كيف قسّم الكلاسيكو عالمنا العربي!

3 - يناير - 2018

حفيظ دراجي

20
حجم الخط

ما يصطلح على تسميته كرويا بكلاسيكو الأرض الذي يتكرر مرتين على الأقل كل موسم كروي بين الريال والبارسا، يستقطب اهتمام كل هواة الكرة في العالم بالنظر لما يحمله من متعة وفرجة واثارة بين فريقين عريقين وجماهير عاشقة تنتظر الموعد بشغف وتتفاعل معه بشكل حضاري في اسبانيا لا يتعدى حدود اللعبة والآداب العامة وأخلاقيات التشجيع بالرغم من كل ما يحيط بالموعد من تنافس كروي وتراكمات تاريخية، سياسية واجتماعية بين الكتالانيين والمدريديين.
في اسبانيا يحل الكلاسيكو وينتهي في سلام يتفاعل فيه اللاعبون والمدربون وتعلو أصوات الجماهير في المدرجات والساحات العمومية، ويزداد التفاعل في وسائط التواصل الاجتماعي ويكتب عنه الاعلام ويتكلم، لكن الحياة تستمر في اليوم التالي لدى الخاسر والرابح وكأن شيئا لم يكن، لأن الكل يعي ويدرك بأنها مجرد مباراة كروية وليست حربا.
آخر كلاسيكو بين الغريمين جاء في ظروف سياسية واجتماعية تميزت بحراك كبير بين دعاة انفصال مقاطعة كتالونيا عن اسبانيا ودعاة الوحدة الوطنية على اختلاف الثقافات واللغات، وانتهى بفوز الضيف برشلونة على الريال بالثلاثة في مدريد، وكانت نتيجة كارثية على الريال من الناحية الفنية، لكن مقاطعة كتالونيا لم تنفصل عن اسبانيا، ولم نسمع عن تجاوزات في أوساط الجماهير، ولم تحدث أعمال شغب في المدرجات أو في شوارع مدريد، ولم يقل من منصبه المدرب أو رئيس النادي. أما عندنا نحن العرب فان الدنيا قامت ولم تقعد قبل وأثناء وبعد المباراة وانقسمنا الى مدريديين وكتالانيين أكثر من الاسبان في حد ذاتهم، وبلغ التعصب كالمتعاد درجة كبيرة وكأن الأمر يتعلق بنوادينا ومنتخباتنا، أو يتعلق بوطننا وشرفنا ومعتقدنا!!
لقد وصل الأمر في بعض المرات الى حد الاقتتال وزهق الأرواح بين أبناء البلد الواحد من أجل البارسا أو الريال، وبلغ الأمر درجة كبيرة من التذمر في أوساط شبابنا لدرجة أدهشت الاسبان والأوروبيين الذين لم يفهموا هذا الاحتقان والتعصب الكبيرين في عالمنا العربي لفريقين اسبانيين.
الاسبان يعتبرون الكلاسيكو عرسا كرويا وحدثا رياضيا للمتعة واثباتا للذات ينتهي بانتهاء المباراة بدون أن تتوقف الحياة عندهم وبدون حقد أو كراهية لبعضهم البعض أو تداعيات نفسية واجتماعية، لأن الكرة عندهم مجرد لعبة ومتعة وفرجة لا تتعدى حدود المستطيل الأخضر ولا تسيء للقيم والأخلاق والأداب العامة أو النظام العام، لكن عندنا صار الأمر بحاجة الى دراسة سيكولوجية معمقة لفهم هذا الذي يحدث لشبابنا مع نواد لا تربطنا بها أية علاقات روحية اجتماعية أو ثقافية وحضارية. صحيح أن المتعة التي تمنحها مباريات البارسا والريال لمتابعيها والكثير من مباريات النوادي الأوروبية لا نجد لها أثرا في دورياتنا العربية، وصحيح أن دورياتنا تعيسة وكرتنا مريضة ووسائل الترفيه عندنا قليلة، صحيح أيضا أن شبابنا يعيش فراغا روحيا وثقافيا وفكريا رهيبا، لكن أن يصل به وبنا الأمر الى حد التعصب للبارسا أو الريال وربما الاقتتال من أجلهما، فيه الكثير من المبالغة والكثير من الجهل والتخلف الفكري والثقافي وحتى الرياضي. الكرة عندهم هي وسيلة للترفيه والمتعة، وعندنا أصبحت وسيلة احتقان وتذمر وعنف، الحديث عن الكرة عندهم يقتصر على يوم واحد في الاسبوع لكن حياتنا وكل أيامنا حديث عن الكرة وبالضبط عن البارسا والريال بتعصب كبير حتى لدى الأطفال الصغار الذين ينشأون على حب أو كره البارسا أو الريال أكثر من حبهم لبعضهم بعضا وحبهم لفرقهم ومنتخبات بلدانهم ولأوطانهم! قد يجوز التعصب للوطن ويكون محببا في غالب الأوقات، وقد يكون التعصب للدين والعرض والشرف مطلوبا، وقد أتعصب لفريقي أو منتخب بلادي عندما تقتضي الضرورة، لكن ليس لفريق أجنبي يمنحني مجرد متعة ظرفية عندما يفوز ويقلب كياني عندما يخسر. لقد بلغ الأمر بشبابنا حدا لا يطاق من التفسخ والانسلاخ عن القيم، لا يمكن تبريره خاصة عندما يصل الى درجة الاحتقان والاقتتال أحيانا لمجرد خسارة أحد الفريقين أو خطأ تحكيمي يصبح حديث العام والخاص لأيام بل لأسابيع! الاعلام الرياضي العربي ساهم بدوره سلبا في «تفشي» ظاهرة البارسا والريال في أوساط مجتمع فقد هويته ومقوماته من خلال إعطاء الكلاسيكو أكثر مما يستحق، والتسويق له باعتباره حدثا كرويا عالميا هو الأكبر والأفضل على الاطلاق وأكبر حجما من كل أفراحنا و همومنا وانشغالاتنا، وأكبر من كل حدث أخر في عالمنا، تتوقف الحياة عنده ونحزن أو نفرح به لحد الجنون. الاعلام نفسه مطالب بالقيام بدوره التوعوي والتحسيسي مرفوقا بالتربية والتثقيف باعتبار أن الكلاسيكو هو مجرد مباراة في كرة القدم بين فريقين اسبانيين، وليس معركة حياة أو موت، ومطالب بإيجاد بدائل أخرى تساهم في الترفيه والتنفيس عن أبنائنا الذين يحاصرهم الروتين والفراغ والقمع والكبت والانفصام وكل الهموم التي جعلتهم يتعلقون بالكلاسيكو والبارسا والريال بشكل مخيف.

ناقد رياضي جزائري

كيف قسّم الكلاسيكو عالمنا العربي!

حفيظ دراجي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ابراهيم : الوادي - الجزائر

    بسم الله الرحمان الرحيم
    ليس غريبا على إين الجزائر …دائما بالنجاح …موفق إن شاء الله


  • ابراهيم : الوادي - الجزائر

    شكرا أخي حفيظ ..مع مزيد من النجاح الكفاءات الجزائرية دائما في التألق خارج الوطن …


  • عبد الحق فرجيوة الجزائر

    فعلا اخى الدراجى اننا امة وصل بها الرعاع الى درجة من اللاوعي واللا مبالاة الى حد لم نكن نتصوره ولم يكن يخطر على بالنا ابدا ان نصل الى هدا الحد من العبثية فى كل شيئ حتى اصبحنا نتقاتل فى احيائنا البعيدة عن اسبانيا اوانجلترا اوهولندا لمجرد ان فريقا ربح والاخر خسر وهؤلاء لا يسمعون حتى بموقعنا فى الجغرافيا اليس هدا قمة الانحطاط والخلاعة والبداءة وكل التوصيفات التى نعرفها والتى لا نعرفها لنبحث السبب والمسببات السبب وبالمختصر البسيط المسؤول الاول …… الحاكم …. الدى لايخطئ الملهم من الاله اخرجوا هدا الجيل ممن تتحدث عنهم


  • حسام الجزائر

    كلام في الصميم اخ حفيظ دراجي ، نتمنى الوعي ينتشر بين شبابنا


  • عبد المجيد - المغرب

    لو أن الكاتب استبدل في عنوانه: ” الشارع العربي” ب ” العالم العربي”، لكان أكثر دقة وأكثر تحديدا؛ لأن العالم العربي مقسم قبل الكلاسيكو وبعده. لو قال الكاتب: كيف قسم البلد الواحد والمدينة الواحدة والحي الواحد والزقاق الواحد والبيت الواحد، لكان قد (سدد) نحو الهدف بدقة أكبر.
    أقول هذا لأنه كلما حل موعد الكلاسيكو يصير البعض منا مثل الثيران الهائجة ينطح ويركل ويدوس كل من يصادفه في طريقه. فإذا فازت البارصا فويل للبارصاوي (الملحق طبعا، لا الأصيل) من الريالي (الملحق) وإذا فازت الريال فويل للريالي من البارصاوي وإذا تعادلا فقد يقتسمان الويل والثبور في ما بينهما. والغريب أن أصحاب العرس في إسبانيا يحتفل الفائزون منهم بكل حضارة ويتأسف المنهزمون بكل حضارة. أما الذين يذهبون إلى العرس من غير دعوة، ولا يعرفهم لا أصحاب العريس ولا أصحاب العروس، فغالبا ما يفسدون الحفلة بضجيجهم وصراخهم، مع أنهم- في كل الأحوال- لن يربحوا شيئا ولن يخسروا إلا أنفسهم.


  • رشيد -الجزائر-

    شكر اخي حفيظ في التحليل المنطقي للمناصر العربي والجزائري بالخصوص


  • جيلالي من الجحزائر

    حينما تنتهي الدكتاتورية وتنعم الشعوب العربية بالحرية و الكرامة و تطرد القوات الاجنبية من بلادنا و نتقدم كبقية الشعوب في المجلات السياسية و الاقتصادية و الصناعية و الرياضية ساعتها سوف نصنع الفرجة والفرحة


  • قادة وزاع من الجزائر

    ان التعصب ناتج عن الفراغ الذي يعيشه شبابنا وحتى شيوخنا نتيجة غياب البديل الحقيقي عن ذلك حتى اصبح الواحد منا يخمن في كاسيكو الموسم القادم وبالاستقدامات لكل نادي حتى ان المذيع العربي في تعليقاته اصبح اكثر انفعالا وتفاعلا من الاسباني اخيرا فان الموضوع المطروح من طرفكم يجتاج الى دراسات وملتقيات للخروج بنتيجة تفك هذه الشفرة


  • خيرالدين معصم -الجزائر

    مقالتك الاخ حفيظ أكثر من رائعة نتمنى أن ياتي اليوم الذي نراك فيه تكتب لكبريات الصحف والمجلات العالمية وبلغات اخرى انت تتقنها موفق إن شاء الله.


  • جمال مصطفى الجزائر

    سيدي الكريم.. احسبك من ابناء الجزائر البررة الصادقة اقلامهم ولا ازكي على الله احدا.. ان جسم الامة تمز جراحه شرقا و غربا.. ولا يزال الطفل الفلسطيني يقاوم وحده قوى الاستكبار و الدمار ..ويعيد قراءة سورة الفيل..ويضع فى محفظته حجارة يباركها رب العالمين..ليقول للعالم انا لا اريد سوى عمر..بينما تاه الملايين من الفرات الى النيل يهتف باسم كرستيانو و ميسي ..لقد تحول الكلاسيكو الى اداة تدميرللعقول وصد عن الصلاة فلن يستجيب احد للاذان ..ان الجرح عميق والامال مبعثرة تكاد لولى بقايا الصبر تنتحر مما خلفته الانظمة الفاسدة والمفسدة من اذلال و قهر وتجويع وترويع وبطش و و و..وهاهو الطبيب في الجزائر يقمع بابشع الاساليب..اين نحن من المتعة و الريضة اين..اين..


إشترك في قائمتنا البريدية