كوافير

20 - أبريل - 2017

في ساعة حنين للماضي، جلست أشاهد مسرحية «العيال كبرت» الأسطورية، وقد أطلقت لضحكاتي العنان مستمتعة بالكوميديا الراقية وبذكاء الموقف والتعابير وتناغم الأداء لعمالقة الكوميديا الذين واراهم التراب الآن وما بقي منهم سوى روعة أعمالهم الخالدة.
مع نهاية المسرحية راعتني جملة سعيد صالح التي ما كنت قد انتبهت لبعدها سابقاً، يقول «سلطان» لوالده محاولاً ثنيه عن ترك البيت وتطليق والدته: «حضرتك بتحب… مدام تحب بتنكر ليه؟ حب زي ما أنت عايز، الحب مش عيب، مش حرام، كل واحد من حقه يلعب بذيله كم يوم، خصوصاً لو كان زيك، حاسس انه لسه شباب». جيل كامل كبر مع هذه المسرحية، سنوات ونحن نشاهدها مراراً وتكراراً، أحببنا كل شخصية فيها، حفظنا جملها وكررناها حتى أصبحت من أقوال جيلنا المأثورة، إلا أنه لم يسبق لي أن تمعنت فعلياً في معنى الجملة السابقة، في رسالة المسرحية النهائية، في واقعية عكسها لمنطق رجولي بحت تشربناه وقبلناه بل وأحببنا معانيه بكل طبيعية وبساطة. سعدنا في نهاية المسرحية السعيدة، بتزين زينب لزوجها واستعادتها إياه، فقد قررت الزوجة أن تحارب لعودة زوجها بتجميل نفسها، وقرر الزوج البقاء في بيته من منطلق إمكانية أن «يلعب بذيله» من دون أن يتخلى عن مسؤولياته.
في حبنا العميق لهذه القامات الكوميدية وفي انغماسنا في نوستالجيا هذه الأعمال الرائعة يخوننا انتباهنا، فلا نكاد نلتفت لفظاعة ما تعمقه مثل هذه الأعمال في الوعي العام، لعنصرية المنطق الرجولي البحت الذي تبثه حول الأدوار النسائية والرجالية، حول المتوقع من المرأة التي دوماً ما نجدها تقف على طرفي النقيض، فهي إما أم حنون مضحية من أجل استتباب أمر بيتها وإما إمرأة لعوب لا تعير المجتمع وقوانينه انتباهاً لتنتهي وحيدة معزولة. هذه هي الصور الرئيسية التي أتذكرها عن الأعمال الفنية الخالدة لثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي والمستمرة الى حد كبير في أعمال الزمن الحالي، وهي لا تختلف كثيراً عن الصور المجتمعية الثابتة والى يومنا هذا في الوعي الشرقي لحد كبير وفي الوعي الغربي وإن كان بشكل يتضاءل ويتغير بسرعة كبيرة.
مسؤولية لم شمل الأسرة، الإبقاء على سلامتها ككينونة هي مسؤولية الزوجة/الأم التي يجب أن تضحي بكل ما تملك، ما يشمل كرامتها، فرديتها، رغباتها ومشاعرها، من أجل تحقيق الهدف. لا يمكن للمرأة هذه أن تحب غير زوجها، غير ممكن أن «تلعب بذيلها» يومين تنفيساً كما يمكن للرجل، فالمرأة تحمل منطق الشرف، والمرأة تحمل دلائل الفعلة، والمرأة هي العامل الأضعف، مما يحتم عليها إبداء إمتنانها المستمر لوجود رجل في حياتها وإشراع كل أسلحتها حفاظاً على كنزها الثمين هذا.
كم سمعنا هذه الكلمة تتردد في مجتمعاتنا «تريد أن تلعب، إلعب، لكن إبق على أسرتك وأترك أم أولادك في بيتها» وكأن أقصى درجات إبداء الإحترام تتجلى في الإبقاء على «أم الأولاد»، في «إعفاء» المرأة شرور الطلاق و«السماح» لها في البقاء في بيت زوجها. عادات وتقاليد تعلي الرجل، أديان تعطيه القيادة والتبريرات والمساحات الممتدة، فما له لا «يلعب بذيله» ما دامت دنياه كلها مسموحات لا محظورات، وما دام المجتمع يعتـــبره شايل عيبه، حتى أنه اذا ما «لعب بذيله»، فهو رجل شاطر مجرب «فِتِك»، وما دام الدين يفتح له باب ثاني وثالث ورابع، ثم أبواب جانبية لا تعد ولا تحصى؟ سنوات ونحن نضحك على المسرحية الرائعة ذات الرسالة المخزية، سنوات وهذه الرسالة تتعمق بعيداً في النفوس العربية التي، بعد هزائمها المتكررة، لا تجد مجالاً تعلي فيه إنتصاراتها سوى على نسائها، ســـــنوات ونحن نثني على رسالة المسرحية ونسعد بنهايتها، فالرجل عاد، والأسرة سالمة، والزوجة، على علمها بخيانة زوجها، ذهبت للكوافير إقراراً منها بتقصيرها الذي دفع بزوجها، الرجل حبيس غرائزه و»أسير» مسموحات مجتمعه ودينه، لأن ينظر خارج بيته.
كل شيء في النهاية يبدو جميلاً مرتباً متماشياً مع صورة الأسرة السعيدة، عاد الرجل وتزينت المرأة وسعد الأولاد، ويبقى سؤال، لو أن القصة كانت معكوسة، هل كنا لنضحك مع المسرحية؟

كوافير

د. ابتهال الخطيب

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • محمد حاج

    اولا تحية لجميع القراء ، ثانيا : اثني على تعليق الاخ محمد صلاح فقد أصاب كبد الحقيقة ، ويجب على الزوج اولا وقبل كل شي ان يعطي الأمن والأمان الزوجة لكي يكسب حبها وثقتها فيه ، لا سيما انها خارجة لبيت جديد غريب عن بيت ابيها التي ترعرعت ونشأت فيه ، وبالتالي فمن الواجب ان يكون لها المعين الناصح القوام قبل ان يكون الآمر الناهي لطلباته ، ولا ادل على قولنا سوى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في تعامله مع زوجاته رضي الله عنهن ، فهل اذا الشرع اباح تعدد الزوجات للرجل ، و شعر ان الزوجة ( لتعبها او مرضها ) قد قصرت في اعمال البيت ، ان يبادر بالزواج من غيرها ؟ لا شك إنها قمة الأنانية ، وسيكررها مع غيرها ، فكم من زوجة ابتليت بزوج أناني يفكر في نفسه وشهواته ، وصبرت وحرمت نفسها من متاع الدنيا ، وحفاظا على تربية اولادها ، بل وتحملت نظرات المجتمع الظالمة وسوء الظن بعد انفصالها عن زوجها بخروجها ودخولها للبيت وكأنها ترتكب آثما عظيما .


  • سلام عادل (المانيا)

    لب الامر هو اننا مجتمعات رجالية بامتيازقد يكون هذا بسسب التقاليد القبلية البالية او بسبب التفاسير الفقيه لكون فقهائنا كلهم من الرجال.


  • سلام عادل (المانيا)

    اما فيما كتبه الاخ الكروي وحلوله العجيبة الغريبة لمجتمعاتنا العربية وانا وهو مستمتعين ببلاد الغربة مطمئنين على مستقبل ابناءنا وكانه يقول ان شبابنا قادر على الزواج متى شاء وان امور بلداننا في احسن حال ولهذا يستطيع اي عامل بسيط او موظف درجة اولى بالسلم الوظيفي متى شاء ان يتزوج زوجة اخرى وينجب منها اطفال وثم يكرر الامر مع الثالثة والرابعة ثم تموت الاولى ويتزوج اخرى فهو لا يطلق لانه ابغض الحرام.اخي الكروي انني لا امزح ولكن يجب ان نفرق بين اناس عاشوا قبل الف عام ومارسوا حياتهم الطبيعية في مجتمعاتهم وبين حالنا اليوم.تحياتي لك ولزوجاتك ولابنائك.


    • الكروي داود النرويج

      حياك الله عزيزي سلام وحيا الله الجميع
      المشكلة عندك مادية فقط ؟ كلامك صحيح يا أخي ولا غبار عليه
      الحل هو في يد الحكومات العربية لتوفير مساكن شعبية للفقراء مع معونة شهرية للزوجة الغير عاملة والأطفال
      ولا حول ولا قوة الا بالله


  • Ossama Kulliah أسامة كليَّة سوريا/المانيا

    أختي ابتهال جميلة جداً هذه النقطة وأنا أعتقد أنني سأضحك وبكل سرور لو أن القصة كانت معكوسة ولهذا أنا لا أفهم لماذا تعبير “ذات الرسالة المخزية” فالأمر برأيي ليس كذلك أبداً فما يسمى “الراديكالية” تستقطب الآراء لكن هذا لا يعني أن قيمتها الفكرية عالية المستوى أو هي أعلى مستوى من الآراء الأخرى على أختلافها وتنوعها. ولكن بما أنك متخصصة في أدب المسرح سأترك الأمر للمختصين في نقاش ذلك. أنا كقارئ كنت استمتع وما زلت بهذه المسرحية (وبغيرها من المسرحيات الجيدة) وبالطبع لقد أشرت ياسيدتي إلى نقطة مهمة وأساسية وهذا شيء ممتاز لكن وهنا النقطة الأساسية مازلت مثلك (وربما أكثرنا) دائما أعيد النظر أو ألتفت هنا وهناك إلى بعض المواضع فيها (أو بمسرحيات أخرى أوأفلام ووثائق وكتب ومقالات … ) حسبما تراودني الذاكرة أو بحسب معلومة جديدة استقيتها من كتاب أو صحيفة أو موقف معين أو حدث عابر … وهكذا نرى أن معرفتنا في تطور مستمر وليست بيت من قصيدة حفظناه عن ظهر قلب, وهذا ينطبق طبعاً على المستوى الفردي والجمعي وهنا كلي أمل بأن نسير بخطوات أكثر ثقة وأسرع بتطور معرفتنا نحو مجتمع وحياة أفضل لنا جميعاً.


  • سلام عادل (المانيا)

    الاخ الكروي دائما لديك اجابات وكانك لا تريد ان تعترف ان الامور مستحيلة في وقتنا الحاضر.رميت الحلول على حكوماتنا الرشيدة ومع ذلك اقول لك ان الاخوة المصريين يعيشون في غرفة واحدة ولديهم نصف درزينة من الاطفال ولو وفرت الحكومة بيوت لهم ولزوجاتهم الاخرى فسيكون عدد الابناء لكل شخص بالقليل 30 ابن والان يجب ان توفر لهم منحة مالية كل ذلك من اجل ان يتمتع الرجل بالجنس وهو مطمئن على مستقبل ابناءه.حتى في جمهورية افلاطون يا عزيزي لن تجد هكذا مجتمعات


إشترك في قائمتنا البريدية