تغير السلوك في انتظار تغير الظروف

حجم الخط
1

في كل عام يكثر الحديث وتكثر الكتابات عما يحيط بشهر رمضان، من ممارسات وسلوكيات وأفهام خاطئة، لكن الأزمنة والقرون تتوالى من دون أي تغيير أو تعديل أو تجاوز في ممارسات وسلوكيات المجتمعات والبشر. يظل الزمن واقفا، وتستعصي العادات على المنطق وعلى دروس التقدم الحضاري.
يبدأ ذلك المشهد بالاختلاف حول بداية الشهر، أيعتمد على رؤية الهلال أم يستفاد من حسابات العلوم الفلكية المعتمدة على العلم ومنطق الحساب الصارم، ودقة أجهزة المراقبة من الأرض وخارج الأرض؟ ويتسابق الفقهاء في تحديد هذا اليوم أو ذاك وهم الذين أغلبيتهم الساحقة لا تعرف شيئا عن علوم الفلك البالغة التطور.
ثم يأتي فهم الإنسان المسلم العادي لموضوع الصيام برمته، أهو مناسبة هدوء روحي وصفاء نفس؟ أم هو مناسبة صخب فولكلوري في المطاعم والشوارع والمجالس حتى ساعات الصباح الباكرة؟ أهو تذكير للإنسان بما يفعله الجوع بالفقراء والمعوزين والأخوة في الإنسانية؟ أم هو مناسبة للتخمة والابتذال في التبذير وعدم إغلاق الفم طيلة الليل؟ أأمسيات هذا الشهر هي لاقتراب أكثر من خالق الكون، من خلال العبادة الواعية المستوعبة للمقاصد الإلهية من هذا الخلق، ومن خلال بناء الإرادة الواعية لتصحيح الضعف الإنساني وشهوات الجسد والنفس والعقل أم أنها أمسيات لرؤية مسلسلات تلفزيونية بالغة السوء في مستوياتها الثقافية والفنية الرفيعة، وللانبهار بسيل من الإعلانات الصاخبة الكاذبة المتلاعبة بالذوق وبالسلوك وبالذهن؟
ثم ماذا عن انتهازية تلاوة القرآن خلال رمضان بسرعات جنوبية، بدون فهم ولا تمعن، وليس قراءته بهدوء واستيعاب ووعي، ثم إهماله جانبا بقية السنة؟ أضف إلى ذلك الآلاف من الأسئلة التفصيلية العبثية التي يسألها الناس عما يخدش الصيام، بما يظهر إلى أي مدى تنقلب هذه المناسبة إلى مخاوف لا مبرر لها وإلى رعب متزمت متخلف.
وفي المحصلة يشعر الإنسان بأن الوعي الجمعي لمعاني وأهداف هذا الشهر في المجتمعات الإسلامية يبتره عن باقي الشهور. لكأن الشعور ببؤس الآخرين ومساعدة الجياع والقيام بالشعائر الدينية الحقة الصادقة ليس ضروريا للإنسان المسلم، إلا في شهر الصيام، وبعدها يعود الإنسان إلى حياته وممارساته وسلوكياته المعتادة. التعامل مع رمضان، الذي يعيد نفسه سنة بعد سنة وقرنا بعد قرن، هو مماثل للتعامل مع مواضيع السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة في بلاد العرب. إنه مغالبة لتطور الأزمنة وتبدل الظروف واكتشافات المعرفة والعلوم. نحن أمام ظاهرة متجذرة عصية، على الرغم من أن أسبابها الكثيرة قد درست باستفاضة منذ منتصف القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من أن مكامن الخلل، أشير إليها في ألوف الكتب، وعلى الرغم من أن الحلول المعقولة قد اقترحت، بل أنها نجحت في كثير من المجتمعات الأخرى وأصبحت تجارب إنسانية ماثلة أمامنا.
لا يمكن أن يكون الخلل في الدين، فهو دين عقلاني، يرفض أن يبقى الناس على دين آبائهم من دون تفكر ومراجعة وتجديد، ويحث على إعمار الحياة وحمل المسؤولية نحو الأرض ومن عليها، ويثور على الظلم والاستغلال الأناني الجشع. لا يمكن أن يكون الخلل في العقل العربي، فقد أثبتت الدراسات الكثيرة أنه عقل نقدي وجدلي يمارس النظرة الشمولية، وله إرث فكري تاريخي يشهد على ذلك.
إذن فالقضية تكمن في مكان آخر: إنها تكمن في النشأة الأسرية، وفي التعليم المتخلف، وفي الاستبداد المدمر للشخصية السوية، وفي تكالب الإحن والمحن الخارجية على مقدراته وحريته وكرامته الإنسانية، وفي فقهاء الدين المتزمتين المتخلفين في قراءاتهم للنصوص الدينية، وفي الاقتصاد الريعي الذي جعل من الناس رعايا مقلدين بدلا من كونهم مواطنين أحرارا مستقلين وفاعلين. وحتى عندما ينجح الإنسان العربي في أن يثور على كل ذلك وينتقل إلى نظام جديد ليعيد له توازنه وشعوره بالكرامة وقدرته على الاستقلالية في الفكر، تتكالب عليه قوى الشر لتمنعه. وخير مثال هو ما حدث في تونس. فما أن نجح المواطنون في تونس في الخروج من أوضاعهم السيئة السابقة، حتى تكالب على مجتمعهم إرهابيون مرتبطون بالاستخبارات والمصالح الخارجية والداخلية ليدمروا السياحة ويطردوا الاستثمارات، ويمنعوا بالتالي النمو الاقتصادي في ذلك البلد. إنها حلقة في سلسلة من الحقارات والمؤامرات التي لا تريد للإنسان العربي أن يخرج من حالات التخلف الحضاري التي يعيشها.
يسأل الإنسان نفسه: هل هذا الإنسان العربي، الذي ما أن يخرج من محنة إلا ويدخل في محنة أخرى، سيكون لديه الوقت والجهد ليفكر في تعديل مسارات سلوكياته وعاداته، كما هو الحال بالنسبة لشهر رمضان؟ إن المجتمعات البشرية قد تغيرت، إما من خلال ثورات جذرية عاتية، أو من خلال سلام مجتمعي طويل الأمد.
بالنسبة للإنسان العربي لم تمر مجتمعاته في أي من الحالتين، ولذا يبقى واقفا متعبا أمام تحرك الأزمنة.
كاتب بحريني

تغير السلوك في انتظار تغير الظروف

د. علي محمد فخرو

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سوري:

    اذكر اني عندما كنت طفلا وكان منزلنا في دمشق ليس بعيدا عن المسجد الأموي الكبير ان شهر رمضان كان محببا الى جدا كنت اشعر ما يشعره الآخرون بذلك الصفاء الروحي فكان والدي يوقظنا على السحور لنتوجه لصلاة الفجر في المسجد ثم نعود للنوم والاستيقاظ للذهاب الى المدرسة الابتدائية التي لم تكن بعيدة وغيرت اوقات الدوام لتؤخرها ساعة في الصباح مراعاة للشهر الفضيل، وفي المساء بعد تناول الفطور الذي كنا ننتظره بفارغ صبر نتوجه لصلاة المغرب وربما عرج الوالد على بائع حلويات أو البوظة الدمشقية الشهيرة من محلات بكداش في سوق الحميدية لنكمل السهرة في سمر عائلي لطيف، أو نتوجه إلى مقهى النوفرة حيث الحكواتي يحكي قصص عنترة والظاهر بيبرس والزير سالم ابو ليلى المهلهل.. ولكن اليوم تحول رمضان ألى فولكلور تقام فيه الخيام الرمضانية التي باتت كمقاهي للتدخين والغناء والطرب والرقص والبحث عن مغامرات غرامية.. أو مشاهدات لمسلسلات رمضانية سخيفة تتسم معظمها بالعنف والجنس أو التدجيل والكذب والبروباغندا للحكام بطرق ملتوية مختلفة..

اشترك في قائمتنا البريدية