شَاعرات وَشُعَراءُ المُغادَرَةِ الطَّوْعِيَّة

13 - يونيو - 2018

عبد الله بن ناجي

2
حجم الخط

في مشهدنا الأدبي المغربيّ نوع من الكُتّاب لا يوجد في أي قطر من الأقطار العربية والغربية على السواء، كتائبُ من الشاعرات والشعراء نبتوا وولجوا عوالم الكتابة من رحم الفراغ، لم يسمع المتتبع بهم يوما، وفجأة تعلو رؤوسهم فوق عِلْية القوم، وحين أقول من رحم الفراغ، إنما لا أعني خواء الزاد والعتاد في أقلامهم، بل أقصد الفراغ بمعناه الزمنيّ الماديّ. ذلك أن العديد من الشاعرات والشعراء الذين ظهرت أسماؤهم في الساحة الشعرية مؤخرا توجهوا نحو هذا الاشتغال بعد استفادتهم مما يُسمّى بالمغادرة الطوعية، وهي المبادرة التي أطلقتها الحكومة المغربية سنة 2004، في إطار ورشِ إصلاحٍ للإدارة العمومية، يهدف إلى تحفيز الموظفين على مغادرة وظائفهم قبل وصولهم سن الإحالة على التقاعد، مقابل منحهم تحفيزات مالية مغرية.
في تقديري، وجد هؤلاء أنفسهم في وضعية فراغ قاتل، وفائض من الأحياز الزمنية اليومية، زائد عن حاجة المرء للأكل والتسوق والنوم وغسل الملابس والصحون وتعويم الكلام في المقاهي والشوارع والأزقة… الأبناء تجاوزوا عتبة الحاجة للاهتمام، والصديقات والأصدقاء تساقطوا عن السؤال بفعل انشغالاتهم الأسرية والمهنية، وأقساطُ حديدِ وإسمنتِ المنزل الفسيح دُفعت بالكامل، لكن البيت أوسع من أن تملأه رئتان، بيت فسيح فارغ، والنتيجة أن أضحى الفراغُ شبحا قاتلا، واليأسُ عدوا نفسيا يُنبئ بقرب مصيبة الموت إن هم لم يتحركوا، وفي الحركة بركة.
نعلم يقينا أن الشاعر يدفع لأجل الشعر ضرائب كثيرة من أجل اختياراته، ضرائب تحمل سمة الخطر على الحياة الخاصة، خطر العزلة والتنكر من المحيط القريب قبل البعيد، وخطر الانتهاء وحيدا بدون بيت ولا عائلة، وخطر الإفلاس المتعمد والموت البطيء جوعا وعطشا وفقدا للكرامة، في شارع لا فرق على أرصفته بين مُشرّدٍ شِعرا ومُشرّدٍ شعيرا، أخطار بالجملة تتهدد الشاعر الحقيقيّ الذي ولج يقينا وإدراكا إلى ساحة الشعر والكتابة، فكان الشعر وسيلة للموت ثمنها حياة الشاعر نفسِه، بيد أن الأمر لم يكن كذلك عند شاعرات وشعراء المغادرة الطوعية، بل كان وسيلة لدفع الموت ومعانقة الحياة من جديد، وسبيلا للتملص من شبح الموت فراغا ويأسا، سبيلا سَهَّلت مواقع التواصل الاجتماعيّ من السير فيه بفعل الاحتكاك، وانفلات عجلة النقد من التأصيل إلى الانطباعات العابرة، التي تُعبِّر عنها ترددات الإشادة المجانية والتعليقات العابرة.
نعلم، أيضا، أن الكتابة حقّ مشروع، وليس من حقّ كائنٍ من كان أن يمنع إنسانا من التعبير بأي شكل من أشكال الفنون السائدة أو المبتكرة، لكن الكتابة، التي تروم التأصيل والإسهام في بناء الحضارة وتوجيه مداركِ الإنسان نحو المُنْفَلِتِ من المعنى وقضايا الوجود والموجودات، ليست ترفا ولا مطية لتحقيق مآرب خاصة أو تجاوز وضعية فراغ فُجائيّ لم تكن مُنتظرة، الكتابة جزء من هوية الأوطان، وتأريخ غير رسمي لتاريخ الإنسان وسيرورته في الزمان والمكان، حقّ المجتمع في كتابة أصيلة وعميقة ومُشْرِقة ومُشَرِّفة كحقه في الحياة الكريمة أكلا ومشربا ومسكنا وتعليما… حتّى إن لم تعِ مُكوِّناتُ المجتمع جميعُها أحقيّة هذا الحقّ، إنّ الفرق بَيِّنٌ بينَ كاتبٍ – شاعراً كان أو قاصّا أو روائيا ـ باع الحياة الهنيئة الدافئة من أجل الكتابة، وكاتب اشترى الكتابة من أجل تمديدٍ مُؤقتٍ لحياته الشخصية.
قد يقول القائل: وما الضَّيْرُ؟ أجيبُ: إنّ الضرر يكمن في ما يلحق الذوق الفنيّ الأدبيّ من فساد، وما يَسِمُ مشهدنا الأدبيّ من سلوك يُسيء إليه وطنيا ودوليّا، ذلك أن شاعرات وشعراء المغادرة الطوعية بحكم الفراغ المتحدث عنه آنفا، وبحكم الإمكانات المادية المتوفرة لديهم، هم أكثر من غيرهم قدرة على الحضور وتمثيل هذا الاشتغال، ولو أنّ هؤلاء سعوا لتطوير ذواتهم في المجال، واكتساب آليات الكتابة لهانَ الأمرُ، ولكن المَيْسم العامّ هو الميل إلى إشباع فراغ الوقت مجّانا، وفي الأغلب يكون حضورا بالجسد نحو سياحة جسدية مجانية لا همّ لها في أجناس الكتابة ولا نصيب.
إنّ ألسنة النقد في هذه الورقة لا تتوجه لشاعرات وشعراء المغادرة الطوعية فقط، بل إن المُلام حقيقةً هو ناقد له من الباع ما يكفي ليَمِيزَ البقر عن البشرِ ولا يفعل، بل تضرب آراؤه تمجيــــدا وإعلاءً لكلّ جسدٍ عابرٍ وفنجان قهـــوة مُؤَدًّى عنه، ولكل شاعر يُطري على كتاباتٍ فارغة المعنى مُهترئة المَبنى، ويمنح جواز عبور لنصوص تزيدُ من حدّة التراكمات التي لا معنى لها.. قد لا يُلام القارئ العاديّ ولا يَستبينُ، لكنّ أصحاب البيان والتبيين أولى بالمَلامة. وأختتم بأن ما سبق القول به ليس دعوة للعودة إلى نُخبوية هذا الاشتغال، بل هو دعوة صريحة لتمييز يراع الإبداع من يراع الفراغ.

٭ شاعر مغربي

شَاعرات وَشُعَراءُ المُغادَرَةِ الطَّوْعِيَّة

عبد الله بن ناجي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • عبدالعاطي جميل / المغرب

    المغادرة الطوعية هي من إملاءات صندوق النقد الدولي …
    فمن المسؤول الحقيقي عن هذه الظاهرة ؟؟؟ …
    الرداءات التي التي ابتلينا بها هي سياسات مقصودة … ( انظر ما يعرض في الراديو والتلفزة ….)
    فمادور اتحادات ورابطات وجمعيات وأندية الكتابة والقراءة ، أفرادا وجماعات ؟؟؟ ..
    شكرا للصديق الشاعر عبدالله الناجي الغيور على الثقافة عامة والمغربية خاصة …

    محبتي الشعرية


  • محمد الرحيمي / المغرب

    السلام عليكم عيد مبارك سعيد ، حقيقة مقال رائع يلامس واقع الشعر المغربي و ما يشوبه من نتاقضات و انتقاصات ، و لكن لم أفهم من المقصود بالضبط بهؤولاء الشعراء ، و ما طرحه الزميل سلفا حول وظيفة الاتحادات خاصة و أننا أمام تنظيم مؤتمر اتحاد كتاب المغرب .


إشترك في قائمتنا البريدية