من الكلاسيكية إلى التصويرية الحديثة… البحث عن التغيير موسيقيا في الشكل والمضمون

28 - يناير - 2015

أحمد الضامن

1
حجم الخط

من هو الشخص الذي يريد التغيير في المؤسسات الموسيقية ومن هو الشخص الذي يقاوم ذلك التغيير؟
كان هذا أحد الأسئلة الجوهرية التي طرحتها رسالتي للماجستير في بريطانيا حول إدارة التغيير داخل المؤسسات الموسيقية. كنت أعتقد في البدء أن العاملين في الإدارة والتسويق، الذين يسعون إلى أكبر ربح مادي ممكن، معنيون بالتغيير أكثر من باقي أفراد المؤسسة. يعود ذلك نظرياً إلى رغبتهم في اللحاق بمتطلبات السوق المتجددة. لكنني بعد الدراسة والبحث في عدد كبير من المراجع التي تتناول حوادث بعينها في التاريخ الموسيقي، وبعد إنهائي لبحث ميداني داخل إحدى المؤسسات الموسيقية البريطانية الضخمة، تبين أنني كنت مخطئاً تماما. الإداريون والعاملون في التسويق هم المتمسكون ببقاء الوضع على ما هو عليه، بل يمانعون التغيير بكافة أشكاله، بينما الفنان أو الموسيقي هو الشخص الذي يسعى إلى التغيير، ويفرض التغيير على المؤسسة إذا ما أتيحت له الفرصة، أي أن الفنان هو الذي يحرك السوق، وهو الذي يغير أذواق الناس، وليس العكس، لأنه الأكثر عرضة للتجربة، والشك، والملل من الروتين.
الموسيقيون هم من بحث عن التغيير حتى في أدوات وأشكال الموسيقى، فنجد أن الموسيقيين بحثوا مباشرة بعد الفترة الكلاسيكية عن آلات وأصوات جديدة بعد أن ملّوا من الآلات التقليدية. تجد مثلاً في الفترة الكلاسيكية الرومانسية محاولات عدة، مثل استعمال تشايكوفسكي للمدافع الحربية في افتتاحية 1812 كآلات إيقاعية في ذكرى الاحتفال بالانتصار على نابليون. ورغم شهرة الموسيقى وعظمتها، إلا أن تجربة تشايكوفسكي مع المدافع لم تكن ناجحة حينها لعدة أسباب، منها عدم القدرة على التحكم الدقيق في لحظة إطلاق القذيفة وخروج الصوت.
كما طوّر الموسيقيون في القرن التاسع عشر آلات جديدة في أوروبا كالكلافيكورد والساكسفون، ثم في القرن العشرين حاولوا اقتحام عالم أرباع النوت بتطوير آلات مثل البيانو والكلارينيت، وغيرها من الإضافات. وحصل تسارع كبير أشبه بالانفجار الذي تغيرت بعده قواعد اللعبة، مع دخول عالم موسيقى الكمبيوتر والمي -دي إلى الساحة، وكانت فِرَقٌ مثل بيتش بويز مميزة في إدخال آلات إلكترونية جديدة إلى موسيقاهم في الستينيات.
اليوم، لا شك لديّ أن الموسيقى التصويرية للأفلام هي الامتداد التاريخي الطبيعي للموسيقى الكلاسيكية. فالموسيقى الكلاسيكية لم تكن فقط أوبرا غنائية، بل باتت تستخدم في القرن التاسع عشر خلفية لرقصات الباليه والمسرحيات والعروض المرئية المختلفة. والموسيقيون الذين يعتبرون اليوم عرّابي الموسيقى التصويرية وأول من خاض غمارها في السينما، أتوا من خلفية كلاسيكية بحتة من أمثال بيرنارد هيرمان، وموريس جار، وألبيرت نيومان، ونينو روتا، وإينيو موريكوني.
لكن هناك مفاصل كبرى في الموسيقى، تجعل حتى الموسيقيين يترددون في التغيير أحياناً، خصوصاً عندما يرتبط الأمر برؤوس الأموال والمنتجين ضمن صناعة ضخمة مثل صناعة السينما.
المنتجون في السينما يلعبون الدور نفسه الذي يلعبه الإداريون والمروجون في المؤسسات الموسيقية التي ذكرناها في بداية الحديث. لكن الوقت كان كفيلاً بأن تلحق السينما بركب التطور الموسيقي، وأكد ذلك ما حصل في السبعينيات عندما فاز الموسيقي الإيطالي جيورجيو مورودير بجائزة الأوسكار لأفضل موسيقى عن فيلم «قطار منتصف الليل»، وكانت الموسيقى كلها إلكترونية في الفيلم. كثيرون لم يتقبلوا هذا التغيير نحو «الموسيقى الإلكترونية». واحد من الموسيقيين المبدعين الذين تقبلوه وعملوا عليه بشكل حثيث، حتى خرج بنسخة جديدة من نفسه كموسيقي، كان المؤلف الموسيقي الفرنسي الأصل موريس جار. فقد كانت موسيقى جار كلها كلاسيكية سابقا، ومن أمثلة ذلك أفلام كبرى مثل: «لورنس العرب، ودكتور زيفاجو، والطريق إلى الهند، والرسالة»، وغيرها الكثير. لكن موريس تحدى نفسه وألف بعدها عدداً من الأعمال الموسيقية الإلكترونية للأفلام في الثمانينيات مثل أفلام «لا طريق للخروج»، و«مجتمع الشاعر الميت».
وتبدو أهمية التغير الذي طرأ على موسيقى جار هنا فريدة، فهو الذي بدأ في تعلم الموسيقى متأخراً مقارنة بأقرانه من الموسيقيين، وهو أيضاً رغم تقدمه في السن كموسيقي كلاسيكي صرف، وحصوله على أرفع الجوائز العالمية عن موسيقاه الكلاسيكية الطابع في الأفلام، تقبل التغير نحو الموسيقى الإلكترونية وهو في الستين من عمره بصدر رحب. إذا ما قارنا حالة موريس جار في التعامل مع الخيارات والأدوات الموسيقية الجديدة، نجد أن التغير في موسيقى الكثير من أبناء جيله كان أقل راديكالية مقارنة بالمؤلفين الشباب في الفترة نفسها.
الأمر لا يقتصر على لون جديد من الموسيقى، إنما يمتد لصناعة وابتكار آلات موسيقية جديدة، ولا أعني هنا الأصوات المبتكرة والعديدة التي تصدر من الكمبيوتر لأنها أسهل إنتاجاً، ولكنني أعني آلات حقيقية جديدة تصدر أصواتاً مختلفة. في السبعينيات مثلاً قام المؤلف الموسيقي جاك نيتشه بتأليف الموسيقى لواحد من أهم الأفلام التي أنتجتها هوليوود حتى اليوم وهو فيلم «طار فوق عش الوقواق» للمخرج مايلوش فورمان، الذي اقتبسه عن الرواية المعروفة والمثيرة للجدل التي تحمل العنوان نفسه للكاتب الأمريكي كين كيسي. والوقواق يعد رمزاً للجنون لأسباب عدة منها أن أنثى الطير تربي الأطفال في عش لطائر آخر وتغير شريكها أكثر من مرة.
عندما أراد جاك نيتشة التعبير بالموسيقى عن مشاهد معقدة لأحداث تدور داخل مستشفى للأمراض العقلية اختار آلة تدعى المنشار الموسيقي، تشبه في الشكل إلى حد كبير المنشار اليدوي المستخدم لتقطيع الأخشاب، ولكنها أعرض وأطول من المنشار العادي ولا تحتوي على مسننات، ما يعني بالضرورة أنها منشار لا يمكن أن يقطع شيئاً. تصدر آلة المنشار الموسيقي صوتاً مميزاً، لا يكاد يستقر على درجة واحدة على عكس الكثير من الآلات الموسيقية. تشاركها في ذلك آلة سوفيتية تصدر صوتاً شبيهاً وتدعى «الثيرمين». تعزف الثيرمين بتحريك اليد في الهواء بجانب هوائي (أنتينا) كهربائية. ويبدو لي أن جاك نيتشة أراد أن يقول لنا في الخلفية أن المجانين ليسوا أقل شأناً من باقي البشر، وإنما ما يجعلهم مختلفين هو عدم قدرتهم على الاستقرار على درجة فكرية واحدة. فهم كحال أنثى الوقواق دائمو التقلب، ولا يمكن الثقة بتصرفاتهم. يرتفع صوت المنشار الموسيقي وينخفض في حركة لولبية وكأننا نسمع مزاجية المجانين. نسمع في الموسيقى أيضاً استخداماً فريداً لصفارة إيرلندية تشبه في صوتها آلات الناي لسكان أمريكا الأصليين الذين يمثلهم في الفيلم «الزعيم» أحد نزلاء المشفى. تبدأ موسيقى الفيلم بالغيتارات والطبول على شكل ضربات ثابتة تنبئ بقدوم بطل الفيلم ماك ميرفي، ثم نسمع المنشار الموسيقي في صعوده وهبوطه. مع دخول الكاميرا إلى المستشفى تقدم لنا مشهداً عن عالم المجانين الآخرين في الداخل. تتقدم الأبواق الاحتفالية والآلات الخشبية الفرقة بطريقة هادئة بطيئة، لتعكس ما يبدو في الظاهر من هدوء وصفاء، وضبط للأمور داخل المشفى. لكن الحركة المستمرة للطبول والغيتارات، ثم عودة المنشار الموسيقي في نهاية اللحن، يذكرنا بأن الوضع على وشك التغير مع قدوم شخصية مختلفة إلى المكان مثل ماك ميرفي.
مثال آخر لآلة مثيرة أحدث عهداً كانت في القرن الواحد والعشرين في فيلم «شرلوك هولمز» في نسخته الهوليوودية عام 2009. أراد وقتها المؤلف الموسيقي المحنك هانز زيمير تأليف موسيقى جديدة عن لندن في القرن التاسع عشر، لكنه لم يرد أن يعتمد على الموسيقى الإلكترونية، بل عاد بأدواته إلى تلك الحقبة واستخدم من الآلات القديمة الهاربسيكورد، أحد أطوار البيانو القديم. فالبيانو الذي نعرفه اليوم هو تطوير على الهاربسيوكورد، الذي لم يكن يصدر ضربات ضعيفة أو قوية وقتها حسب الحاجة بل أصواتاً موحدة القوة دائماً، والإسم
الأصلي للبيانو الحديث هو «بيانو-فورتي هاربسيوكورد» أو الهاربسيوكورد الذي يعزف الضربات القوية والضعيفة، وتم اختصار الاسم فيما بعد إلى «البيانو». لكن الابتكار الأهم كان عثور زيمر على مخترع إيطالي اسمه ديغو ستوكو قام بابتكار آلة مستحدثة تدعى الإكسبيري- باص. لهذه الآلة شكل غريب، وقد تبدو للوهلة الأولى محاولة لطفل فشل في تعلم الليغو لأول مرة، ليخرج بهيكل غير متناسق. كان غرض ستوكو من صناعة الأكسبيري-باص أن يسمع الكمان والفيولا والتشيلو داخل جسم آلة الباص الكبير، فخرج من هذا الدمج الجديد صوت عميق يملأه صدى متكرر. وكان لهذه الآلة دور فعال في الخروج بموسيقى يمكن أن تصنف كموسيقى كلاسيكية وحديثة في آن معاً.
لا أعتقد أنه يمكن لي أن أنقل للقارئ ضمن حدود هذه المقالة الصغيرة التطور الدراماتيكي الهائل للآلات المستخدمة اليوم في الموسيقى التصويرية على مدى قرنين من الزمان. ما نفتقده في الموسيقى العربية أمام هذا التطور هو اهتمام أكبر بالموسيقى «الصرفة» بشكل عام، والموسيقى التصويرية بشكل خاص. فلدينا إرث غني ما زال ينتظر الكثير من التطوير والإبداع. للأسف نعتمد كثيراً على الاستقاء (وأحياناً السرقة) من موسيقى هوليوود التصويرية، أو الاعتماد على الموسيقى الغنائية التي تستقي من الموروث أساساً، أي أنها كلاسيكية أيضاً. وأجد من المستغرب والمستهجن أن نختصر حضارة موسيقية كاملة بالأعمال الغنائية بدءاً بالموشحات، ثم مروراً بالأدوار والطقطوقات، وثم ما نسميه «الأغنية العربية» اليوم مع تحفظي على الاسم. الموسيقى العربية أوسع بكثير من أن تكون موسيقى غنائية، والموسيقى التصويرية عماد مهم في التطور الموسيقي في القرن الواحد والعشرين، ودور الفنان العربي اليوم هو تغيير الأذواق كما أثبت التاريخ، وليس الانقياد نحو الجمهور تحت عذر «هذا ما يريده السوق».

مؤلف موسيقي ـ فلسطين

أحمد الضامن

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • الحبيب / المغرب

    عمل مفيد علميا واكاديميا وثقافيا. الساحة الفنية والفكرية محتاجة غلى هذا النوع من الاعمال. ممتع


إشترك في قائمتنا البريدية