علال الفاسي أو متخيل سيرة النفي في رواية «المنفيون ينتصرون»

حجم الخط
0

النفي كفكرة، حالة أو وضعية منذ تاريخ الآداب العالمية، صورة عن قلق الذات الوجودي. القلق الذي يشعر الكائن بالاقتلاع، حيث تُفقد الألفة التي وصلته بالمكان المرتبط به، نحو آخر يتحقق البحث من خلاله عن طفولة الانسجام إذا جاز. ذلك أن الذات بافتقادها أس الوجود الكينوني الحرية، تستشعر تجردها من هويتها، حيث يمارس الآخر النافي طقوس الإخضاع، الإكراه والإجبار.
من ارتبط النفي بالألم، إن لم نقل كتابة الألم. وهي الكتابة الاستعادية التي تلوذ بما كان، بما مثل الماضي في ذروة انسجامه وعدمها ليغدو التعويض عن حاضر سمته البياض والفراغ.
من هذا المنطلق يحق النظر إلى المنفى في رواية «المنفيون ينتصرون» للروائي عبد الكريم غلاب، حيث يدون التخييل تسع سنوات من منفى أمضاه العلامة علال الفاسي في «الغابون». لذلك يتأتى النظر إلى المنفى حسب التالي:
1/الاقتلاع
2/الحلم
3/ العودة.
إن أول ما يثير بخصوص الاقتلاع، عنوان الرواية الدال على الجمع (جمع المذكر السالم).
في حين نجد متخيل النفي يطال العلامة علال الفاسي. فالجمع يتعلق بأربع شخصيات وطنية أشير إليها ضمن جسم الرواية من دون ذكر الأسماء، ليتم لاحقا تحديد الاسم العلم. من ثم يحق الحديث عن مظهرين للنفي: نفي داخلي تجسد في الاعتقال، ونفي خارجي بمثابة اقتلاع خارج أرض الوطن، وشمل أساسا العلامة علال الفاسي:
« ـ أنتم المهندس، درستم الفلاحة في أرقى مدارسنا في فرنسا.
ـ أنتم، خريج جامعة القرويين، موجه الجماعة.
ـ أنتم الأمين من أكبر خبراء البلد.
ـ أنتم، حكيم الجماعة».
«في «ميدلت»وجدت المجموعة التي استقبلها الجنرال في بداية الصيف نفسها في معتقل واحد. كانوا أربعة: الحاج عمر مكوار، اليزيدي وعلال».
ابتدأ الاقتلاع بالعزل، وبالتالي النفي. فالعزل تغييب للضمير الجمعي القادر على إنتاج الرأي والموقف. بالتالي، دليل أهمية على قيمة الشخصية وجدية تصوراتها ومطالبها. لذلك
ـ وعلى امتداد جسم الرواية ـ سيتم الحكي عن الانتقالات المكانية التي تعرضت لها الشخصية إلى أن استقرت في منفى «الغابون». والواقع أن الاستقرار المؤقت زمنيا أفقد الشخصية حريتها في الفعل وعلى التفكير، إذ يظل المطلب الأساس خلق ألفة والمكان المنتقل إليه كمنفى.
«ثم فصل عن الجماعة ليبعث به إلى «قصر السوق» ثم «العيون» قبل أن يحط الرحال في «ليبروفيل»، ومنها إلى «مويلا» في أعماق أفريقيا السوداء».
واللافت أن مكان النفي يجسد القتل الرمزي للشخصية، إذ أن الإحساس المتولد عن الاستقرار المرحلي يعكس النوايا المغرضة الرامية للحد من المطالب الوطنية، حيث أن الشخصية لا تكاد تفكر سوى في جسدها الذي يتآكله الانتظار القاسي. فالمكان محدود في جغرافيته وسكانه وتعاملاته التجارية، وهي محدودية تجعل الخيال يعتقل في الماضي عوض الحاضر:
«مويلا» تكافح لتصبح قرية. عدد ضئيل من الدكاكين، بضع من البيض على رأسهم الحاكم، بينهم الطبيب، رئيس الشرطة، مدير السجن، وراهب».
ويمكن أن نضيف بأن فضاء أفريقيا يمثل وجهة للأجنبي المغامر الباحث عن «الغريب» و«العجيب»، بهدف دعم البحث الأنثربولوجي. وبذلك فإن كان هذا المنفى يعكس عقابا بالنسبة لعلال الفاسي، فإنه متعة كشف واكتشاف لغيره.
«الأسير يتعرف على ريتشارد. عالم باحث، استهوته أفريقيا. يبحث فيها عن القرد أصل الإنسان». «أفريقيا مخبر التجارب».
إن ما يعكسه الحلم الارتباط بلحظة الماضي. هذه تتمرأى في الحاضر كاستبدال وتعويض.
فإذا كانت الذات تحس الفقدان والغياب، فالحلم قوة الحضور. القوة المتجسدة في العائلة خاصة شخصية الأب، الذي تتم مراسلته ليصبح مصدر إخبار ومعرفة بما يجسد الغائب كحنين وحب مفقود. فتأسيسا من الحلم، تبرز الكتابة في صيغتها الرسائلية والأدبية الشعرية لتشكل الاعتراف الذاتي بالحقيقة، حقيقة الماضي والحاضر. والأصل أن اللوذ بالاعتراف عبور استعاري تتطهر فيه الذات من رواسب وليدة الحاضر المرير. بيد أن أحلام الاستعادة لا تنحصر ـ فقط ـ في العائلة، وإنما تمثل ما يمكن أن يوحي به المكان من ذكريات الطفولة في فاس المقتلع عنها. فالمنفى في ضوء هذا، استعادة وتذكر ومقارنة على السواء:
« ـ أيمكنني أن أطلب منك ورقة وظرفا؟»
« ـ أود أن أكتب إلى والدي وزوجتي».
« ـ ثلاث رسائل كتبت لوالدي لم أتلق عنها جوابا.. أسأحرم من رسائل والدي هي أيضا؟»
«ذكره صياح الشاب بصياح شاب اتهم بالوشاية الكاذبة يجلده ابن عتروس أمام ابن البغدادي، باشا مدينة فاس».
«توقف الأسير فجأة. لم يسبق له أن رأى حية تترنح، داعبته ذكريات الطفولة. كان أحد الحواة يداعب حية في حلقة باب «الساكمة» في فاس». أما العودة فانتصار على النفي، وخروج منه لتأكيد المقاومة. ثم، تجدد الذات حضورها وفاعلية نضالها الوطني المجسد في الحرية والاستقلال. فإذا كانت سيرة النفي عكست الانتظار واللا استقرار، إلى التجريد من كافة الحقوق، فالعودة احتفاء بمغرب آخر. مغرب يمارس سيادته ويتوق إلى بناء نهضته الحضارية والفكرية.
«ارتبطت المقاومة بفكرة الاستقلال وعــــودة محمد بن يوسف إلى عرشه منصورا معززا».
«أعلن بصراحة إما «الاستقلال الكامل» وإما «لا استقلال ولا تغرير بالشعب».
«وكان في مقدمة من استقبله متمنيا له السعادة في وطنه محمد بن يوسف».
إن ما نخلص إليه في نهاية ملامسة سيرة متخيل المنفى في رواية عبد الكريم غلاب:
1/ اعتباره نفيا سياسيا.
2/ يتم التركيز فيه على شخصية العلامة علال الفاسي.
3/ وذلك برصد ظروف الإبعاد وآثارها الاجتماعية والنفسية والفكرية.

٭ كاتب من المغرب

علال الفاسي أو متخيل سيرة النفي في رواية «المنفيون ينتصرون»

صدوق نورالدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إشترك في قائمتنا البريدية