لماذا كان مؤتمر حركة مجتمع السلم مختلفا؟

13 - مايو - 2018

0
حجم الخط

حضور جلسة افتتاح المؤتمر السابع لحركة مجتمع السلم، نهاية الأسبوع لم يكن الأول بالنسبة لي، فقد شاركت في أغلب مؤتمرات هذه الحركة الإخوانية، منذ الاعتراف بالتعددية الحزبية في الجزائر (1990). كما شاركت في أكثر من مؤتمر لأحزاب جزائرية عديدة أخرى من مختلف العائلات السياسية (وطنية / علمانية)، عندما توجه لي الدعوة كباحث مهتم بالشأن السياسي والحزبي. فالمؤتمرات فرصة للقاء بالناس والتحادث معهم، كما هي فرصة للملاحظة بالنسبة لأكاديمي مهتم بالشأن السياسي قد لا تتوفر له، إلا بمناسبة هذه التجمعات السياسية الكبرى التي يحضرها الآلاف من المناضلين (أكثر من 1800 مناضل كان حاضرا في مؤتمر حمس السابع، هذا الأسبوع جاؤوا من مختلف الجهات، بمن فيهم مناضلات على قلتهن، مقارنة بالرجال من مختلف الأعمار).
تجربتي في حضور المؤتمرات الحزبية، تقول إن هناك مؤتمرات مملة وفاترة، لأنها بدون رهانات سياسية فعلية. هي إجراء شكلي وقانوني ينظمه الحزب، لكي يكون في توافق مع القانون ليس أكثر. الحال هذه المرة في مؤتمر حمس السابع الاستثنائي لم يكن من هذا النوع من المؤتمرات. وهو ما جعلني أصر على الحضور ومتابعة الأشغال من بعيد وأسأل المناضلين والقيادات الحزبية الحاضرة.
فالمؤتمر سينتخب قيادة جديدة (مجلس شورى، ينتخب بدوره رئيس الحركة ونائبيه) ويحدد استراتيجية الحزب للخمس سنوات المقبلة، لن تكون هادئة سياسيا (انتخابات رئاسية ووضع اقتصادي صعب، مع ما يمكن ان يجره من حراك سياسي). استراتيجية حولها الكثير من الخلاف بين قيادات الحزب التي يطالب بعضها بالعودة إلى أحضان السلطة، بدون ضمانات ولا شروط، وهو تيار موجود فعلا في قيادة الحركة المحلية والوطنية، يمثله عدد لا بأس به من الوزراء القدماء الذين مثلوا الحركة في الحكومات المتعاقبة منذ 1995.
في المقابل نجد التيار الذي يمثله رئيس الحركة، المنتهية عهدته الدكتور عبد الرزاق مقري الذي سار بالحركة في اتجاه معارض، بخطاب نقدي واضح منذ وصوله الى رئاسة الحركة في 2013. مقري الذي عبّر عن رأي حاضر لدى قواعد وقيادات الحركة التي خرجت بنظرة ناقدة وسلبية لمشاركة الحركة في الحكومات المتعاقبة، بعد تحالفها مع حزبي المولاة (جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي) في ائتلاف حكومي لم تحصل داخله حركة مجتمع السلم إلا على الفتات. فالحركة كانت في الحكومة (وزارات تقنية بعيدة عن مواقع السيادة) ولم تكن في الحكم، كما قال أحد زعمائها.
مشاركة في الحكومة وتحالف مع أحزاب السلطة والسلطة العميقة ذاتها، سمحت للحركة بالابتعاد عن دائرة الخطورة، عندما كان الاستقطاب السياسي والتطرف هو سيد الموقف في الجزائر، خلال عشرية التسعينيات التي عاشت خلالها الجزائر حربا أهلية فعلية. عملت الأطراف المتورطة فيها على إقحام الجميع في نارها المشتعلة. ساهم حضور زعيمها محفوظ نحناح في إبعادها عنها، رغم الضغوط المتنوعة التي تعرضت لها من داخل التيار الإسلامي وخارجه وطنيا وعربيا.
