محمد خان: فارس المدينة وواضع لغتها السينمائية

حجم الخط
0

كنت في سن العاشرة مولعا بالأفلام عامة والأفلام المصرية خاصة، وتزامن ذلك مع نهاية موجة الأفلام الميلودرامية لحسن الإمام والرومانسية لأشرف فهمي وأحمد يحيى بنجومها محمود ياسين وفريد شوقي ونجلاء فتحي وميرفت أمين وغيرهم.
ومع انحسار تلك الموجة ومعها العصر الذهبي لصالات السينما، بدأت مع مستهل الثمانينيات من القرن الماضي تظهر أجهزة الفيديو واستبدلت لفافات الشرائط الضخمة في دور السينما بشرائط منزلية مستطيلة اختفت هي أيضا، ومع ظهور الفيديو أيضا ظهرت سينما نادية الجندي وحسام الدين مصطفى ليتم استبدال سيدات القصور بالعاهرات ورجال البذلات البراقة و»الشارلستون» بالبلطجية وتجار المخدرات محدودي الذوق.. ولكن لم يكن هذا كل شيء ولم يقتصر الأمر على مكائد نادية الجندي وجملها الأثيرة، بل ظهرت في المقابل سينما جديدة كانت تبدو غريبة ومزعجة للوهلة الأولى في حينها، وكأنها كانت جزءا من المؤامرة التي حاكها الفيديو وأشرطته على السينما وشاشتها الكبيرة وبريقها.. ليتضح بعدها بعشرات السنوات أن تلك كانت بداية مرحلة محمد خان وعاطف الطيب في السينما المصرية، وبكلمات اخرى مرحلة الواقعية الجديدة التي لحق بركبها كل من خيري بشارة وداوود عبد السيد وغيرهم.
في المقارنة بين عاطف الطيب ومحمد خان في تلك الفترة، خاصة بين السنوات 1980 و1990 نجد أن خان كان حادا أكثر بلغته، حيث ضرب عرض الحائط بكل ما كان سائدا من لغة سينمائية في السينما المصرية، خاصة اللغة البصرية وشريط الصوت ليخترع لغة جديدة تماما قد تكون قد ظهرت في بعض أفلام الموجات الأيطالية والفرنسية في سينما الستينيات والسبعينيات، ولكنها عند خان كانت جلية وصادمة أكثر، لأن خان استخدم في أفلامه ومنذ البداية نجوم الشباك آنذاك وعمل ضمن شركات الإنتاج الكبرى. لم تحسب أفلامه ضمن أفلام المهرجانات النخبوية فدخل بذلك إلى حيز الإجماع الشعبوي الفني من أوسع أبوابه، ولكن بلغته هو التي أثارت الجدل بطبيعة الحال.
فإذا كان الشارع هو البطل الأهم في أفلام نجمي الواقعية الجديدة محمد خان وعاطف الطيب فقد منح خان الشارع أبعادا تجاوزت بكثير عذوبة ورومانسية شارع عاطف الطيب، خاصة شوارع القاهرة ، قاهرة الانفتاح الاقتصادي والجهل والفقر والتناقضات عبر شريط صوت مزج في اللحظة ذاتها بين الصخب وأصوات الأغاني المزعجة وبين صمت الأبطال وأبعادهم النفسية، حيث طور محمد خان شريط صوت خاص بكل شخصية على تناقضاتها وعلى علاقة الشخصية بالمدينة وتحدياتها فلا زلت أذكر مثلا كيف صدمت ومن ثم أحببت صوت أنفاس عادل إمام وهي تطغى على شريط صوت الفيلم أثناء جريه وراء الكرة في مباريات «الكرة الشراب» في فيلم «الحريف» أو صوت بكاء سعاد حسني الصامت في فيلم «موعد على العشاء» وهو من أفضل أفلامها على الإطلاق وكذلك مشهد جريها في الشارع في الإسكندرية للحاق بوالدتها المحتضرة جراء حادث، ففي أفلام محمد خان ولأول مرة في السينما المصرية تصبح المدينة بشوارعها وتداخل الأصوات فيها وقسوتها ورقتها، شخصية لا تقل أهمية عن أبطال الفيلم، حيث تنطلق الشخصيات لتستخدم المدينة بشغل مغاير تماما عما تعودنا عليه، وبشكل يطرح جدلية العلاقة بين الإنسان والمكان، خاصة المدن الكبرى بقسوتها وحنوها وحمايتها في الوقت ذاته. وقد أبرز خان تلك العلاقة الجدلية بشكل فني بداية من فيلم «ضربة شمس» حيث المطاردات في شوارع قاهرة جديدة لم نعهدها في وقت سابق، وكذلك في فيلم «الثأر» حيث يرمي خان بدونجوان السينما آنذاك محمود ياسين في أتون الانتقام والمطاردات في شوارع مدينة قاتمة وقلقة خطيرة، وكذلك في فيلمه اللاحق «مشوار عمر» وهو واحد من أفضل أفلامه حيث اللقاء بين المدينة بعالمها البصري والسمعي وشخوصها العابرة والشخصية المتصومعة داخل سيارة فارهة لتستمع لراديو مونت كارلو في اغتراب مضاعف عن الخارج والذات في الوقت نفسه. ثم يأخذنا الفيلم ذاته في رحلة عبر الريف المصري لتتكرر العملية المتداخلة الأصوات نفسها ولكن بإنسيابية أكبر وتوتر أقل وموسيقى تصويرية تحمل حنينا مداهما إلى طفولة هاربة وحياة ضائعة، وقد تكررت ثيمة التجوال في الريف بعدة أفلام لخان بالرؤيا الجدلية نفســـها، ومن أهمها إضافة لـ«مشوار عمر» .. «طائر على الطريق» «خرج ولم يعد» «أحلام هند وكاميليا» وغيرها.. تراجعت حدة لغة خان في السينما وأصبحت أكثر ترددا واندفاعا عن بداياته، خاصة في أفلامة القليلة الأخيرة التي بدت وكأنها نوستالجيا لأزمان غائبة ولن تعود، حيث جاء أكثرها بريقا بلغة طازجة «فتاة المصنع» وأسوأها «بنات وسط البلد»…استطاع محمد خان في مرحلته الأولى والأفضل في رأيي أن يوظف أسماء النجوم الكبار في ترويج أفلامه، ولكنه استفاد أيضا من بريقهم وحرفيتهم لتمرير لغته السينمائية الجديدة عبر تفتيت أدائهم النمطي الحرفي بناءه من جديد عبر تطويع الأداء للغة السينمائية الجديدة وليس العكس، وقد يكون ابرز نموذج على ذلك فريد شوقي في «طائر على الطريق» و«خرج ولم يعد» إذا ما قارناه بفريد شوقي حسن الإمام أو فريد شوقي أحمد يحيى.

٭ كاتب فلسطيني

محمد خان: فارس المدينة وواضع لغتها السينمائية

راجي بطحيش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية