ماذا قال العَلَم في ساحة رابين؟

13 - أغسطس - 2018

إلياس خوري

7
حجم الخط

الموقف الأكثر بلاغة في تظاهرة يوم السبت 11 آب/ أغسطس في ساحة رابين في تل أبيب، التي دعت إليها لجنة المتابعة كان العلم الفلسطيني، الذي قال كل ما يجب أن يقال وأنقذ معنى التظاهرة جاعلا منها احتمالا جديدا في النضال ضد الدولة العنصرية الصهيونية.
قيل لا يوجد أي جديد في هذا القانون، وهذا قد يكون صحيحا على مستوى الممارسة، فالفلسطينيون في إسرائيل يعيشون منذ سبعين عاما في ظل نظام تمييز عنصري نصف معلن. كل القوانين التي حكمت الفلسطينيين خلف الخط الأخضر من الحكم العسكري الذي استمر حتى 1966، إلى غيتوات المدن، إلى قانون أملاك الغائبين، إلى بدعـــة الغائبــين ـ الحاضرين، ومنع أهالي القرى المهجّرة الذين صاروا مواطنـــين في الدولة الصهـــيونية من العـــودة إلى قراهـــم، إلى ملاحقة اللاجئـــين المتسللين وإصـــدار الأوامر بقــتلهم، إلى التمييز في البناء والتعليم والحقوق، كلها تشير إلى أن دولة إسرائيل قامت على مبــدأين: طـــرد الفلسطينيين من بلادهم من جهة، وسحق من بقي منهم في بلاده من جهة ثانية. جديد القانون هو أنه يقـــونن العنصـــرية، ويجعلها سمة الدولة بشكل علني، ويؤسس لنظام فاشي في إسرائيل لن يتضرر منه الفلسطينيون وحدهم، بل اليهود الليبراليون أيضا.
من جهة أخرى، فإن هذا القانون الذي يعلن ضرورة دعم الاستيطان ويؤكد على ضم القدس، هو المقدمة الضرورية لضم الضفة الغربية، وقوننة صفة مواطن الدرجة الثانية أو المواطن الذي لا يمتلك حق المواطنة، تفاديا للخلل الديموغرافي الذي سيسببه هذا الضم. وهنا أيضا لا جديد، فالضفة الغربية تعيش في ظل الحكم العسكري منذ نصف قرن، والاستيطان الاستعماري ينهشها، لكن قوننة هذا الواقع هو جواب اليمين الإسرائيلي الحاكم على حقيقة أن الضفة الغربية يتم ضمها الآن، وأن على الفلسطينيين أن يكتفوا بمعازلهم وغيتواتهم المحاصرة.
الجديد هو أن إسرائيل جديدة تولد اليوم، إسرائيل القديمة التي أسسها اليسار الصهيوني كانت أكثر خبثا، إذ نجحت في إخفاء جرائمها في الهولوكست، فالعنصرية الأوروبية التي أسهمت في إبادة يهود أوروبا وجدت في إسرائيل غطاء لمشاريعها الكولونيالية من جهة، ووسيلة لغسل أيديها من الدم اليهودي بالدم الفلسطيني من جهة ثانية. لكن العالم الذي كان على بن غوريون أن يتحايل على حساسياته الإنسانوية على المستوى اللفظي انقلب رأسا على عقب، كما أن إسرائيل السكرانة بقوتها وسط انحلال عربي لا سابق له، تجد نفسها اليوم قادرة بل ومضطرة إلى كشف هويتها العنصرية، وإعلان نفسها دولة أبارتهايد، وآخر معاقل هيمنة الرجل الأبيض على مصائر الشعوب.
تظاهرة تل أبيب حملت تغييرا لافتا قاله العَلَم، فلقد أعلن الفلسطينيون هويتهم الفلسطينية في قلب تل أبيب، هذه الهوية التي جرى إخفاؤها أو محوها خلف عبارة «عرب إسرائيل»، وهي عبارة تحمل كل التباسات الحركة الوطنية في الداخل التي تحايلت بالهوية التي أعطيت لها من أجل البقاء. آن الأوان اليوم للإعلان عن الهوية البسيطة الموجودة في وجدان كل الفلسطينيين. وحين قال العَلَم هذه الحقيقة الصارخة، فإنه فرض منطقا جديدا ورؤية جديدة تطوي صفحة أوسلو وأوهامه وترد على الضم الزاحف وموت وهم حل الدولتين، من خلال مسألتين:
الأولى هي أن فلسطينيي الداخل هم جزء من الشعب الفلسطيني، هم وأهالي القدس والضفة وغزة والشتات شعب واحد. لقد قام وهم أوسلو بتقسيم الشعب الفلسطيني إلى شعوب، واليوم فإن استعادة الوحدة الفلسطينية صارت ضرورة من أجل استمرار المقاومة والصمود. وهذا يعني أن الخطوة الثانية الضرورية هي إعلان الإضراب العام في كل فلسطين وفي مخيمات اللاجئين، وتظاهرات حاشدة في كل الأمكنة، وتظاهرة مركزية فلسطينية إما في حيفا عاصمة الجليل أو في يافا المدينة الساحرة التي ابتلعتها تل أبيب.
الثانية هي بداية نقاش مفتوح من أجل صوغ رؤية فلسطينية تضع أفقا للنضال اسمه الدولة الديمقراطية العلمانية ثنائية القومية. المشروع الفلسطيني لن يكون دعوة إلى التفاوض الذي أثبت عقمه، بل هو دعوة لتأسيس رؤية نضالية جديدة هدفها تفكيك البنية العنصرية الدينية للدولة الإسرائيلية، وإعادة الأمور إلى نصابها، أي العودة إلى ألف باء المشكلة، هناك استيطان كولونيالي هو جزء من التوسع الغربي في بلادنا، يلبس عباءة الأساطير الدينية، وهناك شعب البلاد المهدد بالإبادة السياسية والطرد.
شعب البلاد، أي الضحية، هو من يمتلك أو يجب أن يمتلك الرؤيا لتفكيك العنصرية الصهيونية وقيادة النضال ضد الكولونيالية الإسرائيلية، وفتح الأفق الديمقراطي الذي هو الحل الأخلاقي والإنساني الوحيد للمشكلة.
هذه ليست دعوة إلى الحوار أو التفاوض مع الصهاينة، إنها دعوة للنضال والصمود والتحدي، نضال داخل الكيان من أجل دولة لكل مواطنيها، عبر تفكيك الطبيعة العنصرية للدولة وإلغاء قوانينها العنصرية وفي مقدمتها قانون العودة اليهودي، ونيل الفلسطينيين حقوقهم الفردية والجماعية، وعلى رأسها حق تقرير المصير.
ونضال من أجل تفكيك آلة الاحتلال والاستيطان في القدس والضفة الغربية وغزة.
ونضال من أجل العودة التي هي حق لا يمكن لأحد التنازل عنه.
نضال واحد مثلث الأبعاد، هذا ما قاله العَلَم الرباعي اللون المرفوع في ساحة رابين، عَلَم ٌ يلخص معاناة نكبة مستمرة منذ سبعين عاما، ويعلن أن المشروع الصهيوني لم ولن يأخذ شرعيته من ضحاياه، وأن هذه اللحظة العربية المنقلبة أو هذا التماهي الأمريكي مع الصهيونية الفاشية، سوف يشكلان حافزا إضافيا للصمود والعمل.
العلم الفلسطيني الذي ارتفع كان الإشارة الأولى بأن هناك ضرورة لبناء خطاب جديد، خطاب يؤكد على التحرر الوطني وعلى المساواة والعدالة، وأن الحق الفلسطيني هو الحقيقة التي يجب أن تشكل الأفق، وتؤسس لقيادة فلسطينية جديدة تزيح خيول أوسلو الهرمة من المشهد.

ماذا قال العَلَم في ساحة رابين؟

إلياس خوري

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • الكروي داود

    سيتعامل الصهاينة مع الفلسطينيين كما تعامل الأمريكان مع السكان الأصليين !! ولا حول ولا قوة الا بالله


  • سنتيك. اليونان

    اليسار الفلسطيني في اسرائيل بقيادة القائمة المشتركة كان طلب عدم رفع الاعلام والعلم الفلسطيني بالذات لان هدف المظاهرة كان إظهار ان مجموعة كبيرة من مواطنين اسرائيل من عرب أو يهود لا تعترف بالقانون العنصري وتسعى على إلغاءه وقد استغل نتنياهو ظهور العلم الفلسطيني وكانهم يريدون محاربة وتدمير اسرائيل
    ان تاريخ. اليسار الفلسطيني داخل اسرائيل تاريخ مشرف وذكي وكان العرب في البلدان العربية ينعتونهم بالخونة الواقع ان اليسار الفلسطيني حافظ على التاريخ الفلسطيني وحقوق الشعب الفلسطيني وعلى اللغة العربية في اسرائيل وبفضله لمع محمود درويش وأميل حبيبي وتوفيق زياد و سميح القاسم وغيرهم و توفيق الطوبي الذي فضح مجزرة كفر قاسم وكان شوكة في اعين الصهاينة


  • سنتيك اليونان

    قد يكون مشروع الدولة العلمانية لقوميتين الحل الوحيد ولكن امام هذا المشروع عقبات هائلة
    اولا العرب في كل دولهم لا يعيشون في دول علمانية
    ثانيا هل اليهودية قومية
    عدم وجود العلم الفلسطيني بالمظاهرة كان تجسيدا لكفاح اليسار الفلسطيني في اسرائيل منذ عشرات السنين بقيادة طوفيق طوبي للمطالبة بدولة لكل المواطنين


  • سوري

    شعب الجبارين لن يكن ويستكين ونضاله مستمر في الداخل والخارج ضد هذا الكيان العنصري الفاشي الذي يقدم نفسه كضحية اوشفيتز وهو جلاد الشعب الفلسطيني هذا الكيان يجب ان يفهم ان الشعوب لا تقهر وبعد سبعين سنة من الاحتلال والقمع والقتل والتشريد مازال الشعب الفلسطيني صامدا امام هذه الهجمة الاستعمارية الشرشة البربرية وعلم فلسطين لابد وأن يرفرف يوما في تل الربيع


  • غنايم المغرب

    مقال رائع كما عودنا الأستاذ إلياس


  • أسامة كليّة سوريا/ألمانيا Ossama Kulliah

    أخي الياس شكراً جزيلاً. رغم أني لا أعارض رؤيتك النضالية هذه. وحيث تم التأكيد أيضا على أنه نضال من أجل ثوابت الحق الفلسطيني ونيل الفلسطينيين حقوقهم الفردية والجماعية، وعلى رأسها حق تقرير المصير. إلا أنني أرى أننا نحن العرب دائما نستعين باستراتيجية الهروب إلى الأمام. ليست المشكلة في هذه الاستراتيجية بحد ذاتها, ولكن في فشلها أمام الإستراتيجية الإسرائيلية التي نجحت دوماً, وهي فرض الأمر الواقع, نظراً لعوامل متعدد ساهمت في نجاحها. طبعا أعتقد أنها سياسة إسرائيلية فاشلة على المدى البعيد, إلا أنني لا أخفي أنني أرى أن رأي الأخ الكروي أعلاه هذه المرة واقعياً. فهل سيقوى اليوم الشعب الفلسطيني وسنقوى اليوم على كسر إستراتيجية الأمر الواقع الإسرائيلية!, أعتقد هنا يكمن الرهان وإن شاء الله.


  • حي يقظان

    التفاوض أو الحوار، أيًّا كان نوع أحدهما، لا يجديان مع صهاينة إسرائيل ولا مع ممثلي مشروعها العنصري-الديني الذي يبخس الفلسطينيين حقوقَهم هكذا «عينك عينك»، كما يُقال في العامية! أهم شيء، في هذا السياق، هو أن تتوحد تلك الشُّعَيْبات الفلسطينية أينما كانت في الداخل والخارج (وهنا «شُعَيْبات» جمع «شُعَيْب»، أي صيغة التصغير لكلمة («شَعْب»)، وأن تكون هذه الشُّعَيْبات شعبًا واحدًا ذا كلمة واحدةٍ وذا رأي واحدٍ في مواجهة هذا المشروع العنصري-الديني، دونما كلل أو ملل.
    هذا المشروع العنصري-الديني، تاريخيًّا وحتى سياسيًّا، تتجذَّر جذوره في الديانة المسيحية التي كانت منتشرة في بريطانيا بصيغتها التطرُّفية، بدءًا من بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على وجه التحديد. إذ كانت حركة «الصهيونية المسيحية» من أقوى وأنشط الحركات الدينية المتطرفة بين أوساط النخبة في بريطانيا أيامئذٍ، حتى أقوى وأنشط وأقدم بكثير من حركة «الصهيونية اليهودية» عينها، وعلى الأخص من حيث اعتمادُها على الأخذ بالنص التوارتي فيما يتعلق بـ«شعب الله المختار» وبـ«أرض الميعاد» بحرفيته تمامًا، مما أدى إلى جعل هذا التأويل الحرفي جزءًا لا يتجزَّأ من النص الأصلي لوعد بلفور في حد ذاته – الوعد الذي لم يكن في جوهره سوى محاولة دنيئة لغسل أيادي العنصريين والنازيين والفاشيين الأوربيين من الجرائم التي ارتكبوها بحق اليهود الأوربيين، وخصوصًا اليهود الألمان. وقد انعكس هذا الشعور الديني التطرفي على ما يقابله بين أوساط النخبة في أمريكا كذلك، وإلى حد أن هذه الأوساط إبان رئاسة روزفلت، ومن تبعه كذلك، اعتبرت عودة اليهود إلى «وطنهم» في فلسطين/إسرائيل بمثابة «أعظم حدث تاريخي في التاريخ البشري برمته».
    وفي هذا السياق «التاريخي»، علاوةً على ذلك، فإن احتلال فلسطين بالذات ليس له سوى أن يمثل الطور «الأخير»، وليس الطور «الآخر»، من أطوار الاستعمار الغربي لدول ما يسميه هذا الغرب بـ«العالم الثالث». حتى أن الدول الثلاث الأكثر حماسًا وتحمُّسًا في تأييدها لإقامة إسرائيل (بعد تأييد بريطانيا نفسِها، بطبيعة الحال) إنما هي: أمريكا وأستراليا وكندا، تحديدًا. ومن منا لا يعرف الآن أن هذه الدول الثلاث، رغم كل ما تبديه بعض شعوبها من تعاطف إنساني تجاه الشعب الفلسطيني ذاته، لا تعدو أن تكون من الوليدات «المدلَّلات» التي أنجبتها أرحامُ الإمبراطورية البريطانية ذاتها؟!


إشترك في قائمتنا البريدية