مفارقات جزائرية

20 - أبريل - 2017

31
حجم الخط

في مفارقة تثير الألم والسخرية معاً هنأ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة نظيره السوري بشار الأسد مؤخرا بعيد الاستقلال رغم معرفة القاصي والداني أن سوريا حاليّاً أبعد ما تكون عن الاستقلال، وأن جيوش الاحتلال (ويستحق جيش النظام نفسه أن يعتبر بينها) تقوم بعروض عسكريّة وتوسّع قواعدها الجويّة وتقصف المشافي والمدارس والمساجد بل إن هذه الجيوش تطلق التصريحات العسكرية والسياسية والإعلامية رافضة التدخّلات الأجنبية وتطالب بأن يقرّر الشعب مصيره بنفسه! فتحتلّ موقع الشعب الذي تطارده بطائراتها وتحاصره بدباباتها وتهجّره ثم تهاجم الدول التي تستقبله.
التناقض الفاضح في هذه التهنئة بـ”جلاء الفرنسيين” لا تتعلّق بسوريا نفسها فحسب بل كذلك بالجزائر أيضاً التي تكشف هذه المفارقة عن تراجع سياستها الخارجية إلى درجة غير مسبوقة.
ولو أن الأمر يتعلّق فقط بتلك الركاكة الدبلوماسية لكان الأمر هان غير أن تلك الممارسات ليست إلا تعبيراً عن بنى سياسية معطوبة داخليّاً، ولعلّ ما يجري حاليّاً هناك فيما يتعلّق بالانتخابات البرلمانية التي ستقام بداية الشهر المقبل يعطي صورة مكثّفة عن ذلك العطب السياسي المزمن.
العملية الانتخابية الجزائرية ستكون، كما هو الأمر في كلّ البلدان العربية، تحت إشراف وزارة الداخلية، و”اللجنة المستقلة لمراقبة الانتخابات” التي تضم 410 أعضاء جرى تعيينهم كلهم من قبل الرئيس الجزائري، وهو الأمر الذي دفع أحزابا وشخصيات سياسية للدعوة لمقاطعة الانتخابات التي يعتبرونها “مسرحية سياسية” تنظمها السلطة وتقرر نتائجها.
السلطات، من جهتها، أعلنت أنها لن تسمح للأحزاب والشخصيات المقاطعة بالترويج لحملة مقاطعتها، وهو أمر يناقض فكرة حرية التعبير التي يمنحها الدستور، والتي تعتبر أساساً لأي انتخابات ذات معنى.
في المقابل، وبعد انتباه السلطات للفتور الشعبي الواضح والإحباط من فكرة الانتخابات فقد جنّدت وزارة الشؤون الدينية الجزائرية المؤذنين والأئمة وموظفي المساجد لاستخدامها في إقناع مرتاديها بالمشاركة في الانتخابات، وهو أمر، يكشف بجلاء، كذبة كبيرة تروّجها الأنظمة والنخب المتعاطفة معها حول قضايا ما تسمّيه “الإسلام السياسي”، وهو مصطلح يقصد فيه، كما هو رائج، الأحزاب التي تروّج ضمن برامجها السياسية للإسلام، كما لو أن ما تقوم به السلطات العربية كافّة، من استخدام للدين الإسلامي، لا يدخلها ضمن تلك اليافطة التي تتهم خصومها الأيديولوجيين بها.
ملخّص القول إن الأنظمة كافة، وحتى الأحزاب التي ترفع شعارات العلمانية مقتطعة إياها من سياقها التاريخي الأوروبي، لا تستطيع تجاهل الإسلام بما هو أحد أكبر محمولات الهوية الثقافية للشعوب الإسلامية، ولكنّها، لدافع سياسي انتهازي، تريد أن تحتفظ بـ”الإسلام” لاستعمالها الخاص، فترفع راياته حين تريد، وتهاجم دعاته حين يحاولون محاسبتها على فسادها وطغيانها وانتهاكاتها المريعة.
يشكّل الدين محمولاً رمزيّاً كبيراً في أحزاب “المسيحية الديمقراطية” الأوروبية، وطبعاتها المختلفة في يمين الوسط كالمحافظين في بريطانيا والديغوليين في فرنسا، أو اليسار، كـ”شين فن” الإيرلندي، أو اليمين المتطرف كـ”الجبهة الوطنية” الفرنسية والبريطانية، وهذا لم يدفع السلطات العلمانية الأوروبية إلى منعها بدعاوى “المسيحية السياسية”، او بالقول إنها تحتكر النطق باسم المسيحيين، وهذا ما يكشف هزال السياسات العربية، ونفاق أنظمتها سواء ادّعت العلمانية أم اعتبرت نفسها مرجعيّات دينية.

مفارقات جزائرية

رأي القدس

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • محمد كردادا بوسعادة

    الجزائر تحترم الحكومات القائمة ولوكانت فاسدة اوعسكرية ولا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول
    الجزائر تتعامل مع اصدقائها الذين ساندوها اثناء ثورة الاستقلال وكانوا طبعا حكومات عسكرية ولن تنسى دعمهم خاصة منهم العرب
    الجزائر ليس صديقة للغرب ولن تغير سياستها طمعا في مساعدات واسرائيل العدو الوحيد لها ما دامت فلسطين محتلة
    الجزائر لن تنسى شهداءها


  • يوسف بن علي

    أنها الجزائر .دولة المواقف الوطنية والقومية .مهما يحصل من تشويهات.ويبقى السيد بوتفليقة صمام الأمان لبلد المليون شهيد


  • احمد سعيد

    برسالة السيدالرئيس عبدالعزيربوتفليقة إلى السيد بشارالأسدرئيس الجمهورية العربية السورية يهنيئه فيها بذكرى عيد استقلال بلاده 71، أثبتت بها
    السلطة الجزائرية لشعبها أن موقفها مازال كما هو لم يتغير ولن يتزحزح في نصرة المظلوم ، ضد المعتدي الظالم..وهكذا مبدأ الثوار الأحرار.


  • جمال dz

    الجزائر رغم فيها من مساوئ لا نخفبها صحيح الممارسة الديمقراطية ليست في المستوى الذي يطمح اليه عموم الشعب الجزائري المتطلع الى الاحسن ولكن ليست بالصورة السوداوية التي يريد بعض الحاقدين عليها من اعداء الأمس واليوم من الداخل والخارج أن يصورها لغاية ليست بريئة من جهة اخرى لا نرى المثال العربي الأمثل في الديمقراطية وحقوق الأنسان , دول مازالت تعيش كالعبيد تنتقد الأخرين مفارقة عربية وليست جزائرية


  • بلحرمة محمد المغرب

    هلا دلني احدكم على بلد عربي غير محتل سياسيا وعسكريا واقتصاديا وفكريا وثقافيا؟


  • ياحي

    رغم ما يقال عن حكام الجزاءر فإنني أقول ان من يحكم الجزاءر هم شيوخ و اساتذة الحكم يجب ان يدرس عندهم حكام العرب كلهم ويجب ان نلاحظ سياسة الجزاءر الخارجية و مدى أتزانها فهي تسير بخطى متزنة دون سقوط اما حكام العرب منهم من دعم المعارضة السورية وراهنوا على سقوط النظام والى يومنا هذا لم يسقط اما الجزاءر كانت عكس كل العرب وأبدت النظام الذي مازال صامدا . العرب قصفوا الشعب اليمني بطاءراتهم و الجزاءر رفضت فارجعوا اليمن الى القرون الوسطى ولَم يحلوا المشكل .العرب رفضوا حكم الاخوان في مصر وأيدوا انقلاب السيسي وحاربوا الخوان رغم انهم فازوا بالانتخابات وسنوا قوانين تجرمهم وطلبوا من الجزاءر ذلك ورفضت الاخيرة .سياسة العرب في واد وسياسة الجزاءر في واد اخر والايام ستحكم من كان على حق . انا السياسة الداخلية فالشعب الجزاءري راضٍ عن حكامه والاولى ان يهتم و ينقد مل نظامه فنحن في الجزاءر نحمد المولى ونشكر حاكم الدولة والخزي والعار لشعوب وحكام دمروا بلدان وهجروا شعوب باسم الحرية والديمقراطية وهم مستعبدون شعوبهم .


  • مراد + الجزائر

    يوم وقفت الجزائر ضد قتل صدام وضد احتلال العراق….قالو نفس الشيء أو الجزائر تقف مع الطغاة…وقال يومها الرئيس الجزائري أن صدام يقف ضد التمدد الشيعي في المنطقة…ضحكو عليه وقالو إيران لم تشكل لنا تهديد مثل الذي يشكله نظام صدام….قالو اللهم إيران ولا صدام…وهاهم اليوم يتباكون من إيران والشيعة….مواقف الجزائر لن تتغير…صحيح بشار الأسد مجرم لكن بوتفليقة اتبع تقليد عادي وبعثه للدولة السورية وليس لبشار….ولما تكون مواقف دولة ثابتة تحترمها كل الدول….يعني والله لو تقول أمريكا أن بشار رجل صالح ويبقونه في الحكم…سيقول الكل يحيا بشار….الجزائر يا ناس لا تتلقى الأوامر بخصوص التعامل مع الدول…وإنما لها ديبلوماسية ثابتة…وهنا أذكركم…لما قطعت الجزائر علاقتها بإيران في 1991…لما أحرق الإيرانيون السفارة الجزائرية في طهران….طردت الجزائر السفير الإيراني…وطلبت بعدها الحكومة الجزائرية من العرب بقطع علاقتهم مع إيران لأنها خطر على المنطقة…ضحكو على الجزائر وقالو لحكامنا الديبلوماسية ليست هكذا يا حكام الجزائر….والغريب نفسهم اليوم يطلبون من الجزائر قطع العلاقة مع إيران…..أي سياسة هاته…نحن نفعل ما نشاء ولا نحتاج الدروس.


  • قالها مرة

    خلاصة القول : – مثل جزائري (ما يبقى في الواد غير حجاروا ): قارن سياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى بنتائجها ؟ وقارن الأواني بأيدي سادتها في عاملنا العربي والفاهم يفهم .


  • صالح/الجزائر

    ليست هناك أي مفارقة في سياسة الجزائر الخارجية الثابتة .
    الجزائر هنأت الدولة السورية في شخص رئيسها ، كما هنأت ، في مناسبات عدة ، المملكة العربية السعودية وأخواتها ، رغم أن هذه الأخيرة ، مع بعض أخواتها ، استقدمت جيوشا عربية وأجنبية لتدمير اليمن ، كما هنأت كذالك مملكة البحرين رغم تواجد جيوش أجنبية تصول وتجول فيها .
    أظن أن الجزائر لا تتدخل في السياسة الداخلية لا للدول العربية ولا لغيرها ، ولحسن حظ بعض الدول العربية ، وكذلك لحسن حظ الجزائريين أنفسهم ، الذين يتشوقون لزيارة البقاع الإسلامية المقدسة ، أن السلطات الجزائرية لا تأخذ بعين الاعتبار التواجد العسكري الأجنبي على أراضي بعض الدول العربية ، ومنها الخليجية ، وإلا كانت منعت مواطنيها من أداء الركن الخامس من الدين الإسلامي الحنيف وهو فريضة الحج .
    الجزائريون أنفسهم يعرفون أن الأوضاع في البلاد ليست كلها سمنا وعسلا ،كما يتمنونها ، لكنهم يعرفون أيضا .
    أظن أن ” الركاكة الديبلوماسية ” لم تدعم حرب إسرائيل على غزة ، لم تصنف حزب الله ، الذي هزم إسرائيل باعتراف الإسرائيليين أنفسهم ، كمنظمة إرهابية ، ولم تهنئ الرئيس الأمريكي ، الذي بدأ عداؤه للعرب يتجلى يوما بعد يوم ، على تدميره للمطار السوري .
    أظن ن الجزائر ، حتى ولو كنت ابتليت كغيرها ب ” سياسة معطوبة داخليا ” ، إلا أنها سمحت للأحزاب أن تتواجد وأن تتنافس فيما بينها للوصول وللتداول على السلطة ولو كان ذلك بخطى بطيئة جدا ، سمحت بوجود نقابات مهنية تدافع عن مصالح المنتمين إليها .
    هناك طبعا مفارقة في الجزائر وهي وجود ، رغم ” ذلك العطب السياسي المزمن ” ، قائمة انتخابية ‘‘ للنساء فقط ’’ في سابقة تاريخية لم تحدث لدى غيرها ، وخاصة لدى من مازالوا يمنعون نصف رعاياهم من قيادة السيارة .
    ” المسرحية السياسية ” يشارك فيها من أراد ويمتنع عنها من أراد ، والسلطة لم ولا تجبر ولم لا تمنع أحدا أن يفعل هذا أو لا يفعل ذاك .
    ” الإسلام دين الدولة ” في الدستور الجزائري ، ومن حق هذه الدولة أن تلجأ إليه لخدمة مصالح لدولة وليس مصالح ” الإسلام السياسي ” وتسلل الوهابية من خلاله .
    نقول عن الحاسدين في الجزائر : عين الحسود لا تسود .


إشترك في قائمتنا البريدية