الحركة التي حافظت على تواجدها كقوة سياسية فاعلة (الموقع الثالث في الغالب، بعد حزبي السلطة)، رغم كل عيوب العملية السياسية والانتخابية في الجزائر، التي لا تسمح بالتعرف على الوزن الفعلي لكل حزب سياسي. حركة لا تسمح لها سوسيولوجيتها بالذهاب بعيدا في منطق المغالبة، وهو ما تعرفه جيدا كل القيادات بما فيها مقري نفسه. الرئيس الذي فاز بعهدة ثانية، بعد فشل منافسيه الكثر في التحالف ضده، رغم خلافاتهم السياسية والشخصية الطاغية. فالحركة يغلب على تشكيلتها ما سماه أحد الباحثين الفرنسيين (جيل كيبال) بـ»الفئات الوسطى الورعة» التي لا تغامر بمواقف نقدية ومعارضة واضحة كموقف سياسي، كما كان الحال مع قاعدة الجبهة الإسلامية للإنقاذ الأكثر شعبية، على سبيل المثال. فقاعدة حركة مجتمع السلم وقيادتها المحلية والوطنية تحديدا، مندمجة بشكل كبير من الناحية السوسيولوجية، موظفين لدى الدولة/ رجال أعمال في القطاع الرسمي وغير الرسمي، ازداد عددهم في السنوات الأخيرة، تطالب باندماج سياسي أكبر، للوصول إلى مواقع السلطة، الجاه والريع.
حركة سيطر على قيادتها أبناء الجيل نفسه المتشابه في كل شيء، بدءا من مدنهم الصغيرة التي جاؤوا منها حديثا، وتكوينهم الجامعي الذي يغلب عليه الطابع التقني المتشابه، مهندسين/ أطباء لم يمارسوا مهنهم لأسباب كثيرة، وطموحاتهم الكبيرة التي يتم تغليفها في الغالب في خطاب ديني وعظي غير مقنع للمنافسين داخل الحركة وخارجها، ما يجعلهم غير قادرين على تحمل بعض بعضا، خاصة بعد غياب الرئيس المؤسس محفوظ نحناح، الذي تركهم كالجيش الذي غاب جنرالاته فجأة، ليسيطر عليه جيل واحد من النقباء والعقداء المتنافسين. كل واحد فيهم يعتقد إنه الحل، ما طور مع الوقت نزعة انشقاقية بتبعات نفسية على العلاقات الإنسانية، عانت وما زالت تعاني منها الحركة، بعد ظهور عدة أحزاب سياسية من صلب الحركة (أحزاب غول وبن قرينة ومناصرة العائد الى أحضان الحركة).
حركة لم تنجح دائما في إنتاج خطاب سياسي- فكري مجند، كما حصل مع تيارات الإسلام السياسي المغاربي في تونس والمغرب، ليس فقط بسبب اختلاف الظرف السياسي الوطني (محطة الربيع العربي وما قبلها من تاريخ سياسي وطني)، لكن بسب معطيات أخرى، من بينها قلة زاد قيادتها الفكري الذي بدأ في التراكم في السنوات الأخيرة، بعد الخروج من مرحلة المشاركة إلى المعارضة التي قادها مقري وجيله، الذي اكتسب تجربة أكبر مع الوقت، وهو يحتك بالعالم الخارجي كذلك (تركيا وبعض الدول الآسيوية)، رغم الكساد الذي يعانيه الحزب السياسي الجزائري بصفة عامة، كفاعل سياسي وفكري جماعي. تجربة قد يكون من المفيد ان تدعم بالانفتاح على التجربة الحزبية المغاربية، ليس بالنسبة للتيار الإسلامي فقط، بل بالنسبة لكل العائلات السياسية. فالتحديات السياسية واحدة في المنطقة وحلولها يمكن ان تكون مشتركة إذا عرفت النخب السياسية المغاربية كيف تستفيد من نقاط القوة المتوفرة وطنيا على قلتها.
رغم ان حركة مجتمع السلم ككل أحزاب الإسلام السياسي في الجزائر، لم يعد خطابها الديني مقنعا ولا متميزا كحركة سياسية، في مجتمع تأسلمت فيه النخب السياسية الحاكمة والمعارضة بشكل كبير، وسادت فيه موجة تدين شكلي داخل المجتمعات التي أصبحت في حاجة أكثر لمشاريع حزبية مجندة، تخرج المواطن من حالة الخمول السياسي التي يعيشها منذ عقود كمواطن بالدرجة الأولى وليس كمؤمن فقط، يعرف كيف يتوجه الى خالقه، بدون وسائط حزبية.
كاتب جزائري

لماذا كان مؤتمر حركة مجتمع السلم مختلفا؟

ناصر جابي

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية