منطقتنا في عهد دونالد ترامب

أسبوع واحد مضى منذ أن أرسلتُ مقالي السابق إلى قلم تحرير «القدس العربي»، والعالم لا يزال تحت وقع الصدمة الهائلة والقشعريرة اللتين أصيب بهما غداة ذاك اليوم، يوم الثلاثاء الماضي الواقع في الثامن من الشهر الجاري وهو تاريخ الانتخابات الأمريكية. قررت يومذاك أن أخصّص مقالي للسياسة الشرق أوسطية للرئيس/ة الجديد/ة، وقد سبق أن طلب مني موقع «الجزيرة» باللغة الإنكليزية مقالاً حول الموضوع نفسه قبل أيام من الانتخاب وأجبت أن الأمر يعتمد على من سوف يتم انتخابه. فتم الاتفاق بالتالي على أن أكتب مقالين، واحد عن كل من الاحتمالين، وأن يجري نشر المقال المناسب حالما تُعلن النتيجة. أما ومقالي في «القدس العربي» يصدر يوم الأربعاء وينبغي عليّ إرساله يوم الثلاثاء، فلم يكن الانتظار ممكناً. واضطررت بالتالي إلى الكتابة عن أحد الاحتمالين مرجحاً ذلك الذي وصفته الاستطلاعات بالأوفر حظاً طوال ذاك النهار الطويل، ألا وهو احتمال فوز هيلاري كلينتون (مع التحفظ بكتابة المقال بالصيغة المشروطة).
وللأسف الشديد جاءت النتيجة صدمة لا تضاهيها وقعاً في الذاكرة العالمية الحديثة سوى صدمة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، يوم اعتداءات تنظيم «القاعدة» في نيويورك وواشنطن. فاستفاق العالم يوم الأربعاء الماضي على تأكد خبر فوز رجل أرعن بنى حملته الانتخابية على مسايرة أسوأ النزعات الكامنة في مجتمعه، رجل سوف يرتهن مصير العالم بنزواته لمدة أربع سنوات على الأقل، هذا إن استكمل ولايته (اشتراط متفائل) وإذا لم يفز بثانية (اشتراط متشائم).
وقد صدرت خلال الأسبوع المنصرم مقالات وتعليقات لا تُحصى تحاول سبر نوايا الرئيس المنتخب في السياسة الخارجية بوجه عام وشؤون الشرق الأوسط بوجه خاص، وقد ساهمتُ شخصياً في التخمينات بوسائط شتى. لذا أودّ الآن أن ألتفت بسرعة إلى بعض ردود الأفعال الإقليمية على انتخاب دونالد ترامب. وأبدأ من إيران حيث يُخبرنا مراسل صحيفة «فايننشال تايمس» أن المتشدّدين في النظام الإيراني ينظرون بتفاؤل إلى أمرين متناقضين: فهم يرون أن تنفيذ ترامب لوعيده بسحب الموافقة الأمريكية على الاتفاق النووي الذي عقدته المجموعة الدولية مع طهران من شأنه أن يدعم سيطرة المتشدّدين على سياسة إيران الداخلية والخارجية على حساب الإصلاحيين، كما ينظر المتشدّدون بسرور إلى وعد الرئيس الأمريكي المنتخب بالتقارب من روسيا، حليفتهم في سوريا، والتعاون معها في تثبيت بشّار الأسد في سلطة البلد المنكوب.
وتأتينا أصداء الترحيب بدونالد ترامب من قبل كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يتمنّى أن يدعم الرئيس الأمريكي الجديد سياسته السلطوية الداخلية وحربه على الحركة الكردية، والرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي الذي هو الرئيس العربي الوحيد الذي التقى بدونالد ترامب عندما كان هذا الأخير لا يزال مرشحاً، والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة (أو من يتكلّم باسمه) الذي استاء من معارضة واشنطن، ومعارضة هيلاري كلينتون نفسها عندما كانت وزيرة للخارجية الأمريكية، لتمديد رئاسته.
أما الأمر المشترك بين الأطراف الأربعة المذكورة فهو النزعة السلطوية المتأسفة على زمن الحرب الباردة الذي كانت فيه كل من واشنطن وموسكو تؤيد الدكتاتوريات بلا حرج ما دامت نصيرة لمصالحها. وهو ما حدا بتلك الأطراف إلى التقارب من روسيا التي بات رئيسها فلاديمير بوتين أبرز ممثل عالمي للاستعداد على دعم الأنظمة السلطوية بلا أدنى حرج، لا سيما وأنه يشرف بنفسه على نظام سلطوي في بلده، وإن كان يحظى بدعم شعبي. وليس من تناقض بين الدعم الشعبي والسلطوية كما هو معلوم، والحال أن كل طرف من الأطراف الإقليمية الأربعة المذكورة يحوز على قدر ما من القاعدة الشعبية.
وينضاف إلى تلك الأطراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يتمنّى أن يُطلق ترامب يديه تماماً في وجه الشعب الفلسطيني، بدون حتى إبداء ذلك التذمّر الخجول الذي صدر عن إدارة أوباما بين الحين والآخر. فيكتمل المشهد الذي يجعل من انتخاب دونالد ترامب على رأس الولايات المتحدة حلقة إضافية بل أساسية في تعميق المنعطف الرجعي الذي خيّم على المنطقة العربية منذ ثلاثة أعوام. فتلتقي الأعراض المرَضية الخاصة بمنطقتنا بالأعراض المرَضية التي تولّدها الأزمة العالمية حتى عقر دار أعظم قوة عالمية، بما يُنذر بعواقب وخيمة فوق ما أصابنا حتى الآن. ويبقى لنا أن نقاوم، ونحن شعوبٌ تعوّدت المقاومة، وتعزيتنا الوحيدة أن فوز ترامب من شأنه أو يُسهم إسهاماً كبيراً في توسيع صفوف المقاومة على النطاق العالمي.

٭كاتب وأكاديمي من لبنان

منطقتنا في عهد دونالد ترامب

جلبير الأشقر

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    فوز ترامب ضروري لتحريك المياه الراكدة بالمنطقة ! فسياسة كلينتون كانت ستكون إمتداداً لسياسة أوباما السلبية
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول مراقب.المانيا:

    لا أعرف من أتى بشخصية ترامب .وما الهدف بان يصنعون رئيسا بدون خبرة سياسية.هل الكيان الصهيوني أم اليمين الأميركي المتطرف ليكون ألعوبة في ايديهم..أما أحدهم قائلا إن على الماء الراكدة أن تتحرك .انا أخاف أن تتحرك لتصبح تسونامي على العرب واامسلمين

  3. يقول الدكتورجمال البدري:

    مع احترامي لمقامك الكريم سيدي الأشقر؛ إنما المقال ليس بمستوى العنوان والحدث.ثانياً أختلف مع حضرتك أنّ ترامب أرعن.الأرعن لا يكون ملياديراً ولايكون رئيس أكبردولة في العالم..بعدما لوى لوبي الحزب الديمقراطي لوياً.نحن بحاجة إلى مقالات (معرفة) لا مقالات ( زرق ورق ).
    أما أحوال منطقتنا في عهد ترامب ( المشرق العربيّ خصوصاً ) فستشهد المزيد من التحديّ مقابل المزيد من الاستجابة.فلم يبقَ أيّ هامش للمناورة بين الكرّوالفرّ؛ بعدما : { اقتربت السّاعة وانشقّ القمر}.

  4. يقول أ.د. خالد فهمي - تورونتو - كندا:

    شكرأ للأستاذ الأشقر على المقال المهم….أود تسجيل ملاحظتين لو سمحت لي…

    1) لم يكن ليأتي ترامب الى هرم السلطة في أكبر و أعظم دولة على الارض (حاليّاً) لولا فشل الرجل الأسود في البيت الأبيض عبر 8 أعوام من أدارته ” القانطة ” خارجياً قبل الداخلية وطبعاً من قبله 8 أعوام من ” الكاوبوي ” بوش الأبن عبر ردّات أفعاله ” كالثور الهائج ” (في حلبة مصارعة الثيران) وأحدى أكبرها مأساةً وأكثرها تكلفةً للشعبين العراقي والأميريكي هي الحرب على العراق بحجة السلاح النووي لدى صدام حسين !!!

    2) أنا معك ” كما يقول المثل العربي ” على طول الخط في الفقرة الأخيرة التي أوردتها…

    ” ويبقى لنا أن نقاوم، ونحن شعوبٌ تعوّدت المقاومة، وتعزيتنا الوحيدة أن فوز ترامب من شأنه أو يُسهم إسهاماً كبيراً في توسيع صفوف المقاومة على النطاق العالمي. “

اشترك في قائمتنا البريدية