رشا صلاح: نمد جسوراً بين كل فلسطين والشتات وجديدنا شراكة مع سينما حيفا

1 - سبتمبر - 2018

0
حجم الخط

 

بيروت ـ«القدس العربي»: سريعاً احتلّ دار «النمر» للثقافة والفنون موقعه في المشهد الثقافي لمدينة بيروت، وباتت فعالياته المميزة منتظرة من الجمهور. مرّت سنتان من النشاط المدروس، أضاء فيها الدار على تراث المنطقة العربية وفلسطين. وتميز بالإيقاع الحيوي جداً. ولهذا كان منطقياً أن تعلن المديرة التنفيذية للدار لـ«القدس العربي» أنهم كانوا حيال مفاجأة إيجابية. فالإقبال على الفعاليات الفلسطينية والعربية كان أكبر من التصور.
مع رشا صلاح هذه القراءة لما مضى واستشراف للموسم الثقافي الجديد:
○ بعد استراحة الصيف تدخل دار النمر موسماً جديداً فهل كانت السنتين الماضيتين متوازيتين مع الطموح؟
• نعم. نحن راضون عما قمنا به من خلال خط ومنهجية خاصة في التعامل مع روّاد دار النمر. أحياناً كان الرضى جيدا جداً عن عمل ما، وفي أخرى كان أنجح من توقعنا. تفاعل الجمهور كان جميلاً مع مختلف النشاطات، حتى تلك التي اعتقدنا أنها فلسطينية جداً في نظر الجمهور. كانت المفاجأة إيجابية وجميلة من الجمهور اللبناني الذي كان عطشاً لإستعادة ذاكرة محددة. من تلك النشاطات إحياء ذكرى غسان كنفاني، والشهيد نبيل برير، واستذكار تل الزعتر والشهداء الذين سقطوا على أرضه. وكانت المفاجأة مع نشاط «دار سمع» الذي استقطب أعماراً مختلفة، من كبار السن ومن محبي فيروز وأم كلثوم، وفي المقابل يظهر جيل الشباب مهتماً وشغوفاً بالنشاط نفسه. نشاط جمع كباراً يشغلون ساحة الحدث، وشباباً يتلقون إنفعالاتهم العاطفية. عندما قررنا فعالية «ثلاثاء الأفلام» لم نتوقع أنه ستحظى بالإقبال والمتابعة، ورحابة صدر المخرجين حين كنا نعلمهم بعدم وجود موازنة بدل عرض لكون الحضور مجانيا. لم يمتنع أحدهم، بل جميعهم رحب بعرض فيلمه لجمهور منوع وجديد. «ثلاثاء الأفلام» جمع حضوراً من مخيمات بيروت، من رأس بيروت، والأشرفية، وطلاباً أجانب يتعلمون اللغة العربية في الجامعة الأمريكية. وجمعت المحاضرات الشرائح المنوعة نفسها. في قراءتنا لإقبال الجمهور على فعالياتنا المختلفة أن العطش الثقافي قائم في بيروت. وليس لنا الاستخفاف بالقول «العرب لا يحبون الثقافة». أو تسخيف»من يشاهدون مسلسلات تركية ومكسيكية وما شابه». فهذا تعالي بالحكم على الناس. فعندما نقدم لهم الجيد يُقبلون ويهتمون.
○ ذكرتِ أن الجمهور اللبناني يستذكر أو يعيد الربط مع الثقافة والحدث الفلسطيني. فهل حدث انفصال في رأيك؟
• حلّ الاحباط والإنكفاء لدى كثير من الفلسطينيين واللبنانيين مع خروج منظمة التحرير من بيروت سنة 1982. كفلسطينية تابعت مرسيل خليفة، وسامي حواط وأحمد قعبور في مهرجانات نظمتها منظمة التحرير. المثقفون اللبنانيون المؤمنون بقضية عادلة لم تتبدل آراؤهم، إنما حلّت مسافة بينهم وبين القضية مع خروج المنظمة، بعدها لازم كل مكانه وبصمت سواء أهل المخيمات أو اللبنانيين المؤمنين بالقضية. نسمع من هؤلاء قولهم «شكراً لأنكم أعدتم هذا الجسر الذي كنا نقف عليه معاً لبنانيين وفلسطينيين». محقة أنت فالإنفكاك لم يحصل. من يؤمن بقضية عادلة لا يترك إيمانه، بل مساحة التواصل فقدت في مرحلة ما. كمديرة لهذه المؤسسة الثقافية طموحي الأهم إيجاد مساحة اللقاء مجدداً لبنانياً وفلسطينياً وعربياً.
○ مع دخول دار النمر سنته الثالثة أين موقعكم من الحراك الثقافي النشط في مدينة بيروت؟
• مدهشة بيروت رغم صغر مساحتها. لهذا ميزة استقطاب النشاط الثقافي والمثقفين. إنه منوالها الدائم، وهي مفتوحة للمزيد رغم العالم العربي المحبط من حولها، والممنوع من الحركة الثقافية، كما مصر، سوريا والأردن. رغم صغر المدينة فهي تمنح مساحة تواجد للجميع دون تزاحم أو دوس أحدهم أقدام الآخر. لدى سكّان المدينة فضول وشغف بالتواجد في أماكن ثقافية مختلفة. الساحة الرحبة تسمح بوجود ربوع ثقافية كما أشكال ألوان، بيروت آرت سنتر، وستايشن، وحمانا، مترو المدينة وغيرها. في بيروت حيز ثقافي منوع وجميل، وفي تصوري لدار النمر مكانته ضمن تلك الصورة الثقافية، وقد أكمل المشهد في الجانب التاريخي والتذكيري. فمن أهداف الدار التذكير بهذا الإرث الثقافي الغني الذي تتعرض صورته للتشويه. فكثيرون يعملون على الفن المعاصر والحديث، وفي دار النمر معنيون بالجانب التوثيقي أو إعادة التذكير بمراحل معينة من تاريخ الإرث العربي.
○ ما هي مواقع تميزكم؟
• تذكرين معرض «مداد: تاريخ الخط العربي»، الذي يمكنه التعبير عن حيثيات وجود دار النمر ضمن الأجندة الثقافية لمدينة بيروت. نحن موجودون ضمن واقع عربي ودولي يمعن في تشويه صورة العرب والمسلمين، نحن بعيدون جداً كمؤسسة عن اللون الديني، وفي الوقت عينه لا ننكر الأثر التاريخي والثقافي والفني الذي تركته الأديان السماوية في منطقتنا. جاء معرض الخط العربي كأول اختيار من ضمن المجموعة الفنية لرامي النمر، بهدف التوقف قليلاً مع الذات، والخروج من الصورة المشوهة والمرعبة في الميديا، فكدنا نصدق أننا بشر مشوهون. ثمة أجيال عربية وغير عربية تولد ولا تعرف عن العرب سوى ذاك التسويق المرعب عن التعصب. لهذا كان التذكير باللغة العربية التي نفقدها بالتدريج في منطقتنا. معرض يقدم الخط العربي بجمالياته، ويكسر الصورة النمطية عنه. فالخط العربي ليس مرتبطاً فقط بالقرآن، بل كذلك هو لغة الإنجيل. والخط العربي كذلك فارسي، وكتب في افريقيا، ووصل إلى الصين. وبالتالي كان المعرض رد اعتبار للخطاطين الذين تركوا كتابات رائعة كإرث ثقافي. إذاً كل هذا كان جزءا مما ترغب دار النمر في التميز به. وهنا شق لم نسع له، إنما فرض باللاوعي وهو أن نكون متخصصين في الثقافة الفلسطينية، إنما كان الترويج للفن والفنانين الفلسطينيين من ضمن أهدافنا. وكذلك رد الإعتبار لفلسطينيي لبنان الذين تمّ تهميشهم. والتذكير بأننا كفلسطينيين لدينا إرثنا الثقافي من مدننا وقرانا رغم سكننا في المخيمات. لدينا ما نفتخر به ثقافياً وفنياً، وليس منطقياً حصرنا بصورة اللاجئ، رغم خلقه أدباً وفناً جديدين من اسماعيل شموط إلى غسان كنفاني وناجي العلي. أساليب فن ولّدها اللجوء نفتخر بها ونذكر بجماليتها وخصوصيتها. جانب وعيناه تماماً وهو أحد أهدافنا، لكننا غير متخصصين فقط بما هو فلسطيني، فنحن نعتبر مركزاً عربياً وفلسطينياً.
○ كيف انفكت عزلة وتهميش المخيمات في لبنان؟
• من المفاجآت الإيجابية والسريعة، تلقف الجمهور ما قدمناه في الشأن الفلسطيني بكثير من الاهتمام، والحشرية والفضول. بسرعة جذبنا مزيداً من الناس لمتابعة هذا المشهد أو ذاك مما يسمى خصوصية الفلسطيني في لبنان.
○ هل تحصون الإقبال على نشاطكم؟
• كمثال أتحدث عن مشاركتنا في معرض «قلنديا الدولي» والذي جمع فلسطينيين من لبنان وخارجه، وثيمته اللجوء والمخيمات. هذا المعرض وجد اقبالاً رائعاً. كذلك وجد معرض لاريسا صنصور اقبالاً خارقاً، وبثّ استمتاعاً كبيراً لدى الحضور. وجميعنا حزن لإيقافه لبرمجة والتزامات أخرى. كذلك تلقى عروض الأفلام بما خصّ الموضوع الفلسطيني اقبالاً رائعاً.
○ في برنامج سنتكم الثالثة هل من توجه لمزيد من التواصل مع فلسطين المحتلة؟
• اعادة بناء الجسور مع اللبنانيين، وخلق جسور مع فلسطين المحتلة هو أحد أهداف دار النمر. ولهذا كانت الفعالية الأولى بعد افتتاح الدار معرض التاريخ السياسي للتطريز الفلسطيني والذي سبقت اقامته في بيرزيت. ولمزيد من تثبيت هذه الجسور شاركنا في معرض قلنديا الدولي والذي يشكل نوعاً من البينال في فلسطين ويقام كل سنتين، ويجمع كامل المؤسسات الثقافية والفنية الموجودة في فلسطين. في ذاك العام صار تواصل مع الشتات وكنا من ضمنه كمؤسسة. مفيد أن نكون جميعنا في كتاب واحد، وعلى موقع إلكتروني واحد. وأن نعمل معا تحت ثيمة واحدة. في سنتنا الثالثة نحن فخورون بمد الجسور مع مهرجان السينما المستقلة في حيفا. حيفا وأهلنا جزء عزيز من فلسطيننا، والتشبيك ضروري مع فلسطينيي الداخل. وهذا ليس مقتصراً على فلسطينيي الضفة، بل حيفا، الناصرة، يافا وعكا. فعالية سنطلق خلالها وتزامناً عروض الأفلام نفسها. عاطفياً، ثقافياً وسياسياً يهتم أهل حيفا والشتات في لبنان بربط أسمي بيروت وحيفا معاً.
○ هل من معايير محددة لاختيار أفلام الثلاثاء؟
• نعمل في اتجاهين. ففي 12 أيلول/سبتمبر نفتتح معرض جوزف كوديلكا تحت عنوان «الجدار وبيروت». كوديلكا من أوائل وأنجح المصورين في الصحافة وفي «وكالة ماغنوم». تشيكي الجنسية ويعيش في فرنسا. وأول من نقل صوراً للعالم عن ربيع براغ سنة 1968. صُعق كوديلكا بمشهد جدار العزل في فلسطين. لم يتخيل جداراً آخر بعد سقوط جدار برلين. جزء من هذا المعرض مخصص للجدار العنصري، والجزء الآخر عن بيروت التي صوّرها سنة 1991 لدى خروجها من الحرب. شخص يدخل في تفاصيل الصورة، يتفاعل مع الأماكن ويراها بعيدة عن تأثيرات البشر. في اختيار الأفلام فشهر أيلول بكليته تحية لمارون بغدادي. تشرين الأول/اكتوبر يحمل تنوعاً وبعض أفلامه مرتبط بالجدار. تشرين الثاني/نوفمبر تحية لجوسلين صعب بعرض أفلامها عن الحرب اللبنانية. في المطلق نختار أفلاما تطرح موضوعاً. لنا شراكات في السينما مع بيروت دي سي، آفاق ومتروبولس بهدف تقديم الأفلام البديلة وتشجيع مخرجين يافعين يقدمون أفكاراً ونظرة جديدة.
○ وأين تقع السينما الفلسطينية ضمن برمجتكم خاصة وأنها تنمو وتكبر؟
• نحاول عدم تخصيصها، إنما فعلنا مع محمد بكري، وفي الذكرى 30 للانتفاضة الأولى وعلى مدى شهر كامل. نسعى للتنوع في جنسيات الأفلام وموضوعاتها. حضور الأفلام الفلسطينية دائم إنما يجب عرضها ضمن سياق واضح.
○ كم بات دار النمر مكاناً مطلوباً لإطلاق فعاليات ثقافية لبنانية؟
• نحن مكان مرغوب طبعاً لتوقيع الكتب وغيرها. ولإقامة ندوات منوعة. من تقديم كورال للاجئين سوريين وغير ذلك. دار النمر في موقع مريح للحركة وهو في قلب المدينة. جمهوره منوع. كفريق عمل نتعاون مع كل من يطلب المكان لفاعلية ثقافية، تعاون ينبع من مبدأ الإيمان بما تطرحه تلك الفعالية.
○ ما الذي يحكم شراكاتكم مع مؤسسات ثقافية أخرى؟
• شراكات تأتينا أو نبحث عنها، وأخرى تلد تلقائياً كما الشراكة مع متحف فلسطين في بيرزيت. والشراكة مع مؤسسة التعاون حين نعمل على هدف وموضوع واحد، يدعم التواجد الفلسطيني في لبنان كما حق العمل. وثمة تعاون بديهي مع آفاق، فنحن نؤمن بدعمها لفنانين عرب. وهم يمدوننا بأفلام لعرضها لجمهور مختلف. ولدينا شراكات مع حمانا ونادي لكل الناس. شراكات نراها طبيعية نظراً لأهدافنا ونظرتنا المشتركة نحو مجتمعاتنا. جزء من شراكاتنا الدولية استراتيجي، كمثل الشراكة مع معهد الثقافات الإسلامية في باريس والتابع لبلدية المدينة. دعوناهم لمعاينة معرض مداد وأعجبوا به كثيراً. فهو كسر النظرة النمطية عن عالمنا العربي. استعاروا بعض مقتنياتنا عن الخط العربي حين نظموا معرضاً خاصاً. كذلك مهرجان «فلسطين الداخل والخارج» الذي يجري في باريس. شاركنا للتعبير عن خصوصية الفن في اللجوء، بهدف اكمال الصورة عن فلسطينيي الداخل. إنها شراكات مثمرة تصل بطريقة انسيابية.

رشا صلاح: نمد جسوراً بين كل فلسطين والشتات وجديدنا شراكة مع سينما حيفا
دار «النمر» في عامها الثالث مسكونة بالثقافة الفلسطينية والعربية
زهرة مرعي

كلمات مفتاحية

التعليقات

إشترك في قائمتنا البريدية