ينمّي الهويات المحلية ظرفيا وموضعيا: البيئة التونسية الحالية تربة خصبة لنمو الحراك الاحتجاجي

20 - يناير - 2018

هشام الحاجي

0
حجم الخط

يعتبر التساؤل حول الحركات الاجتماعية والاحتجاجية أحد أهم الأسئلة التي تطرحها العلوم الاجتماعية في العقدين الأخيرين وذلك بالنظر إلى التحولات الهامة التي تعيشها الإنسانية والتي أدت إلى الابتعاد عن مفهوم الدولة الراعية التي كانت توفر الحضن الذي يؤمن الحد الأدنى من الرعاية والحماية والجماعية لكل أفراد المجتمع وهو ما جعل مفهوم ‘الهشاشة « مفهوما هاما في تحليل واقع المجتمعات المعاصرة. ويضاف إلى ذلك ما أصاب الهوية الوطنية من ارتباك نتيجة ظهور الهويات المكانية والجزئية التي غيرت من رؤية الفاعل الاجتماعي لأطر الانتماء والاحتجاج وسبل التغيير. وهذه الوضعية وسعت من مجال الحراك الاحتجاجي وأبرزته في أغلب المجتمعات البشرية وساهمت في التقليص من دور هياكل التأطير التقليدية كالأحزاب والنقابات خاصة وأن آليات اشتغال الدول قد كشفت عن اختلالات في إنتاج الثروة وخاصة في توزيعها. وليس من قبيل الصدفة أن يتزامن الحراك الاحتجاجي في تونس مع حراك تعيشه بعض المدن في المغرب الأقصى. وأشارت بعض المصادر المغربية إلى أن تكلفته فاقت 1.9 مليار دولار أمريكي وهو رقم مرتفع بكل المقاييس.
ولا شك أن معرفة ما يمكن أن تبلغه هذه الحركات الاحتجاجية يمثل أحد أهم الأسئلة التي تطرحها النخب الثقافية والسياسية في تونس وتختلف في تقديم الأجوبة باختلاف مواقفها من السياق السياسي التونسي في ظل اختلاف لم يحسم بعد حول صدقية سردية الثورة أو سردية الترتيب الخارجي والمؤامرة لتفسير ما حدث في 14يناير/كانون الثاني 2011. ويعتبر أنصار سردية الثورة أن الحركات الاحتجاجية ستواصل الاضطلاع بدور ضاغط من أجل إصلاح الاختلالات من ناحية وتحقيق أهداف الثورة من ناحية أخرى في حين يميل المنحازون لسردية المؤامرة أن الحركات الاحتجاجية ليست سوى الجانب الظاهر في مؤامرة متواصلة هدفها إضعاف تونس وإنهاكها. ولا يمثل الانخراط في هذا الجدل توجها مثمرا في ما يتعلق بالسعي لدراسة الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الحركات الاحتجاجية في مستقبل تونس. وفي تقديري فإن البيئة التونسية الحالية توفر تربة خصبة لنمو الحركات الاحتجاجية لسببين أساسيين على الأقل وهما:
– تنامي الهشاشة وتحولها إلى هشاشة معممة إذ أصبح الوضع السياسي هشا وازدادت الهشاشة الاجتماعية وتجلت الهشاشة النفسية علاوة على الهشاشة الثقافية.
– ضعف آليات التأطير والمراقبة إذ تراخت قبضة الدولة ولم تستطع هياكل التأطير الجديدة الإحاطة بالمواطنين.
وهناك عامل آخر يضاف إلى هذين العاملين ويتمثل في ما يتأكد من أن الحكومة التونسية قد أقرت العزم على القيام بـ»إصلاحات اقتصادية مؤلمة» وشرعت من خلال قانون المالية للسنة الحالية، وهو ما كان له انعكاس آني على الوضع الاجتماعي. وظهرت ردود فعل عنيفة في عدد من المدن والأحياء الشعبية. وإذا كان العنف مدانا ومرفوضا فإنه يمثل أيضا مؤشرا على شعور بالتبرم من العيش وعن الإحساس بانسداد الأفق وهو ما ينمي العدوانية في بعديها الفردي والاجتماعي، ويبرز شعورا متناميا بالإحباط وخيبة الأمل. إن الطبقة السياسية الجديدة قد رفعت سقف الطموحات الشعبية وفتحت أمام التونسيين والتونسيات أبواب جنة اتضح أنها غير موجودة، بل تعمقت المشاكل وتعقدت دون أن يبرز في الأفق بصيص أمل جديد. وفي ظل ضعف التأطير العائلي والمدرسي والسياسي خاصة في الأحياء الشعبية التي تحول عدد كبير منها إلى أحياء عشوائية لا تخضع للقانون وتكاد صلتها الوحيدة بالدولة تمر عبر تواجد الأمن وهو ما يعتبر في إطار توفير الحد الأدنى ضروريا، ولكنه لا يكفي لأن الشباب يحتاج إلى مؤسسات تأطير أخرى وإلى إشباع حاجاته الأساسية. وحين يغيب ذلك قد يتحول تحدي رجل الأمن إلى ما يشبه الثقافة الجزئية وإلى شكل من أشكال التعبير عن الذات.
والإشكال أن الأحزاب السياسية والمنظمات الوازنة تاريخيا كالاتحاد العام التونسي للشغل وجدت نفسها في وضع الملاحق لهذه الاحتجاجات التي تتم بعيدا عنها ولكنها تجد نفسها «مضطرة « للتعاطف معها وللانطلاق منها لإعادة التذكير بثوابت يرى البعض أنها تتحول أحيانا إلى ما يشبه «قميص عثمان» الذي يتمسك به البعض دون إيمان حقيقي به. وهذا ما يحيلنا إلى ما يمكن اعتباره حالة الاستعصاء التي تعيشها النخبة السياسية والاقتصادية التونسية التي لم تقدر لحد الآن على رسم طريق واضح للمستقبل بل ظلت تراوح مكانها وأصبحت الضغوط هي أداة التعامل بعيدا عن الاعتبارات المؤسساتية.
إن الوضع الراهن بقدر ما يؤشر إلى تواصل الحراك الاحتجاجي إلا أنه لن يكون مثمرا من الناحية السياسية إذ سيكون ظرفيا وموضعيا ينمي الهويات المحلية والمناطقية ولكنه لا يتجاوز دائرتها وإنْ كان يبرز الأمراض التي يعاني منها المجتمع.

ينمّي الهويات المحلية ظرفيا وموضعيا البيئة التونسية الحالية تربة خصبة لنمو الحراك الاحتجاجي

هشام الحاجي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية