في فلسفة الهزيمة: التجربة العربية في كأس العالم

21 - يونيو - 2018

خرجت ثلاثة من الفرق العربية المشاركة في كأس العالم تباعاً، وما زالت أمام المنتخب التونسي فرصة ما للمنافسة، بدون أن تترافق بأي آمال عريضة أو متواضعة، وتتابعت الهزائم وتفشت حالة العقم في الأداء، وبدأت تساؤلات كثيرة تدور حول السبب الذي يقف وراء هذه الهزائم المهينة، وتراكمت السخرية التي لا تعني استقبالاً يعبر عن الروح الرياضية، بقدر ما هو تعبير عن غضب كامن يتحين فرصاً للانطلاق، بدون أن يضطر لتقديم أي إشارات مسبقة أو مبررات، وبدون أن يكون مضطراً لتقديم أي وعود أو الإجابة عن أي أسئلة.
تخطت الانتقادات في كثير من الأحيان اللاعبين في الميدان، والمدربين الذين يقفون هادئين أو متوترين على خطوط التماس، وتوجهت بصراحة للمسؤولين القائمين على الشؤون الرياضية في الدول المشاركة، وعندما يتعلق الأمر بالحديث عن المسؤولين الرياضيين في الدول العربية، فالأمر ينسحب على جميع أنواع من يتولون مواقع المسؤولية، حيث أشاعت التجربة والثقافة الشعبية أن هؤلاء المسؤولين يدخلون إلى عالم الرياضة من بوابة سياسية ليعملوا على تجيير المنجزات للقائد الملهم والحكيم وراعي الشباب والرياضة، صاحب الرؤية، ووراءهم تبدأ آلة المداهنة والتلميع الإعلامية، أما في حالات الإخفاق فهذه النوعية من المسؤولين تعرف أصول اصطياد أكباش الفداء.
تطغى الرياضة على غيرها، لتعلقها بآمال الشعوب المباشرة لسهولة تحقيق المنجزات على أرضها، فكينيا مثلاً حققت ميداليات أولمبية تفوق ما تحقق لجميع الدول العربية قاطبة، وأتت إنجازاتها في مجال العدو، الذي كان للأجسام النحيلة المتمرسة بالجوع، وذاكرة الحفاء للأقدام القوية، الدور الرئيسي في هذه الرحلة من التفوق، بينما يتطلب الأمر بيئة متكاملة من أجل الوصول إلى عالم يحرز جائزة نوبل في الفيزياء أو الكيمياء، كما لا يمكن أن تنتج بيئة يخرج فيها المتشددون لتحطيم التماثيل، أو إسدال القماش عليها، فنانين مثل بيكاسو أو مونيه، ولا يتبقى غير التعلق بأقدام بعض اللاعبين، الذين يحملون مسؤولية تمثيل الوطن في محافل عالمية، يمكن اختطاف بعض الفرح على أرضها، بكثير من المجهود وقليل من الحظ.
قبضت الديكتاتوريات على هذه الفكرة وغرست أسنانها الثخينة في لحمها المغري للشعوب، التي تبحث عن (الخبز والسيرك)، ولذلك وقف موسوليني بقبضته الثخينة ليذكر فريقه بضرورة الفوز بكأس العالم 1934 بينما تسيد هتلر العالم لأيام مع أولمبياد برلين 1936 محرضاً العرق الآري على إثبات جدارته بالنظرية التي اصطنعها لتفوقه، وحين يصبح الخبز غاية محتجبة وبعيدة، فإن السيرك يكتسب أهمية طاغية، ولذلك أسرفت الطغمة العسكرية في الأرجنتين 1978 في التدليس والرشوة لتمرير الكأس لخزائن فريقها للمرة الأولى.
التقط الرئيس حسني مبارك هذه الفكرة، بينما تفلت من بين يديه أمور البلاد، وتستولي عصبة من المفرطين والسماسرة على الإدارة الاقتصادية والسياسية، وبينما كان نجله جمال يعيد هندسة البنى السياسية في مصر، لاستقبال مشروع توريثه منصب الرئاسة، كانت كأس الأمم الإفريقية 2006 فرصة ذهبية لتقديم مطامع جمال مبارك للشباب المصري، وتقديمه بوصفه ملهماً لجيل جديد من المصريين، وكانت المفارقة تتوسع والإعلام يتغنى بالحضور العائلي الأنيق في المدرجات، ويدين في البرامج نفسها توسع ظاهرة التحرش في الشوارع، وكأن الملاعب وقتها أصبحت جنة أمنية ترعاها مؤسسة الرئاسة، ويعلم القائمون على تنظيمها وحراستها وتأمينها، أن السيد الوريث يتابعها بعناية، وتمكن المسؤولون من المحافظة على الملاعب لسنوات تواصلت خلالها المنجزات وتراجعت سيطرتهم على الشارع الذي ظهر وكأنه وحش يطبق يديه على القاهرة بتقاليده الجديدة ونماذجه الصاعدة.
تقدم ميدان التحرير بشجاعته وجرأته ليحمي مصر من انتفاضة مرعبة تخرج من القاهرة العشوائية، وتنبه المسؤولون للشارع وتوجهوا لاستعادته، ليتركوا وراءهم الملاعب خالية، فحدثت مجازر استاد بورسعيد لجمهور الأهلي، واستاد الدفاع الجوي للزمالك، وأصبح المشجعون المتحمسون (الألتراس) خصوماً للدولة تسعى لترويضهم والسيطرة عليهم، وتوزعت أهواء اللاعبين بين الانتماء للمدرجات مثل محمد أبو تريكة الذي وضعته الدولة في خانة أعدائها، والارتماء في أحضان المسؤولين وأصحاب الحظوة، أو الوقوف على الحياد الصعب والمرير.
في حالة كان القارئ يشعر بأن الانتقال من المسؤول الرياضي إلى المسؤول الأمني في المقدمات السابقة يفتقر إلى أساس منطقي، فإن الأمر ليس كذلك على الإطلاق، فالرابط قائم ووثيق، فمثلاً كان عبد الحكيم عامر قائد الجيش المصري متحيزاً لنادي الزمالك، وأسهم في دخول النادي لفترته الذهبية، وتواصلت تدخلاته في مختلف أوجه الحياة ومنها الفنية، وحتى عبد الناصر نفسه، فإن الإعلامي وجدي الحكيم يكشف تعرض عبد الحليم حافظ لتأنيب وتقريع رئيس الجمهورية متحيزاً لفريد الأطرش، ومنحه الحضور التلفزيوني على حساب عبد الحليم وفوق ذلك قلادة النيل، بينما بقي عبد الحليم الذي يعتبر مغني الثورة وصوتها بدون الحصول على التكريم المناسب لدوره.
المسؤول في المنطقة العربية ليس نتاجاً سياسياً يعبر عن رؤية وبرنامج معين يطرح نفسه لتقييم الناخبين، كما أن تصريحات متتابعة تأتي من كل صوب وحدب تسقط كلية فرضية التكنوقراطي المتمرس الذي يستطيع قيادة المسيرة وتجاوز التفاصيل لتحقيق جزء من الرؤية الأوسع، ويبقى المسؤول هو الشخص الذي يحسن التصرف في حضرة السلطان ويستطيع أن يتعامل مع تقلباته النفسية والمزاجية.
بالعودة إلى تجربة كأس العالم الأخيرة، وعالم كرة القدم (المسيس) في المنطقة العربية، فإن متابعة أسباب الهزيمة لمنتخب مصر نموذجا، يمكن أن تعود لقرار إقالة المدرب حسن شحاتة، بناء على قرار سيادي من شخصية متنفذة، ولم يمتلك شحاتة القدرة على التصريح بصاحب الرغبة الذي يمكن أن يتدخل في عالمه الصغير، بمجرد تلميح أو إيماءة يتلقفها المسؤول (الوسيط)، وتتناقل أجهزة الإعلام أحاديث كثيرة عن غضبة اللاعب محمد صلاح على بعثة منتخبه وطريقة إدارة الأمور التي سلمت المنتخب بكامله لوصاية شركة إعلانية، لا يعلم أحد كيف استطاعت أن تقفز في العربة، وأن تصبح المسيطرة على لاعبي المنتخب خارج الملعب وربما داخله أيضاً. المنتخبات العربية الأخرى لم تكن أفضل حالاً ولا أبعد عن تدخلات المسؤولين، فتدور أحاديث حول تدخل المسؤولين في تقرير اللاعبين المنضمين للمنتخب، واختيار التشكيل الخاص بالمباريات، ومع أن هذه الأمور من الصعب نفيها وتأكيدها لأنه يمكن أن تكون تذرعاً من المدربين لا يعفيهم ولا ينقذ سمعتهم.
أصحاب الولاء وليس الكفاءة استطاعوا أن يلتهموا المشهد العام في الدول العربية، والرياضة ليست سوى جزء صغير، والهزيمة في الملعب قابلة للنسيان، ولكن هزائم متلاحقة في التعليم والصحة والخدمات والصناعة تلقي بأثرها السلبي على الحياة اليومية للناس، وتهدد مستقبل أجيال كاملة.
كاتب أردني

في فلسفة الهزيمة: التجربة العربية في كأس العالم

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • مجرد رأى

    لا نحمل كل شىء على العرب
    كل الفرق التى شاركت لم تشارك باسم عرب وانما شاركت تحت مسمى جماهيرها مغربى او خليجى
    كرة القدم رياضه ومشجعون البرازيل من خارج البرازيل اكثر البرزلين انفسهم


إشترك في قائمتنا البريدية