نايبول: الروائي بائع النقانق

19 - أغسطس - 2018

4
حجم الخط

 

في حيثيات قرارها منح الكاتب الترينيدادي ف. س. نايبول (1932 ــ 2018) جائزة نوبل للأدب، استخدمت الأكاديمية السويدية صفة يندر أن تُسند إلى أديب: الـ Circumnavigator، أي الملاح الذي يكمل دورة تامة حول بحر أو محيط أو قارّة أو نهر. إنه ليس في مستقرّ إلا داخل نفسه، في صوته الذي لا يُحاكى (…) هو وريث [جوزيف] كونراد بوصفه راوي أقدار الإمبراطوريات بالمعنى الأخلاقي: ما تفعله بالكائن البشري»، قال شيوخ الأكاديمية.
الجائزة ذهبت إليه بوصفه روائياً (وليس بحكم صفاته الأخرى الشهيرة، ككاتب رحلات، أو منتقد مرير الهجاء لـ«العالم الثالث» عموماً والإسلام الآسيوي خصوصاً، أو نقيض أبرز ممثلي آداب ما بعد الاستعمار في المستعمرات السابقة…). المفارقة أنه كان، ساعة منحه الجائزة، في طليعة كارهي النوع الروائي، ومعه فنون السرد إجمالاً! قبل 2001، وطيلة عقد ونيف، نظّر نايبول بإسهاب لمقولته التي نعى فيها الرواية كجنس أدبي، معتبراً أنها ماتت منذ انبلاج فجر القرن العشرين، بل أنها لم تكن على قيد الحياة فعلياً إلا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وضمن هذا التبشير أشاع سلسة آراء ــ سفيهة، وسطحية، واستعراضية خفيفة ــ في هجاء كبار روائيي القرن المنصرم، أمثال إ. م. فورستر وجيمس جويس.
يُسجّل للأكاديمية، مع ذلك، أنها ألمحت إلى هذا التطوّر، ربما من باب تحصين قرارها الإشكالي، فقالت: «لفت نايبول الانتباه إلى أنّ الرواية كشكل فقدت كونيّتها، وأنها تفترض مسبقاً عالماً إنسانياً غير منتهَك من نوع تَحطّمَ عند الشعوب التي خضعت للغزو». أيضاً، توقفت الأكاديمية عند مثال شهير، حين كان نايبول يعدّ مسوّدات روايته المقبلة «خسران الإلدورادو»، في عام 1969، ثمّ «اكتشف أنّ عليه الالتزام بأصالة التفاصيل والأصوات، والابتعاد عن التخييل القصصي المحض». وهنا قد يساجل صاحب رأي بأنّ الجائزة كرّمت حصيلة أعمال نايبول الروائي، وكانت الأكاديمية السويدية تستكمل بذلك سلسلة جوائز (بوكر، و. هـ. سميث، بينيت، ت. س. إليوت، دافيد كوهن…) حصل عليها صاحب «منزل للسيد بيسواس»، الرواية التي وضعته في مصافّ كبار روائيي النصف الثاني من القرن العشرين.
وهذا سجال صائب بالطبع، لا يصحّ في المقابل أن تغيب عنه حقيقة كبرى تشير إلى أنّ كراهية نايبول المتأخرة للفنّ الروائي نهضت على ركائز ثقافية تخصّ مَقْتَ الأبعاد العميقة التي اكتسبها مفهوم السرد في مختلف حقول الدراسات الثقافية، والعلوم الإنسانية أيضاً. هذه كانت المفارقة الثانية التي لم يفلح شيوخ الأكاديمية السويدية في التنويه حولها، إذا لم يفترض المرء أنهم تجاهلوا الإشارة إليها عن سابق عمد؛ وكانت، إلى هذا، في قرارة استهتار نايبول بالجائزة، لدرجة انه رفض استلام مكالمة هوراس إنغدال، الذي اتصل باسم الأكاديمية السويدية ليزفّ إلى نايبول بشرى الفوز بالجائزة.
وفي خلفيات هذا الموقف من السرد، والرواية استطراداً، كان نزوع نايبول إلى تفضيل أدب الرحلة، على غرار عمله الشهير «في أوساط المؤمنين: رحلة إسلامية»، 1981؛ والذي ناقشه إدوارد سعيد، فاعتبر أن الرحالة فيه يأتي إلى بلدان الشرق محمّلاً بانحيازين مسبقَيْن: ضدّ ثقافة أهل البلد، وضدّ تحرّر البلد من الاستعمار الغربي! المصيبة التالية، يكمل سعيد، أنه يتقصد التعامي التامّ عن أحداث عظمى عصفت بالبلدان التي يزورها، فلا هو رأى جرائم الجنرال ضياء الحقّ في باكستان، ولا مجازر تيمور الشرقية في أندونيسا، وإيران عنده مجرّد بلد على حافة الهستيريا! إقبال أحمد، المثقف الهندي الراحل وأحد أبرز أصوات اليسار في الثمانينيات، علّق على كتاب نايبول الثاني، «ما بعد الإيمان»، 1998، هكذا: «هذه ليست كتابة. خير له أن يبيع النقانق»! شينوا أتشيبي، الروائي النيجيري الكبير، اعتبر أنّ نايبول «متعهد تموين جديد لتوريد الأساطير المريحة» التي يستكتبها الغرب الأبيض. وأمّا الشاعر الكاريبي الكبير ديريك ولكوت، حامل نوبل الأدب للعام 1992، فقد أطلق عبارة ثاقبة لا تتقادم مع الزمن: «لو كان موقف نايبول من الزنوج، بكلّ ما ينطوي عليه من مفردات السخرية القذرة، منصبّاً علي اليهود مثلاً، فكم من الناس كانوا سيمتدحون صراحته»؟
هذا عن الزنوج فقط، فكيف إذا كانت سخرية «السير فيديا» تشمل أبناء جلدته أيضاً، وأبناء المستعمرات السابقة، والآسيويين إجمالاً، وتسعة أعشار المسلمين أينما كانوا وأيّاً كان لون بشرتهم؟ مواقف سعيد وأحمد وأتشيبي وولكوت تذكّر، أيضاً، بالهوّة الشاسعة التي تفصل الاستقبال النقدي لأعمال نايبول، بين عالمَين: مديح واسع النطاق تغدقه عليه الأوساط الغربية، فتضعه في مصافّ كبار كتّاب عصرنا؛ وهجاء شديد يتردد في القارّات الثلاث، آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ويبلغ حدّ اتهام نايبول بانفصام الهوية، وكراهية الذات، والنفاق، والتزلّف.
لم يبع نايبول النقانق، بالطبع، لكنه واصل فضائحه اللفظية (لأنها لا تزيد عن هذه السوية)، كما حين صرّح بأنّ «الأفارقة لا يفهمون إلا لغة الرفس في المؤخرة»؛ أو حين استنكر أن تبلغ شأوه أي كاتبة على مدار التاريخ، لأنّ مكان المرأة هو تدبير المنزل وليس حبك الرواية. الأمر الذي لا ينفي روحية الاتجار بالنقانق، في نهاية المطاف!

نايبول: الروائي بائع النقانق

صبحي حديدي

التعليقات

  • سوري

    عزيزي صبحي أبدعت هذا الصباح وكم انا سعيد بقراءة هذا المقال عن بائع النقانق هذا وبلغة إخواننا في شمال افريقيا ” المرغيز” واشكرك من أعماقي


  • آصال أبسال

    /الـ Circumnavigator، أي الملاح الذي يكمل دورة تامة حول بحر أو محيط أو قارّة أو نهر/..
    أي /المُباحر (الحولي)/.. بوجيز العبارة.. لأن المقطع البادئ Circum- يعني /حول/ حرفيا..
    عندما رحل ف. س. نايبول في نفس اليوم الذي رحل فيه محمود درويش عن هذه الدنيا قبل عشرة أعوام.. كتبتُ تعقيبا على مقال الأخير.. /الزواج الأبدي بين الشعر والموسيقى/..
    اثنان وثمانون عاما بلا فيدريكو غارسيا لوركا.. وعشرة من الأعوام بلا محمود درويش.. واليوم الأول بلا ف. س. نايبول..
    الكاتب الروائي الترينيدادي البريطاني فيدياذار سوراج-براساد نايبول (1932-2018) الذي مُنح جائزة نوبل للأدب سنة 2001 لقدرته الأدبية الفريدة على التوحيد اللازم بين السَّرْد الفهمي أو الإدراكي المباشر وبين الرَّوْز الموضوعي الدقيق الذي لا يقبل الفساد في أعمال روائية.. من مثل رواية In a Free State.. أعمال روائية تجبرنا كقارئات وقراء مستقبلين ومستجيبين للنص الأدبي على رؤية الحضور السائد لتواريخ سادت ثم بادت أو حتى تمت إبادتها رغما عن أنوفها..


  • آصال أبسال

    على فكرة.. أنا لا أثق بتصنيفات لجنة جائزة نوبل.. هم لا يفعلون إلا ما يملي عليهم الوضع السياسي الراهن.. هم يتزلفون لمديح نايبول لأنه يمجد الاستعمار وينتقد الشعوب المستعمَرة بشكل أو بآخر.. أنا لست مع موقف نايبول من المرأة على الإطلاق.. لأن كل تعميماته مشتقة مما كان يلاحظه من زوجته /أو زوجاته/ من ملاحظات محدودة للغاية.. وهذا الموقف مرفوض كليا..
    يعني ماذا نتوقع من لجنة جائزة نوبل المتزلفة هذه.. عندما تقرر منح الجائزة إلى صامويل بيكيت.. وعندما لا تقرر منح الجائزة إلى جيمس جويس الذي تتلمذ على يديه صامويل بيكيت نفسه؟..


  • أسامة كليّة سوريا/ألمانيا Ossama Kulliah

    وشكراً جزيلاً أخي صبحي حديدي, هكذا اكتملت الصورة. مع خالص تحياتي.


إشترك في قائمتنا البريدية