
«راض بأصحاب أجلاف
برسائل حوليات تأتي من بغداد
بالطابور الخامس
بقلعة صالح
بترتيلات أسمعها حين أنام
كأنين لا متناه».
في القصائد القليلة التي أطلعني سليم عليها، ثم في الديوان اليتيم الذي جمعه جمال جمعة وأصدره عبر الدار العربية للفنون قبل سنوات قليلة تحت هذا العنوان البائس والقبيح: «طبال الليل»! يعثر القارئ لعالم قاسم جبارة الشعري على أنين متواصل لا يكف ولا يهدأ. أنين الشاعر الذي أضاع كل شيء.. أنين الغريب. وأنين من عثر على نفسه فجأة بلا أمل أو رجاء فقام من نومه مبكرا، صباح الأحد، ليبحث عن مسدس قديم عند بائع خردوات غجري. لا شاهدة لقبر قاسم جبارة في السنترال فريدهوف، المقبرة الأكبر في أوروبا، ولا ديوان له غير ذاك المذكور. لا قراءات تستدعيه ولا من يحتفي به شاعرا من طينة شفيفة تدفع بصاحبها إلى موت مبكر ولئيم. لا شيء في فيينا يذكر بذلك الشاعر العراقي الذي مر لسنوات بها وغاب تحت ترابها.. لا شيء، ولكنني كثيرا ما استحضر جبارة، وكثيرا ما أرغب بمواصلة البحث عنه. فقاسم جبارة العراقي. الشاعر. المنتحر في لحظة سديمية قاتلة، يستحق المزيد.. الكثير والمزيد.

٭ كاتب فلسطيني

بحثا عن قاسم جبارة في فيينا

نائل بلعاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية