رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في الموصل: المثقف مذنب دوما في مجتمعات يقودها الجهلة

حجم الخط
0

العراق ـ «القدس العربي» من مروان ياسين الدليمي: يقف أدباء ومثقفو مدينة الموصل أمام تركة ثقيلة جدا خلفتها الأعوام الماضية بما شهدته من حروب تركت آثارها المدمرة عميقة في ذاكرة الإنسان قبل الجدران، ومع غياب الخطط الثقافية من قبل الدولة والغياب التام لتمويل المشاريع التي تنهض بالواقع الثقافي لعموم البلاد، سيكون من الصعب تجاوز الإرث الداعشي، خاصة ما يتعلق بالشق الثقافي والبدء في مرحلة جديدة لبناء وعي إنساني ينبذ العنف والأفكار المتطرفة، ويرسم نسقا ثقافيا جديدا قائما على إشاعة المعرفة والانفتاح على الثقافة الإنسانية، كما كانت عليه الموصل في مسارها التاريخي، ومع ذلك تبدو تطلعات وأحلام اتحاد الأدباء في محافظة نينوى للأيام والأعوام المقبلة، وكأنها تعاند المستحيل. فعلى الرغم من قتامة الصورة العامة المحيطة إلاّ أن ذلك لم يمنع من أن يبذل الأدباء ضمن إطار الاتحاد جهودا استثنائية لأجل أن يكون للفعل الثقافي والإبداعي حضور وفاعيلة في إيقاظ الروح داخل جسد ضرّجته الشظايا وأدمته الطعنات، ولأجل أن نستشف تفاصيل المشهد الثقافي المقبل أجرينا هذا الحوار مع الشاعر عبد المنعم الأمير رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في الموصل.
كيف ترى صورة الغد على المستوى الثقافي والإبداعي في مدينة الموصل بعد أن خرجت من محنة الحرب؟
في مهرجان شعري للشعراء الشباب أقامه نادي الشعر في اتحادنا، فوجئت بأصوات شعرية شابة لم أكن أتوقعها من الجنسين، وفي بذار الشعر في مدينة النجف، أرسلنا ثلاثة أصوات شعرية شابة من الموصل أذهلت من حضر المهرجان. وأعتقد أن في الأجناس والأنواع الأدبية الأخرى هناك أصوات رائعة بدأت بالظهور بعد مرحلة الظلام التي مرت بالمدينة. لا أعني بها فترة سيطرة «داعش»، إنما لسنوات طويلة سبقت ذلك، من هنا أنظر إلى الغد بتفاؤل، وأعتقد أن مدينة الموصل ستكون مركزا إشعاعيا ثقافيا كعهدها، وستأخذ مكانها الطبيعي على خريطة الثقافة العراقية والعربية.

■ كيف تنظر إلى الفعل الثقافي قبل سقوط الموصل تحت سلطة «داعش»؟
□ كانت ولما تزل الثقافة محيَّدة في مجتمع يتسلط عليه الجهلة ونصف المتعلمين. في لقاء مع مسؤول الثقافة في مجلس محافظة نينوى قبل سيطرة «داعش» على المدينة بايّام، قلت له: إنكم لو أبديتم اهتماما بتثقيف المجتمع وتوعيته لما احتجتم إلى كل هذه التحصينات الأمنية. قبل «داعش» كان المثقف يعمل بمفرده وبجهده الخاص، وبعد «داعش» ما زال المثقف يعمل بمفرده وجهده الخاص. لم يستوعب صاحب السلطة الدرس، وظل على نهجه السابق، ربما لأنه حين سيطر تنظيم «داعش» على المدينة كان في إجازة للاستجمام في مصايف إقليم كردستان، وعاد الآن وليس في رأسه الا تعويض ما فاته من سحت لسنوات إجازته الثلاث. لم يستوعب صاحب السلطة الزلزال الذي ضرب المدينة ورجّها من أساسها، ولم يفهم أن هذه المدينة الخارجة من تحت أنقاضها تحاول لملمة جراحها، وهي بحاجة إلى أطباء اختصاص لمداواة روحها قبل جسدها. إننا أمام جيل ظل لثلاث سنوات رازحا تحت حكم فكر أصولي متطرف، حاول أن يزرع أفكاره فيه، إن لم نهتم به سيثمر داعشا جديدا بوجوه جديدة. نحن بحاجة إلى غسل عقول الناس (أخص الأطفال والفتيان) وتنظيفها من الأدران الداعشية وأفكارها، وهذا لا يستطيع المثقف كفرد أن يفعله.

■ إلى ماذا تعزو هذا الإهمال الذي يعانيه الأدباء في نينوى، وما مدى مسؤولية الأدباء أنفسهم؟
□ منذ تأسس اتحاد الأدباء في نينوى وهو بلا مقر، كانت الحلول كلها عبارة عن ترقيعات، كحالنا الآن، صحيح نحن قد حصلنا اليوم على مقر لكنه مقر مؤقت أيضا ومرهون بالمسؤول الذي يدفع الإيجار بدلاً عنّا، لكنه على كل حال أفضل من لا شيء. منذ الأزل هناك تقاطع بين السلطة والمثقف، هذا ليس في الموصل فقط، إنما على مساحة العراق وربما الوطن العربي، وأعتقد أن السبب الرئيس يعود إلى أن المثقف والأديب بلا أظافر ولا أنياب. المثقف لا يحمل إلاَّ الأفكار وهذا ذنب كبير في المجتمعات التي يقودها الأميون وأصحاب العمائم، فكيف يمكن لهم البقاء على كراسيهم إذا شاع الوعي؟ وإذا كان من مسؤولية تقع على الأديب في هذا الإهمال فكونه يتنزه عن مداهنة المسؤول الذي يمد يده في جيوب ناخبيه، ويتنصل عن وعوده لهم بعد أن يحصل على أصواتهم.

■ كيف تقيّم العلاقة بين بغداد والموصل، باعتبارها المركز لكل الأنشطة والفعاليات الثقافية؟
□ عادت الموصل إلى حضن العراق بعد ثلاث سنوات من الغياب القسري، فكان هناك احتفاء كبير بهذه العودة من قبل المثقفين والأدباء في محافظات العراق كافة. هذا ما لمسناه من خلال مشاركاتنا في الندوات والملتقيات الثقافية. ولأن الموصل تحتاج إلى رعاية أكبر بعد ما أحدثته بها الحرب، أجد أن ما قدمته بغداد لها أقل مما كنا نأمله، ليس على المستوى الثقافي وحسب، بل على جميع المستويات الثقافية والخدمية والطبية وغيرها. لا أعني بهذا أن هناك تقصيرا إنما هو أقل من المأمول.

■ ما مدى قدرة الفعل الثقافي في أن يمنح الأمل لوعي أصابه الكثير من التعطيل والانحراف؟
□ الفعل الثقافي هو الأساس في بناء الإنسان. في اتحاد أدباء نينوى أصدرنا بيانا عرضنا فيه وجهة نظرنا، واقترحنا آليات عمل لتنقية الإنسان في الموصل مما لحق به من أدران «داعش». من أهمها الانفتاح على الناشئة في المدارس، وإقامة ندوات ثقافية وفنية وفكرية. ومن الخطوات العملية لاتحادنا أسسنا نادي الشعر الذي يحاول أن يستقطب الشباب كشعراء أو متلقين، وفتحنا دورات للطلبة على أيدي أساتذة متخصصين لرفع مستواهم التعليمي وبأسعار بسيطة كأجور للأساتذة فقط، وهناك مشروع نعمل عليه راجين تعاون مديرية النشاط المدرسي فيه لإقامة مسابقات لطلبة المدارس في الاتحاد.

■ ما هي خططكم لتنشــــيط المشهد الثقــافي في المدينة؟
□ نقوم الآن بأنشطة ثقافية أسبوعية في مقر الاتحاد يحضرها جمهور نوعي، ونحاول الانفتاح على جمهور أوسع من خلال أنشطة تذهب إليه، أعني الجمهور، ووضعنا خططا من أهمها محاولة جلب الناشئة إلى الثقافة، من خلال مسابقات وفعاليات كالتي ذكرتها آنفا. ومن أهم المشاريع التي نعمل عليها الآن (مهرجان أبي تمام الخامس) الذي نحاول إقامته في شهر أبريل/نيسان المقبل، إذا ما حصلنا على الرعاية المناسبة، إذ نعتقد أن نينوى بعد كل الأحداث المؤلمة التي عصفت بها، وبعد أن نقل العالم أجمع عنها صور الدمار والموت، صار لزاما عليها أن تظهر صورتها الثقافية الحقيقية، وهذه مهمة المثقف الموصلي أو النينوي بشكل عام، لذا قمنا بوضع مشروع كامل للمهرجان ودراسة للمشروع من كل الجوانب التنظيمية والمالية، وفاتحنا شعراء عرب وعراقيين من أجل المشاركة أو حضور المهرجان، وكانت استجاباتهم رائعة.
وألقينا الكرة في ملعب السياسي، أعني حكومة نينوى المحلية، وصارت هناك لقاءات كانت في الغالب مخيبة للآمال ليس بسبب رفض المسؤول المعني للمشروع، إنما لأننا اكتشفنا جهل وسذاجة وسطحية بعض المسؤولين.

رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في الموصل: المثقف مذنب دوما في مجتمعات يقودها الجهلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية