عن وجهي النضال الفلسطيني: الوجه الوطني والوجه الديني

21 - يونيو - 2018

1
حجم الخط

لكل فرد ولكل قضية هويات عديدة. وتحديد موقع كل هوية، على سُلّم الأولويات والاهتمامات، يشكل عاملا حاسما، في إمكانية إحراز النجاح في إنجاز ما يضعه الفرد أو الجماعة أو الشعب لنفسه من أهداف.
على أن تقديم أي من هذه الهويات على غيرها، لا يعني التنكر للهويات الأخرى. كذلك يمكن بسهولة، إعادة تحديد موقع كل هوية وفقا للظروف والتطورات، بدون أن يشكل ذلك عيبا أو نقيصة في مدى التزام الفرد وتمسكه بقناعاته وحقوقه ومصالحه.
كل واحدة من هذه الهويات، تصبح هي الوجه الذي يعرف به صاحب العلاقة، فور وضعها وتثبيتها على الدرجة الأعلى في سلم أولوياته. وما ينطبق على الفرد ينطبق على الحزب والجماعة والحركة السياسية وغيرها. ومن أبرز الأمثلة العصرية على ذلك، ما يشير إليه شعار «يا عمال العالم اتحدوا»، أو «أمريكا أولا» أو «عاشت مصر» أو ذلك الشعار الذي سمعته طفلا عن الذين قبلوا أو اضطروا إلى الهرب من بيوتهم وقراهم ومدنهم في سنة النكبة الفلسطينية، واثناء أحداثها المأساوية، من أن «العرض ولا الأرض»، بمعنى تفضيل «صيانة العرض»، مما نسب إلى قوات الاحتلال الصهيونية من عمليات اغتصاب، وكذلك انحلال خلقي، (حسب ما أورد ذلك استاذ الصحافة الراحل، محمد حسنين هيكل، اقتباسا حرفيا من أحد بيانات «الهيئة العربية العليا»)، على التمسك بالأرض الفلسطينية، وكأن هناك تناقضا بين قيمتي العرض والأرض، وأن لا مجال إلا بالتضحية بأحداهما.
قد يكون من المفيد في هذا السياق، تذكر القول/المعادلة المنسوبة للصحافية والكاتبة والفيلسوفة اليهودية، حنة سانش، من أنه «عندما يتم الاعتداء عليّ أو التعرض لي لأنني يهودية، فإنني أرد على ذلك كيهودية»، وسانش هذه كانت قد تعرضت لانتقادات شديدة من قبل السلطات الاسرائيلية، بسبب انتقاداتها اللاذعة للطريقة التي تمت بها إجراءات محاكمة القائد النازي، أدولف ايخمان، في القدس، إثر اختطافه من الأرجنتين، في مطلع ستينيات القرن الماضي؛ بل وصل الأمر بالسلطات والصحافة الإسرائيلية أن اتهمتها باتخاذ موقفها الناقد لتلك التصرفات، بأن نسبت ذلك إلى أنها كانت عشيقة أحد كبار القادة النازيين، أثناء الحرب العالمية الثانية، حتى بعد خروجها من ألمانيا، ولجوئها إلى فرنسا.
هنا يجيء دور السؤال: هل يمكن لنا أن ننسب أو نحصر السبب في ما يعانيه شعبنا الفلسطيني، إلى هويتنا العربية أو هويتنا الإسلامية؟
لا يضيرنا، ونحن نناقش مسألة تقديم هوية على هوية، بدون أن يعني الأمر انتقاصا لأي منهما، أن نذكّر بما أوردته كتب التاريخ ومراجعه، من أن مسيحيي الشرق بشكل عام، ومسيحيي فلسطين بشكل خاص، قدّموا هويتهم الوطنية الفلسطينية الشامية، وهويتهم القومية العربية، على هويتهم الدينية المسيحية، أثناء مرحلة الحروب الصليبية واحتلالاتها ثم دحرها، في نضال استمر على مدى قرنين من الزمن، وتم بفضله تثبيت الهوية الوطنية والهوية العربية لفلسطين ومحيطها.
يندرج، تحت هذا الباب أيضا، تفسير سبب بروز عدد كبير جدا من المسيحيين في المشرق العربي، في قيادة حركات الدعوة والنضال والعمل للتخلص من نير الامبراطورية العثمانية، تحت علَم هويتهم القومية العربية، رغم أن العديد من الجماهير العربية، في ذلك الزمان على الأقل، كانت ترى أن سبب معاناتها هو الخضوع لحكم «سلطان مسلم جائر»، وليس الخضوع لحكم «سلطان مسلم أجنبي».
بعد كل هذا ننظر إلى ما نحن فيه كفلسطينيين هذه الأيام، فماذا نرى؟
نرى اننا محظوظون من جهة في غاية الأهمية، ولكننا مُبتلون من جهة أكثر أهمية بكثير:
1ـ محظوظون بتنام غير مسبوق في التعاطف العالمي، الشعبي والجماهيري والمحلي، على الأقل، والتعاطف المتزايد بوتيرة سريعة مع معاناة شعبنا في الوطن المحتل والمستعمر، وفي دول اللجوء والشتات، من حكومات وجهات رسمية، في العديد من دول العالم، شرقيه وغربيه، شماله وجنوبه. يكفي أن ننظر إلى التطورات والاخبار الواردة من السويد أو ايرلندا أو اسبانيا مثلا، من مدنها الكبرى، وبرشلونة إحداها، وإلى العديد من عواصم الاقاليم والمحافظات فيها، ومدى ضيق اسرائيل وسفاراتها في هذه الدول وغيرها، من الأخبار المناصرة لفلسطين وشعبها، والمُدينة لإسرائيل وسياساتها وجرائمها، لنعرف كم نحن محظوظون. حتى الولايات المتحدة الامريكية، (وهي في قاموسي «الدول» المتحدة الامريكية)، بذلت على مدى الخمسين سنة الأخيرة، وبشكل أكبر بكثير في عهد الإدارة الامريكية الحالية، كل ما تستطيع، وبكل ما تملكه من عناصر القوة والتاثير، أن تفك عزلة اسرائيل، فكانت النتيجة، أن فشلت في كسر طوق العزلة هذا، وانها هي، امريكا، أدخلت نفسها إلى قفص العزلة مع اسرائيل. نظرة خاطفة إلى نتائج التصويت في مركز الشرعية الدولية، في الأشهر القليلة الماضية، تظهر هذه العزلة المجلجلة للدولة العظمى في عالم اليوم، التي تتهرب من فضيحة عريها بالانسحابات المتتالية من الهيئات والمجالس الدولية، وآخرها، هذا الاسبوع، مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. ويضاف إلى ذلك بالطبع، التجاوبات الإيجابية الكبيرة مع حركة الـ» بي دي إس»، المتمثلة بالمقاطعات الاكاديمية والفنية والرياضية وغيرها لاسرائيل.
2ـ (أ): مُبتلون بقيادات فلسطينية لا تتناسب قدراتها وكفاءاتها، إضافة إلى ضيق افقها، وحرصها على مصالحها الذاتية الآنية الضيقة، مع ما يحتاجه الوضع الفلسطيني. وهي لا تجد في حاضرها ما تفتخر به، أو تستند اليه، فتتلفع بعباءة تاريخ وطني نضالي مشرف. هذا من جهة؛
(ب): مُبتلون بقيادات فلسطينية تقدّم هويتها الدينية الاسلامية، على هويتها الوطنية الفلسطينية، بل ولا تذكر هويتها الفلسطينية في اسمها اصلا. وهي قيادات لا تتماشى أيديولوجيتها ونواياها، وأكثر من ذلك، ارتباطاتها وولاؤها وتبعيتها لما هو خارج فلسطين، بل خارج الأمة العربية، وتمسكها الأعمى بـ»مكاسب» عملية بالسيطرة على قطاع غزة، بفعل انقلاب دموي مشين ومُدان. وهذا من جهة ثانية؛
هذا وضع فلسطيني مأساوي. لم يستفد الشعب الفلسطيني من كل ما نتج جرّاء انقلاب حركة حماس على الاطلاق. المستفيد الوحيد هو العدو.
ثم، لو أن السلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية، ارسلت فاتورة ثمن هراوات شرطتها إلى حكومة اسرائيل العنصرية، لسددت ثمنها بفرح واستبشار؛ ولو أن قيادات حماس الانقلابية، التي خطفت قطعة من الوطن وفرضت عليها سيطرتها وسيطرة لونها الواحد، ارسلت فاتورة ثمن «صواريخها» إلى حكومة اسرائيل العنصرية، لسددت ثمنها بفرح واستبشار.
هذه سنوات فلسطينية عجاف. لا يملك الفلسطينيون فيها وعاء تُجمع وتُراكم فيه أي مكاسب تم ويتم إحرازها بفعل النضال الفلسطيني، وبفعل التضامن الدولي مع شعب فلسطين. كل ما يتوفر من مكاسب تنسكب في أنبوب بلا قعر، وتسيل في وادٍ بدون سدّ، فتضيع هباءً وكأنها مياه عادمة في بحر بلا شاطئ.
لا بديل عن التراجع عن الانقلاب، وعن كل ما ترتّب عليه، ليكون مقدمة لا بديل لها، لإصلاح الوضع الفلسطيني على صعيد الشرعية الفلسطينية، وابتداء من قمة الهرم بالضرورة.
كاتب فلسطيني

عن وجهي النضال الفلسطيني: الوجه الوطني والوجه الديني

عماد شقور

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • عبد الله عبد الله

    حماس تم انتخابها من الشعب، أليس كذلك. حماس تقود مقاومه فعليه وأشتبكت في حروب دموية مع العدو. أليس كذلك. بالمقابل فتح خسرت الانتخابات أليس هذا ما حدث ولقد اختارت طريق المفاوضات العبثيه والتنسيق الأمني مع العدو على مدار ربع قرن، هل في ذلك افتراء او تحامل عليها وعلى قيادتها. حماس لها اخطاء وكل من يعمل يخطئ . القيادتين في مأزق كبير وكبير جدا والشعب ايضا في مأزق وبحاجة الى قيادة موحده على مستوى تحديات الأحداث ، قياده واعيه مخلصة في عملها لله والشعب والوطن. مع تحياتي


إشترك في قائمتنا البريدية