الانتحار اللبناني في سورية!

حجم الخط
20

بصرف النظر عن نتائج المعارك التي تدور في ريف حمص وحول مدينة القصير، فإن ما يجب الاشارة اليه، هو ان عناصر حزب الله الذين يقاتلون الى جانب النظام السوري وشبيحته، يرتكبون اليوم الخطأ الأساسي القاتل في تارخهم. وان نتائج هذا الخطأ الكارثية لن تنحصر بــــهم، بل ستمتد الى الطائفة التي يحتكرون تمثيلها، وستشمل لبنان بأسره، لأنها ستكون اللعبة الانتحارية الأخيرة والنهائية، في تاريخ الانتحارات التي صنعتها البنى الطائفية اللبنانية المقاتلة، خلال العقود الأربعة الماضية.
قلت انه يجب الاشارة الى الخطأ ولم أقل التحذير منه، لأن اوان التحذير قد فات كما يبدو، ولم يعد هناك اية قوة معنوية تستطيع التأثير على القرار الصادر من طهران، والذي ينفذه حزب الله بالاشتراك مع الحرس الثوري الايراني وفيلق القدس.
انه الخطأ القاتل، الذي كنا نعتقد ان براغماتية قيادة حزب الله لن تسقط فيه، لكن يبدو ان الطبع غلب التطبع، كما تقول العرب، وان البنية الدينية- الطائفية، لا تستطيع ان تعلو على طبيعتها التكوينية، بوصفها جزءا من التفتت الاجتماعي السياسي الذي صنعه المرض الطائفي من جهة، كما ان ارتباطها بنظام ولاية الفقيه، يضيّق عليها خياراتها، لتجد نفسها تقاتل في حمص وريفها، تحت مظلة خطاب لا علاقة له بالخطاب المقاوم الذي صنع هالتها الرمزية في مرحلة سابقة.

نعود الى جذر المسألة، اي الى تقاطع المصالح بين ايران الخمينية وسورية الأسدية، الذي قام بتلزيم مقاومة الاحتلال الاسرائيلي في لبنان الى طرف حصري هو حزب الله. لقد حصل التلزيم والالتزام بالقوة والعنف، وتم طرد اليسار العلماني، الذي اسس المقاومة الوطنية ضد الاحتلال عشية سقوط بيروت عام 1982. يشهد التاريخ المنسي والمحجوب، على التصفيات الدموية التي تعرض لها الشيوعيون من اجل اخراجهم من معادلة المقاومة التي اطلقوا شرارتها، ولقد وصلت هذه التصفيات الى ذروتها مع اغتيال عدد كبير من قيادات المقاومة وكوادرها وعلى رأسهم الشهيدين الكاتب حسين مروة والمفكر مهدي عامل (حسن حمدان).
والحق يقال، ان طرد اليسار العلماني من المقاومة شكّل نقطة سوداء في تاريخ لبنان، لأنه اسدل الستار على امكانية بناء وحدة شعبية لبنانية مقاومة خارج الاصطفاف الطائفي.
لكن نجاح العملية لا يعود فقط الى القمع الذي تعرض له اليساريون على ايدي حزب الله وحركة امل، بل الى عوامل ذاتية، كان ابرزها انهيار الهيكل السوفياتي من جهة، وضياع قيادة الحزب الشيوعي بين خياري المقاومة والمشاركة في الحرب الأهلية، خصوصا في حرب الجبل الدموية، من جهة ثانية.

لكن الذاكرة الشعبية اللبنانية والعربية كانت ميالة الى غفران هذه الخطيئة، بسبب التفاني والجدّية اللذين ميزا عمل المقاومة الاسلامية، بحيث تحقق انتصار تاريخي عام 2000 عبر اجبار قوات الاحتلال الاسرائيلية على الانسحاب من الجنوب المحتل الى حدود لبنان الدولية بلا قيد ولا شرط. وهذه سابقة في الصراع العربي- الاسرئيلي كانت كفيلة بتغيير معادلات افق هذا الصراع، لو لم يبدأ حزب الله سقوطه في المعادلة الداخلية الطائفية اللبنانية منذ انسحاب جيش النظام السوري من لبنان عام 2005.
كانت حرب تموز عام 2006 مؤهلة لأن تعيد البوصلة الى مكانها الطبيعي، لكن المحور السوري- الايراني قرر ان حزب الله بقوته العسكرية المتنامية يشكل بديلا لهيمنة النظام السوري المتلاشية، ويستطيع ان يعيد عبر هذه القوة استتباع لبنان لهذا المحور.

الأخطاء المتراكمة منذ 2005، اوصلت حزب الله الى طريق مسدود، خصوصا بعد اندلاع الثورة السورية، بحيث صار حزب المقاومة ضد الشعب السوري! وصولا الى قرار الاشتراك في العمليات القتالية داخل الأراضي السورية في ريف دمشق ومنطقة حمص.
هنا سقط الحزب في الخطأ المميت، وصار عنصرا في تسعير التوتر الطائفي في سورية، الذي حاوله الأسد منذ لحظة بداية الثورة الشعبية، وشاركت في تسعيره للأسف بعض القوى المسلحة في الثورة عبر خطاب تكفيري اصولي.
ما يقوم به حزب الله اليوم تحت حجج واهية، كحماية المقامات الشيعية في منطقة دمشق، او الدفاع عن لبنانيين من الطائفة الشيعية يقيمون في ريف حمص، هو فتح احتمالات الجحيم والغاء حدود لبنان.
الجحيم الذي يبدأ اليوم لا علاقة له بهوية المنتصر في سورية، فبعد السقوط الفعلي للنظام الأستبدادي، لم يعد الخيار هو بين انتصار الشعب او النظام. النظام لن ينتصر ولا يستطيع ان ينتصر، بل صار الخيار هو بين انتصار المعارضة او الذهاب الى خيار تقسيمي مستحيل، اي الى خيار حرب اهلية طويلة.
وفي الحالين فان قرار الاشتراك في القتال في سورية هو انتحار حتمي. ففي حال انتصار المعارضة، فإن الجروح التي تصنعها مشاركة حزب الله في القتال لن تندمل بسرعة، كما ان قيامه بكسر الحدود اللبنانية السورية، سوف يعني ان اعادة ترميم هذه الحدود ستكون بالغة الصعوبة، وبذا فإنه يؤسس انتحارا لبنانيا جماعيا، عبر احتمالات انتقال القتال الى البقاع بشكل رئيسي. اما في حال الذهاب الى الحرب الطويلة، فإن هذا يعني ان لبنان سيكون احدى ساحاتها الرئيسية، مما يعني ان حزب الله سوف يفقد نهائيا الأرض التي يقف عليها.

هل كان هذا المسار حتمياً.
على الرغم من عدم ايماني بالحتميات التاريخية، فإنني اخشى ان يكون هذا المسار لا بديل له. فالبنى الطائفية تستطيع ان تمتلك الكثير من المزايا وعلى رأسها القوة العسكرية، لكنها لا تستطيع ان تمتلك العقلانية التي تحميها من الانتحار.
لا يمكن للمقاومة ان تكون ملكا لطائفة رغم كل ما يختزنه تاريخها من تضحيات، مقاومة العدو الوطني تكون ببنية عابرة للطوائف وتستند الى فكرة الدفاع عن الوطن والوحدة الشعبية، اما البنى الطائفية فهي بنى تفكيكية، تقسم المواطنين على اساس انتماءاتهم الدينية، وبذا تدفع بهم الى الانتحار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول احمد:

    هذه المقالات ليست بالضرورة ان تكون صحيحة فهي تحليل وتحليل جيد ولكنه يحتاج الى عمق الموضوع ان المعركة القائمة لا نستطيع التكهن كيف ستكون نهايتها فالذي يحصل من حرب اعلامية وتضليل تؤثر كثيرا على الراي العام ولكن الحرب ليست محصورة بالفكرة او بالخبر الفلاني والعمل الفلاني والمفاجئات كثيرة جدا والوضع معقد جدا وهناك احتمالات كثيرة ونحن مجرد مراقبين ولسنا لاعبين والدليل لو كان الوضع الحالي نتيجة تطور فكري معين او ان المثقف العربي يقود الحالة الراهنة لرأيت الامور على عكس ماهي والاحداث لاتخضع للمنطق ابدا فكل ما يحدث غير منطقي على الاطلاق لن نلوم اي احد على فعله ولكن نطالب المثقف العربي بان ياخذ دوره الحقيقي على الساحة فالقادم اكثر صعوبة وتعقيدا من الراهن .
    ويجب الان البحث في تطوير العمل بعيدا عن الحرب فالمحاربين كثر ولكن الاستعداد من كل الاطياف غير موجود دعونا نفكر كيف سنواجه مابعد هذه الازمات وترميم الجراح .

  2. يقول الحاج محمد:

    ترك العرب مقاومة الاحتلال الصهيوني للقدس الشريف و اصبحوا يقاوموا من يقاوم انه زمن الرويبضة—–اللهم انصر من نصر الاسلام و خذل اللهم اعداء الدين و من ولاهم انك قريب مجيب

  3. يقول عبد السلام:

    اريد التنبيه فقط الى نقطة مهمة واساسية حتى لا يتم استغباؤنا او ما شابه لماذا يعطى حق التدخل في الشؤون السورية للكل بدءا من اسرائيل وأمريكا واذنابهم وتحرمون ذلك على الجهة المقابلة لهذا الحلف العالمي مع ان العاقل يستطيع ان يميز ببساطة ان من تدعمه اسرائيل وامريكا فهو بالطبع لا يخدم المشروع الاسلامي وانما هو مجرد عميل شاء ام ابى علم اولم يعلم

  4. يقول mujtaba Adam:

    I never see a Society destroying itself like arabs. Thanks God i’am Muslim but not an arab

    1. يقول ام طلحة:

      Unfortunately, Arabs are so busy fighting each other, yet, sometimes you can not win a war when somebody is hitting you in the back!!through out history, a certain sect proved in every possible way that it has always a different agenda, and that its sole objective is to deteriorate the power of their “brothers” !!

