«بحث»: فيلم إثارة جديد تدورُ كلُ أحداثِه على شاشاتِ الكومبيوتر والأجهزةِ المحمولة

13 - أغسطس - 2018

حسام عاصي

0
حجم الخط

لوس أنجليس – «القدس العربي» : ينطلق هذه الأيام في دور السينما الأمريكية فيلم «بحث» أو «سيرتشينغ»، الذي يحكي قصة أب أرملٍ تختفي ابنتُه المراهقةُ بشكلٍ مفاجئٍ دونَ أن تتركَ أثرا بعد أن تجري معه مكالمة هاتفية.
وبعدَ أن يبْلغَ الشرطةَ، التي تكلفُ ضابطةَ مباحثٍ بمهمةِ التحقيق، يغوصُ في عالمِ إبنتِهِ الافتراضي من خلالِ اختراقِ حاسوبِها ودخولِ حساباتِها في مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِ وبريدِها الالكتروني ليبحثَ عن خيوطٍ قد ترشدُه إليها.
بحث هو فيلم إثارةٍ تقليدي، لكن مخرجَه الأمريكيَ- الهنديَ، أنيش تشاغاني، طرحَه بمنهجٍ سينمائيٍ جديدٍ، وهو سينما الشاشة، حيثُ تدورُ كلُ أحداثِه على شاشاتِ الحواسيبِ والأجهزةِ الكومبيوتر الخاص بها . وفي حديث معه الأسبوع الماضي في بيفيرلي هيلز، أكد لي أنه استخدم هذا النهج لأنه كان ملائما لسبر موضوع الفيلم.
«لقد استغليته كفرصة لطرح فيلم إثارة كلاسيكي جدا جدا بطريقة غير تقليدية جدا جدا. واعتقدنا أن الجمع بين هذين التناقضين، سينتج عنه عمل ذو جودة سينمائية عالية»، يضيف تشاغاني، ابن الـ 27 من العمر.
لكن هذا الطرحَ الجديدَ جعلَ، بطل الفيلم، الممثلَ الأمريكيَ الكوريَ الأصل، جون تشو، يرفضُ في البداية الاشتراكَ في الفيلمِ عندما عُرضَ عليه، رغمَ إعجابِه بالسيناريو «قلت ما منهج فيلم الشاشة هذا؟» يضحك تشو: «ولماذا لا يطرحونه على الشاشة الكبيرة. أردت له أن يبدو مثل أي فيلم، فهو يستحق أن يعرض على الشاشة الكبيرة في دور السينما وليس كفيديو. لهذا اعتقدت في البداية أن ذلك غير ملائم لي».
لكن تشاغاني، الذي لم يلتق بتشو من قبل، أصرّ ودعا تشو لمقابلته لكي يعرض عليه خطة تصوير الفيلم: «عندما التقينا، أخبرني كيف سنصنع منه فيلما»، يقول تشو «وعرض لي ما سنفعله على حاسوبه. كان الأمر مضحكا، فلم أكن أتحدث مع شخص وجها لوجه. بل تحدثت إليه عبر الهاتف، واستخدمت التكنولوجيا للتواصل مع شخص، ولم أستطع معرفته بحق، لكن عندما التقينا وجها لوجه تيقنت أنه شخص يمكنني الوثوق به وبقدرته على انجاز ذلك».

توظيف التقنية في الأفلام

استخدام هذا النوع من التقنية لم يكن عفويا إذ أن تشاغيني له خلفيه في التكنولوجيا. ففي عامِ الفينِ وثلاثةَ عشر، صنع فيلمًا قصيرًا وصوره بأكمله بنظاراتِ غوغل، وهو»سيدس»، الذي ينطلق فيه في رحله من الولايات المتحدة الى الهند عبر عدة دول. وخلالَ يومٍ من وضعِ الفيلمِ على موقعِ يوتوبِ، شُوهدَ أكثرَ من مليونِ مرة، فاتصلت به شركة غوغل وعرضت عليه الانضمام لطاقم مخرجي الأفلام في قسم الترويج لمنتوجاتها، حيث صنع عدة أفلام دعائية.
لكن عندما شاهدَ أولَ فيلمِ شاشةٍ، وهو فيلمُ الرعبِ «انفرينديد» الذي تدورُ أحداثُه على شاشةِ حاسوبٍ جوال، استقالَ من غوغل لكي يطوّرَ تلكَ اللغةِ السينمائيةِ في «بحث»، وذلك من خلالِ طرحِ كل حدثٍ على شاشةِ الجهازِ الذي استخدَمتهُ شخصيةُ الفيلمِ لتصويرِه أو مشاهدتِه، من أجلِ تعزيزِ مصداقيتِه.
«لم نفعل أي شيء بكاميرات مهنية»، يؤكد تشاغاني «في كل يوم من التصوير، الذي امتد لـ 13 يوما فقط، كنا نستخدم كاميرا مختلفة. في بعض الأيام استخدمنا تليفوني الجوال، وفي أيام أخرى كنا نستخدم كاميرا غو برو، وأياما استخدمنا كاميرات محمولة على طائرة درون، وأياما أخرى صورنا بكاميرات أخبار أو بكاميرات تلفزيون أو بكاميرات رقمية أخرى. انطلاقا من قرارنا بوضع القصة على الانترنت الذي نتقن معرفتها، فقد أردنا أن نصور كل شيء بالطريقة نفسها، التي تُصور في الواقع. إذا استخدمنا كاميرا سكايب، نصور بالجودة نفسها. وإذا كانت صور جوال، فنصور بذلك التليفون. كان مهما أن تشبه الاضاءة وأسلوب التصوير الحياة الواقعية».
فعلا، فإن تشاغني ينجح من خلال هذه التقنيات في عكس واقع الحياة المعاصرة، التي لا تحدث في الواقع هذه الأيام وإنما في العالم الافتراضي على شاشات الحواسيب والأجهزة المحمولة «الغريب، أننا نعيش حياتنا على الشاشات، ولكن لا نقول ذلك أبدا وربما لا ندرك ذلك. ومن المدهش أن حقيقة أننا يمكننا أن نسرد قصة، ليست لها أي علاقة مع الشاشات بمفهومها القديم، بل ملحمة عن أب يبحث عن طفلته، تثبت هذا القول لنا».
فعلا، فسرعانَ ما يدركُ الأبُ أنه لا يعرفُ ابنته التي تعيشُ معَهُ في بيتِه، لأنها تقضي جُلَ وقتِها أمامَ شاشاتِ الكومبيوتر الالكترونية، وبينما كان بقوم بتحرياته في حساباتها الرقمية يكتشفَ أنها استبدلَتْه بزملاءٍ افتراضيينَ، بعضُهم صادقون وبعضُهم دجالون، كانت تشاركُهم خصوصياتِ حياتِها وعلاقته معها. ويتحول بحثه عن مكان وجودها الى البحث عن حقيقة من هي.

التواصل مع الجيل الجديد

«هذا هو الواقع»، يعلق تشو «وربما يتعلق أكثر بالجيل الجديد. فميشيل لا، ابنة الـ 14 التي لعبت دور الابنة في الفيلم قالت إنها لم تجد صعوبة في التمثيل أمام كاميرات الانترنت ولم يبد الأمر لها غير طبيعي بينما ديبرا ماسينغ، التي لعبت دور ضابطة المباحث، وإن وجدناه غريبا جدا وصعبا جدا لفهم بعضنا البعض مع الشاشة في ما بيننا».
هذا لا يعني أن تشو لا يستخدم الأجهزة الإلكترونية في حياته اليومية، ولكنها لم تستبدل سبل التواصل الأخرى، مثل المقابلات الشخصية والاتصالات الهاتفية، التي كانت سائدة في صغره «يمكنني أن اتكلم مع أمي وأبي عبر «فيستايم»، ولكن عندما أمثل فأنني أتحدث مع ممثلين لدور أمي وأبي، فهذا يكون صعبا. وأعتقد أن السبب هو كون طريقة العمل مطبوعا في ذاكرتي على نحو تكون فيه الكاميرا خارج وعيي حيث أتظاهر بأنها غير موجودة، أو أمحوها من مخيلتي وأركز على الناس حولي ولذلك فإن تأدية هذا العمل في ظل هذا الوسيط الشخصي كان مربكا جدا».
رغم العواقب الوخيمة التي نبعت من استخدام الفتاة التكنولوجيا وادمانها عليها والاعتماد عليها في كل أمور حياتها، إلا أن تشاغاني يصر على أن تأثير التكنولوجيا على المجتمع المعاصر ايجابي.
«يمكن للتكنولوجيا أن تعزلنا وتثير الخوف فينا وتفقدنا الأمل لكن يمكنها في الوقت نفسه أن تمنحنا الأمل، وتوقعنا في الحب، وتربطنا ببعض»، يوضح تشاغاني، الذي يعترف أيضا أن الفيلم تحذير من التواصل الاجتماعي والسبل التي نحذوها على الانترنت «لكن في الوقت نفسه هو ليس اتهاما لأنه يتحدث أيضا عن ايجابياتها. فمثلا هي أساس المشكلة في هذا الفيلم، لكنها في النهاية لب الحل. وأعتقد أننا حاولنا التحدث عن كلا الامرين».
فضلاً عن إصرارِه على استخدامِ نهجٍ سينمائيٍ جديد، أصر انيش على منحِ دورِ الأبِ لتشو، بدًلا من نجمٍ أبيض، ليصبحَ «بحث» أولَ فيلمٍ في هوليوود من بطولة اسيوي.
«ترعرعت على مشاهدة أفلامي المفضلة وهي أفلام الاثارة والحركة والغموض، التي ليست لها أي علاقة بالحضارة أو العرق، لكنها في الوقت نفسه لا تمثلني. لم أر نفسي أبدا على تلك الشاشات، وأعني أبدا! لم أشاهد أبدا نجما هنديا يؤدي بطولة فيلم حركة أمريكي حتى يومنا هذا، ولهذا عندما سنحت الفرصة لتغيير ذلك استغلناها لوضع شخص على الشاشة من دون تمرير أو تبرير، بمعنى أن لا تتكلم عن ذلك، بل فقط نمنحه فرصة ونمنح شخصا أخر الفرصة ليشاهد نسخة مجسدة منه على الشاشة وقصة لطالما أراد أن يشاهدها»، يوضح تشاغاني.
منذُ فيلمِه الأولِ في هوليوود، «أمريكان باي»، عامَ 1999، أدّى تشو أدوارًا في أفلامٍ هوليوودية عدة، من أهمِها سلسلةُ الكوميديا «هارولد وكومار»، وسلسلةُ الخيال العلمي «ستار تريك». لكن كلَها كانت أدوارًا مساعدةً وليستْ رئيسية. لهذا تفاجأ عندما قرأ سيناريو الفيلم ووجد أن بطله كان آسيويا.
«من المؤسف أن نتفاجأ يرؤية اسم أسيوي أمام بطولة فيلم هوليوودي»، يعلق الممثل الذي وُلد في عاصمة كوريا الجنوبية، سيول، وهاجر مع أهله الى الولايات المتحدة في الثامنة من عمره «السبب الرئيسي هو وجود ذلك التنميط الحضاري القائل إنهم ليسوا ابطالا. وهناك أيضا فكرة أن الأسيويين غير مطلوبين في السوق».

محاولة تغيير الصورة النمطية

وهذه هي الصور النمطية التي يريد تشاغاني تغييرها عن الأقليات العرقية في الولايات المتحدة من خلال اختيار ممثلين منهم لأداء الأدوار الرئيسية في أفلامه «أعتقد أن ثمة مسؤولية على عاتقنا في ذلك. وفي فيلمنا المقبل يمثل اختيار الممثلين تحديا فريدا لنا ونحاول اختيار ممثل للدور الرئيسي ينتمي إلى الفئة التي لا تُمنح عادة أدوارا رئيسية. ومشروعنا الثالث سوف يكون الشيء نفسه. وبالتالي، لدينا فرصة مناسبة لأن نصنع أفلاما يمكن لكل شخص مشاهدتها ولأن نقدم شيئا ايجابيا عن العالم الذي نعيش فيه». مشاهدةُ «بحث» تجربةٌ فريدةٌ، إذ يتناولُ قضايا اجتماعيةً مهمةً من خلالِ تسخيرِ لغةٍ سينمائيةٍ حديثةٍ، تعتمدُ على أجهزةٍ الكترونيةٍ نستخدمُها في حياتِنا اليوميةِ، وتساهمُ في تعزيزِ تماهيِنا مع شخصياتِه وتَفَهُمِنَا لمآزقهم، من دونِ الحطِ من جودةِ الفيلمِ التقنيةِ والبصرية.

7AKH

«بحث»: فيلم إثارة جديد تدورُ كلُ أحداثِه على شاشاتِ الكومبيوتر والأجهزةِ المحمولة

حسام عاصي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية