رسالة من لاجئ إلى معلمة «كورس» السياسة

18 - يوليو - 2018

فراس سعد

1
حجم الخط

كنت طلبت من صديق سوري ترجمة مقالي المنشور في «القدس العربي» قبل شهور عن البديل السياسي في سوريا إلى اللغة الألمانية كي يتسنى لي ارساله إلى معلمة الدورة السياسية وهي صحافية وكاتبة في السبعين من عمرها لكن عمرها لم يمنعها من الاهتمام والمتابعة والتدريس والتميز باسلوب محبب وقريب للقلب …
انتظرت ما يقرب من أسبوع حتى أنجز الصديق الترجمة مشكورا ثم انتظرت ما يقرب الأسبوعين رد معلمتي الألمانية ولقد كان ردا مخيبا وصادما .
فقمت بكتابة رد على رد المعلمة :
بمجرد أن ترجم صديقي ردك وأرسله الي تصورت ردا ذهنيا سريعا على ما كتبته . لكني تريثت في كتابة ردي لأنه ربما يكون ردا غاضبا بهذه الحالة.
اعترف يا سيدتي أن ردك كان صادما دفعني للتفكير فكرت طويلا ليس في كتابة رد هادئ. لكن فكرت في السبب الذي جعلك تكتبين أن الحل في سوريا هو في أن يتعلم السوريون الديمقراطية، وتذكرت أنه جرى مرة حديث بيننا عن هتلر والانتخابات الديمقراطية التي أوصلته إلى حكم ألمانيا .
بالنسبة لملايين السوريين هتلر – من حيث الشكل- أفضل من بشار الأسد الذي ورث الحكم عن والده الذي وصل إلى الحكم بانقلاب عسكري. فحافظ الأسد وابنه بشار لم يصلا إلى الحكم بطريقة ديمقراطية ولا حتى عن طريق الانتخابات
ونتساءل هل هتلر أفضل حقا من هذين الشخصين ؟
لو أن هتلر كان زعيما في بلد أفريقي أو آسيوي لأصدرنا حكما عاما بتجريم شعب ذلك البلد وقلنا إن هذا الشعب لا يستحق الديمقراطية لأن هذا الشعب الذي يمارس الديمقراطية أوصل هتلر إلى الحكم …
هكذا نجد أن الديمقراطية – تحديدا الانتخابات الديمقراطية- ليست هي الحل دائما فربما أدت إلى وصول مجانين إلى الحكم يدمرون العالم .
وعلى سبيل المثال في سوريا وصل حزب البعث مع الإخوان المسلمين في قائمة انتخابية واحدة إلى حجز مقاعد نيابية لهم في البرلمان السوري أواسط الخمسينيات … فهل يقبل الغرب حكم حزب إسلامي لو وصل إلى الحكم ؟ تجربة محمد مرسي تقول إن الغرب لن يقبل ….
سيدتي … إن مشاكل الإدارة والحكم في العالم كلها سواء كانت على مستوى فريق رياضي أو شلة أصحاب كما على مستوى حكومات ومنظمات دولية سياسية أو اقتصادية تعود لسبب واحد جوهري :
وهو أن الشخص المخول بإصدار قرار بشأن مجموعة أو شعب أو فريق رياضي يصدر قراره من وجهة نظره هو، هذا ما تفعله بعض مراكز الأبحاث الاستراتيجية . بل احيانا يصدر قرار مصيري يخص شعب ما بناء على تصور مسبق عن هذا الشعب، وكل تصور مسبق هو تصور منحاز أو غير واقعي .
لا يفعل الناس ذلك قصدا أو بنية سيئة لكن مراكز الأبحاث ربما تفعل ذلك قصدا … فالتصورات المسبقة أو الآراء الشخصية هي تعبير عن ثقافة الفرد و كل فرد في العالم في الشرق أو الغرب يتلقى ثقافته من الأجهزة الثقافية الكبرى في بلده : المدرسة برامج الأطفال في التلفزيون المسرح السينما ثم الجامعة وأخيرا عبر الصحفية والمجلة والراديو وشبكة الانترنت ..
هذا أمر طبيعي لكن المشكلة هي أن يقدم شخص عادي او مثقف رأيا عن بلد لا يعرفه جيدا . وتصبح المشكلة كارثة حين يكون هذا الشخص الذي لا يعرف بدقة مشاكل هذا البلد هو الشخص المخول باصدار قرار لحل مشاكل هذا البلد …
حسنا لدينا فكرة إيجابية عن الديمقراطية لكن هل يوجد نوع واحد من الديمقراطية هل ديمقراطية ألمانيا تشبه ديمقراطية أمريكا أو ديمقراطية روسيا أو تركيا أو البرازيل ؟
السؤال الثاني وهو الأهم ويتعلق بفكرتك عن تعلم الديمقراطية، في الحقيقة أن الشعوب تصنع ديمقراطياتها بالكفاح، هناك أشياء في الحياة لا تتحقق عبر التعلم بل عبر العمل والتطور الحر . وهو ما أحب الحديث عنه .
في سوريا تحديدا جرت عملية كبح أو حرف لتطور شعبنا، في الخمسينيات كانت لدينا انتخابات ديمقراطية لكن في السبعينيات وما بعدها منعت الانتخابات الديمقراطية ومنعت جميع أنواع الحريات السياسية والثقافية وكذلك قيدت حركة الشعب حتى على المستوى الاجتماعي .
لم تحاول الأمم المتحدة ولا الدول الكبرى منع الديكتاتورية في سوريا بل توجد دلائل على الموافقة عليها من عدد من الدول التي اعترفت بالنظام الديكتاتوري وتعاونت معه سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا … وزاد تعاون الدول والمنظمات الدولية مع قائد النظام الذي كان يعتبره الغرب حتى وقت قريب شخص منفتح علماني ديمقراطي .
هكذا نجد أن المشكلة ليس في وجود الديمقراطية أو عدم وجودها .
فبشار لم يصل إلى الحكم عن طريق الانتخابات بل عن طريق الوراثة كما في الأنظمة الملكية، ومع ذلك اعتبره الغرب رجلا منفتحا وعلمانيا ربما لأنه درس في أوروبا أو لأنه تزوج من فتاة سورية عاشت ودرست في أوروبا . إذن الموضوع يتعلق بالشخص وليس بالنظام السياسي .
هل هذا يعني أن الحل في سوريا يتعلق بشخص حاكم أم يتعلق بنظام سياسي ؟
هذا ما قلته أنت : حين سألت من هو هذا الشخص الذي سيكون بديلا عن بشار الأسد، وهو تساؤل صحيح من ناحية أن مشكلة سوريا في الأساس تتعلق بشخص بشار الأسد الذي جاء بموافقة أمريكية إلى الحكم وليس بموافقة الشعب السوري.
لكن مشكلة سوريا تتعلق أيضا وبشكل أساسي بالنظام الذي يحكمها منذ أكثر من نصف قرن : نظام ايديولوجي عسكري ديكتاتوري وراثي وهو النظام الذي قبل به الأمريكان والروس والأوروبيون وتعاونوا معه ودعموه ….
يبدو أن مشكلة سوريا في الأساس ومنذ نصف قرن هي مع أمريكا وروسيا وأوروبا … وليس فقط مع حاكمها أو نظامها الحاكم .
المشكلة ليس في أن السوريين لم يتعلموا الديمقراطية بل المشكلة أن احدا في الغرب لا يريد لهم أن يصلوا إلى الديمقراطية رغم الأثمان الباهظة التي دفعوها في سبيل ذلك . لهذا السبب يحق لنا أن نقول إن الغرب مصاب بازدواجية مؤسفة لأنه يريد الديمقراطية لأنظمته وشعوبه فقط ويحرمها على شعوب وأنظمة العالم العربي وهذا موقف أقل ما يقال فيه إنه أناني وغير أخلاقي ….

كاتب من سوريا

رسالة من لاجئ إلى معلمة «كورس» السياسة

فراس سعد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • الحضرمي

    رسالة في منتهى اللباقة والمعنى يا أستاذ فراس
    ذكرتني بقصة لي في عام 2006م ذهبت مع 20 من طلاب دول عربية الى منطقة سياحية للترفيه، و كان بينهم من أبناء الدول العربية التي ثار أبناؤها في وجه الظلم ، و في أثناء الرحلة وفي الباص وضعوا برنامج مسابقات سرعان ما انتهى ، ثم سألت الجميع سؤال واحد و طلبت من كل واحد أن يجيب بصراحة و بلا خوف ( لأننا لم نكن في دولة عربية ) :
    اذا تمت انتخابات رئاسية في بلدك، هل سترشح الرئيس الحالي أم منافسه ؟ بغض النظر من هو و لأي حزب ينتمي ؟
    فكان جواب سبعة عشر منهم أنهم يرغبون في ترشيح الرئيس الحالي ، ما عدا ثلاثة طلبوا ألا يجيبوا على السؤال .
    فقلت لهم سؤال مرة أخرى : حتى وإن كان المرشح القادم سيضاعف لكم ميزانية المنحة الدراسية ويخفض مدة الخدمة العسكرية ؟
    فقالوا: بل سنرشح الرئيس الحالي ولا ننتظر منافسا له ولا معارضا .
    فقلت لهم: لم يخلق الله الأرض ليحكمها شخص مع ابنه أو ابنته أو عائلته، لكن قلت لهم: انظروا لما يكتب في المنتديات والمواقع العربية و الاشمئزاز من العقبات التي تضعها الحكومة و من تصرف أبناء المسئولين والوزراء و العسكريين و الدبلوماسيين ؟ ألا تلاحظوا حجم التذمر في أوساط القراء و المشاهدين للمواقع و المنتديات العربية ؟
    و قلت لهم: أنه لن تدوم خمس أو عشر أو عشرين سنة حتى تنتهي حكومته و سلطته وإن استعان بالجيش والشرطة فلن يستطيع الحفاظ على ملكه وسلطانه. وكلهم ذاهبون و ستبقى الأرض لأهلها والجيل الذي سيبنيه من جديد ولن يرضى به.
    و ختمت كلامي بقوله تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.
    فمن قائل: أنه صالح القلب و العمل
    وآخر: بأنه أفضل من غيره
    و ثالث قال: لقد تربينا على سرقته للشعب و نعلم أنه سئ جدا ، لكننا لا ننتظر أن يأتي آخر ليسرق هو الآخر . حتى وإن كان سجله نظيف جدا. (انتهت القصة)
    قبل عدة شهور،علمت بأن جميع أفراد تلك الرحلة بلا استثناء (بما فيهم أنا) يعيشون خارج بلادهم هربا من جحيم الحرب.
    أكاد لا أصدق حجم المبالغ التي صرفت دعما للثورات المضادة !! نصفها كان يكفى لفتح مصانع وبناء مدن جديدة و تسديد ديون معسرين و تزويج الملايين وتشغيلهم.
    آخر أربعة أسطر من مقالتك تنطبق على كل شعوب الدول العربية، تستحق أن تكتب بماء الذهب لكن هل من عقلاء يستمعوا النداء قبل أن تدمر باقي الأوطان والبلاد والعباد ؟ الله أعلم.


إشترك في قائمتنا البريدية