  5. يقول ابن الجنوب:

    النصر لسوريا المقاومة بقيادة بشار الاسد

  6. يقول mikefawaz:

    لعل البعض منكم يذكر طبيعة مقاومة إسرائيل قبل دخول المقاومه الإسلاميه هذا الميدان.كان اليسار مخترقاً من أكثر من جهاز إستخباراتي إما حليف للصهيوني أو هو صهيوني أو الإثنان معاً.لم ترجع مجموعه مقاتله سالمه مطلقاً بل كانت تُقتل أو تؤسر في الدقائق الأولى لأي معركه مع الإسرائيلي الذي كان بإنتظارها.كانت إسرائيل تعلم بإنطلاق المجموعه قبل إنطلاقها.هذا كان سبب أولي لعدم تمكن المقاومه الوطنيه اللبنانيه من تحقيق أي إنتصار ميداني أو تحرير شبر واحد من الأرض اللبنانيه المحتله.لقد فشلت هذه المقاومه اليساريه حيث نجحت المقاومه الإسلاميه.السبب الثاني لفشل اليسار اللبناني في تحرير الأرض هو تكتيك “القتال من بُعد” بدل الإشتباك الفعلي،عدا بعض الحالات التسلليه النادره.كان “الفدائيون” ينصبون قواعد “الكاتيوشا” المزوده بجهاز توقيت في القرى الحدوديه ويؤقتون ساعة التفجير ثم يغادرون الى مقاهي وحانات صور لإحتساء الشاي وما تيسر.وتنطلق هذه القذائف تلقائياً نحو وجهتها ولا تمضي دقائق معدودات حتى تُطلق إسرائيل جمّ غضبها على القرى الوادعه حيث المكان التي إنطلقت منه قذائف “الكاتيوشا”.أما إذا إحتج أبناء القرى المدمَره فإنهم كانوا يُنعتون بأبشع أنواع النعوت،هذا إذا لم “يُصفّى” البعض منهم.سبب آخر لفشلهم إستعدائهم للمواطنين والتعدي على كرامتهم وأملاكهم وأعراضهم عدى عن قتل وخطف إبنائهم.لا تنجح مقاومه لا يحتضنها شعبها. سبب آخر للفشل كان سيطرة العنصر الفلسطيني على القرار والسلاح والمال،والبديهي أن الفلسطيني لم يكن على إلمام بطبيعة الأرض والجغرافيا والناس وكان يقاتل في جغرافيا غريبه وحاضنه غير حاضنه. إنتبه حزب الله لهذه السببيه فجعل من أبناء القريه قوه دفاعيه عن قريتهم وبالتالي فإنهم الأعلم بتضاريسها وناسها.أسباب الفشل عديده ومتنوعه والتنظير بعد الحدث هو غيره خلال الحدث أو قبل وقوعه لذا تراني أصاب بالدهشه لمن يلوم حزب الله لإستبعاده القوى اليساريه المخترقه إستخبارياً وإستئثاره بالمقاومه وبإستراجيتها.خيّر حزب الله هذه القوى اليساريه بأن :أولاً أن تنسق معه وثانيا أن تقاتل “داخل”الأرض المحتله وبالتالي ممنوع نصب “الكاتيوشا” بين البيوت والتراجع إلى صور.من بقي بقي وقاتل ومن لم يقبل تراجع وقاتل الحزب والحركه في بيروت.كانت المقاومه صادقه بهذين الشرطين فنسقت بينها ونفذت سائر عملياتها في قلب الداخل المحتل عدا المقاومه الدفاعيه وكان قصفهم للمستعمرات من بعيد.إن باب التطوع لا زال مفتوحا لمن أراد القتال ولكني،للآن، لم ألحظ طابورا واحداً ممن يدعّي معاداة إسرائيل ينتظر دوره للإنتساب لهذه المقاومه.إنهم لا يقاومون حتى لفظياً.أخيراً،أي خيرٍ تتوخى من مقاومة يساريه يقودها بيك إقطاعي متقلب إستقبل شارون في قصره بالمختاره ونسق مع الإحتلال ومن يشك بصحة هذا التنسيق لم يكن قد مرّ على معبر “باتر” ولم يرى الجندي الإسرائيلي جنباً لجنب عناصر “الإشتراكي” ولم يشاهد أكرم شهيّب على يو تيوب.أنا عبرت “باتر” وشاهدت يو تيوب وللأمانة شاهد.

  7. يقول جزائري سوري:

    أريد ان أطرح سؤال على كاتب المقال المحايد
    ماذا بشأن المقاتلين الليبيين و التونسيين و اليمنيين و السعوديين و الاتراك و الشيشان و الافغان و العراقيين و الباكستانيين و اللبنانيين الأشاوس الذين يقاتلون مع الارهابيين ضد الجيش العربي السوري أكفاكم نفاقا يا عرب

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية