خلافات البيت الواحد ومفتاح طهران السري

25 - مايو - 2018

4
حجم الخط

منذ نحو خمسة وعشرين عاما، كان الحي البغدادي الذي نسكنه، يشهد أحيانا نزاعات بين «البيوتات» الشيعية العريقة التي تقطنه، نزاعات حول الأراضي قرب منطقة الجادرية الراقية، أو الميراث، أو منافسة بين أصحاب المحلات التجارية، وكذلك مشاحنات جهوية، ورغم منظومة العادات والتقاليد البغدادية الرصينة، التي تحملها تلك البيوتات العربية الأصيلة، الا أن أسهل طرق حل تلك النزاعات، كان يؤدي غالبا لتدخل «السيد» رجل الدين الشيعي، وفي أحيان اخرى، شيخ عشائري أو وجيه معتق، يتوسط مستخدما مكانته المبجلة أو سلطته النافذة، أما القوانين والأجهزة القضائية فكان يتم اللجوء لها في حالات اخرى.
كان «السيد» إذن يحظى بهذه المكانه حتى وسط عائلات تعيش في بيئة بغدادية مدنية، ومن يعرف تلك الأحياء في بغداد أو عاش بداخلها لسنوات، يدرك أن أطياف القوى الشيعية الاساسية الموجود اليوم، من تيار صدري ومجلس أعلى وحزب دعوة ومرجعيات أربع كبرى لها ملايين المقلدين، هذه الاطياف كلها كانت ممثلة اجتماعيا منذ تلك الحقبة، في معظم تلك الاحياء البغدادية، حتى بخلافاتها الداخلية، التي كان يضطلع بحلها ايضا «السيد». وحتى اليوم تبدو هذه المنظومة المرجعية للشيعة، برعاية دولة المرشد الاعلى في ايران، قادرة إلى حد كبير، على إدارة النزاعات السياسية لمناصريها، كما كانت تفعل بالنسبة لمقلديها في عهد منع النشاط الحزبي ايام حكم صدام.
وحتى الآن، وبعد مرور نحو خمسة عشر عاما على سقوط النظام، فإن كل النزاعات بين التيار الصدري ومنافسيه الالداء تم احتواؤها من قبل الادارة السياسية الايرانية للملف العراقي، بدون السماح لطرف آخر باستغلالها لصالحه، كامريكا أو السعودية ، التي تكرر تقديراتها الخاطئة مجددا، مع الصدر بعد علاوي،  بعدما ظنت قبل ثماني سنوات، أنه يمكن لشيعي منفصل عن منظومة المرجعية الشيعية، ومؤيد للولايات المتحدة كإياد علاوي، أن يستقطب تأييد الشارع الشيعي، فدعمته قبل اعلان نتائج الانتخابات، التي اظهرت انه لم يحصل على شيء يذكر في المناطق الشيعية، مقابل الاحزاب المدعومة من المرجعية التقليدية، واليوم تعود الآلة الإعلامية المقربة من السعودية، لترويج تحقيق «نصر مؤزر» بوجه إيران، يعوض فشلها المستدام في كل الساحات العربية، من لبنان للعراق لسوريا لليمن، محاولة خداع جمهورها وجمهور العرب السنة المحبط والمتعلق بأي آمال، أو مكررة سوء التقدير والفهم للحالة الشيعية السياسية في العراق، التي لا شك أنه يعتريها الكثير من الخلافات في ما بينها، لكنها تتفق جميعا على موالاة إيران وبغض اعدائها، وإن بدت تتقرب من دولة ما فهي علاقة محسوبة بدقة، حدودها تبدأ من مناكفة الافرقاء كالمالكي، وتنتهي عند سقف خلافات البيت الواحد ومفتاحه السري في طهران. ومن يراقب سياسة إيران مع مناوئيها غير الشيعة، الذين كانوا قريبين من دول عربية أو غربية بالعراق، ولم تتمكن من اخضاعهم للسياسات الايرانية في العراق، كنائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، ونائب رئيس الوزراء رافع العيساوي، أو مع بارزاني في كركوك، نجد أن الموقف كان، إما بالطرد أو الغزو العسكري، أما في حال ظهور تيار شيعي مناوئ متمرد، فلن تتردد إيران بسحقه بأقوى من ذلك، كما فعلت مع تنظيم الدولة، بل اكثر، فإيران وحسب قراءة سياساتها المتبعة منذ عقود في المنطقة،  تدرك خطورة حصول خرق بالكتلة الشيعية الموالية لها بالعراق، على منوال المثل العراقي « الحمى ما تجيك إلا من الرجلين».
خلال الايام القليلة الماضية، جاءت التصريحات من التيار الصدري نفسه، واضعة النقاط على الحروف، في ما يتعلق بالعلاقة مع السعودية وايران، وإن كان رموزه الرسميون لا يمثلون بدقة قادة التيار العميق الاكثر تشددا وطائفية، ويحاولون الظهور بمواقف إعلامية شعبوية فضفاضة ترضي معظم القوى العراقية الاقليمية بالمنطقة، لكن ما أن انتهت الانتخابات حتى انتهت فترة «الدعاية» وبدأت المواقف الحقيقية اكثر تجليا من قادة تحالف «سائرون».
فالمسؤول السياسي للتيار الصدري ضياء الاسدي، تحدث قبل ايام قليلة في مقابلة تلفزيونية لقناة «المنار»، بعد سؤال عن إمكانية فرض حكومة العراق لعقوبات ضد إيران استجابة للولايات المتحدة، فكان جوابه أن علاقات التيار الصدري مع «الجمهورية الاسلامية» في إيران تاريخية وثقافية واجتماعية، ووصفها بالعلاقات الثابتة، وانه «لا التيار الصدري ولا شركاؤه» من الممكن أن يخضعوا لرغبات الولايات المتحدة، بل ذهب الاسدي اكثر من ذلك، معلقا على سؤال حول تغريدة السبهان، التي احتفل بها بفوز قائمة الصدر بالمركز الاول، اذا قال الاسدي إن «السبهان متسرع في تغريداته، وهو لا يدرك الوضع بشكل جيد في العراق». وعاد الأسدي ليقول في قناة اخرى، إن «هناك وسائل إعلامية تحاول تصوير وجود علاقة متوترة بين السيد الصدر والجارة إيران، السيد مقتدى الصدر لديه علاقات جيدة مع إيران وقد صرح مرارا أن العراق لن يكون عدوا لها».ويكفي ملاحظة تعبير «الجمهورية الاسلامية»، الذي يستخدمه احيانا مسؤول التيار الصدري، الاسدي، وغيره من قادة التيار، لنعرف الهوية التي ينتمي لها قادة هذا التيار وطبيعة علاقتهم ونظرتهم لإيران. 
تصريحات الأسدي ليست جديدة، لكن ما يتم تسليط الضوء إعلاميا عليه، هو ما يتناسب مع سياسات إعلامية محددة لاختراع نصر في العراق، قد ينسي المتعلقين بالأمل السعودي وعودا ودعايات سبق أن صدقوها أيضا في اليمن بعملية «عاصفة الحزم»! فجعفر الموسوي نائب رئيس المكتب السياسي للتيار الصدري، قال قبل عامين الكلام نفسه وأكثر، بل إنه عندما وجه له سؤال عن المتظاهرين، الذين كانوا مع انصار التيار الصدري وهتفوا «إيران برا برا»، قال إن مقتدى الصدر وصف هؤلاء بـ»الثيران»! وغادر بعدها الصدر بيوم واحد فقط ليعتكف لشهرين في «الجمهورية الاسلامية».
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

خلافات البيت الواحد ومفتاح طهران السري

وائل عصام

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • الكروي داود

    التبعية المذهبية لإيران لن تتزعزع بالعراق, فشيعة العراق يعتبرون الخامنئي هو القائد الفعلي للشيعة بالعالم! ولا حول ولا قوة الا بالله


  • سامح //الأردن

    *يا سيدي الجميع يعرف أن (الصدر )
    لا يستطيع الوقوف ضد (إيران)..؟؟
    *لكن مقارنة بباقي القوى (الشيعية)
    بالعراق يظل الأفضل.
    سلام


  • سلام عادل(المانيا)

    كلام عام حول الشيعة ولكنه ليس دقيقا وكذلك عن العراق بصورة عامة لقد حظت شخصية السيد (اي من احفاد علي بن ابي طالب وفاطمة) بتقدير كبير لدى عموم الشيعة ليس بالعراق ولكن عند معظم الشيعة في العالم وكل ما في الامر ان الفترة التي كان البعث يحكم العراق فيها تم تحجيم رجال الدين الشيعة وكذلك رجال الدين السنة وباقي الاديان بالمقابل حكم ايران بعد زوال الشاه رجال الدين الشيعة وبعد 2003 استطاعت النجف كحوزة شيعية ان تعود لمكانتاها ولذلك فان عدم السماح للمالكي بان يكون رئيس وزراء في الدورة السابقة رغم فوز كتلته باكثر الاصوات كان بامر من المرجعية في النجف وليس ايران.


  • سلام عادل(المانيا)

    ومع ذلك لو ان الامر صحيح فلا غرابة بالموضوع فالدين عابر للوطنية والقومية ولذلك اندفع شباب المسلمين الى افغانستان من جميع الدول لتحارب مع طالبان وغيرها من الفصائل وكذلك الامر حصل في العراق وسوريا وعندما كانت الكنيسة هي الامر الناهي في اوربا كانت الحروب الصليبية


إشترك في قائمتنا البريدية