التهمة: حيازة كاميرا.. ياللهول!

حجم الخط
23

كما أن ‘عمر الشقي بقي’ كما يقول المثل الشعبي، فان ‘الشقي يعضه الكلب في السوق’، كما يقول مثل آخر، نورده بتصرف، ففي الزحام يترك الكلب الحشود البشرية، وينهش شخصاً بعينه هو ذلك الشقي، وزميلنا محمد بدر المصور بقناة ‘الجزيرة مباشر مصر’ هو ذلك الشقي.
محمد، ولأنه ‘قليل حظ’، و’قليل الحظ’ كما ورد في مثل شعبي أيضاً ‘يجد العظم في الكرشة’، فقد قاده الحظ العاثر، لأن يذهب لاداء عمله، عندما احتشد اخواننا الصعايدة بميدان رمسيس، ذات ليلة من ليالي الشهر الفضيل، انحيازاً للشرعية، وهو ما مثل اكتشافاً فكان من بين الذين ألقي القبض عليهم، والاتهامات المنسوبة اليه تكفي لأن يلبث في السجن ليوم يبعثون.
بالمصادفة اكتشف المتظاهرون أن ميدان رمسيس، الذي يمثل ‘صرة القاهرة’، وشريان الحياة بها، هو أكثر تأثيراً من ميادين: ‘التحرير’ و ‘رابعة العدوية’، و’نهضة مصر’، وغيرها من الميادين، ولو انتبهنا له في ثورتنا يوم 25 يناير، لما ناضلنا حتى نصل الى ‘التحرير’، وقد تعاملت قوات الأمن على أن دخولنا الميدان معناه ان النظام قد سقط، فتعاملنا على ان وصولنا اليه هدف عظيم، وبعد يوم عصيب من القصف بالقنابل والرصاص المطاطي تمكنا بحول الله من دخوله، فشعرنا بالانتصار، وشعرت الشرطة بالهزيمة ولت الادبار!
‘ميدان رمسيس’ يطلق عليه أيضاً ميدان ‘باب الحديد’، وكان به تمثال ‘رمسيس’ الشهير، وقد خاض وزير الثقافة الأسبق حرباً اعلامية من اجل نقل التمثال، بحجة انه يتعرض لعوامل التعرية في هذا المكان، وأن حياته معرضة للخطر (!) ولأن الاثم هو ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، فلم يعلن الوزير عن هدفه الحقيقي من عملية النقل، وكان من يرفضون نقل التمثال الضخم يعرفون ذلك ولا يجهرون به أيضاً، حتي لا يقال أنهم يعارضون يكون تمثال مبارك في هذا المكان المهم والتاريخي، في وقت كان فيه مبارك محمية طبيعية لا يجرؤ احد على الاقتراب منه ولو بشطر كلمة، وقلة من كانوا يفعلون ذلك، كان من بينهم الشيخ صلاح ابو اسماعيل، والد حازم.
حملة الرفض والتأييد استمرت عدة سنوات، وعندما تم النقل مؤخراً، كان الاحراج هو سيد الموقف، فلم تتم صناعة تمثال لمبارك، وان كانوا قد سموا في وقت سابق المحطة الأكبر لمترو الانفاق باسم ‘مبارك’، وكان الأوجب ان تكون محطة رمسيس، وهي بحكم الترتيب لا يعد اطلاق اسم مبارك عليها تعسفاً، فليس منطقياً ان تكون البداية محطة مبارك، فعبد الناصر، فأنور السادات.. أو السادات، ناصر، مبارك، لكن لا بأس فقد قامت الثورة و اصبح اسمها: ‘محطة الشهداء’، وقد كانت محطة الترام قبل ان يلغى يطلق عليها ‘كوبري الليمون’، كما يطلق على محطة القطار ‘محطة مصر’، ولأن اهلنا الذين جاءوا من الصعيد للمشاركة في اعتصام ‘رابعة العدوية’ انحيازاً للشرعية نزلوا من القطار ووجدوا قوات الامن التي حالت دون زحفهم الى ‘رابعة’ فقد اكتشفوا بالمصادفة وعلي طريقة صاحب عبارة ‘وجدتها’، أهمية الاعتصام في ‘ميدان رمسيس’.

فضائيات الثورة المضادة

بعد ساعات من توقف الحياة في القاهرة، تم السماح لهؤلاء بالزحف، لكن بعد أيام جاءوا مرة أخرى وكان ‘ميدان رمسيس’ هو هدفهم، ولم يكن لقوات الأمن ان تتركهم، فقامت بالقاء القنابل المسيلة للدموع من فوق كوبري السادس من اكتوبر، فصعدوا الى الكوبري هرباً من الاختناق، والتصدي لمن قذفهم، واستغلت صورهم أعلى الكوبري للتأكيد على أن المتظاهرين الموالين للرئيس محمد مرسي هم من قطاع الطرق، أو بالأحرى الكباري، واحتشدت فضائيات الثورة المضادة، ومقدمي البرامج ليشوهوا المتظاهرين، ويقوموا بشيطنتهم، ولأن وجود محمد بدر وغيره في هذه الحالة، من شأنه ان ينقل الصورة الحقيقية للناس، فقد كان هدفاً لقوات الأمن الباسلة، وغنيمة تستحق أن يلقى القبض عليها.
منذ البداية، كان المستهدف تعتيم الشاشات التي تنقل الحقيقة، حتى يقال للعالم الخارجي ان الشعب المصري خرج مطالباً باسقاط الرئيس الشرعي والمنتخب، ولم يكن أمام الفريق أول عبد الفتاح السيسي الا أن يستجيب له، على قاعدة ‘دعاني لبيته’، فكان البيان الخاص بأن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه، أو يأتي له بقالب حلاوة طحينية، ومن يوم ما الحلاوة الطحينية توقف بيعها بالقالب، وصارت تباع بالعلب، وأنا اشعر أن البركة غادرت منطقة الشرق الأوسط.
لقد جرى تسويد الشاشات المنحازة للشرعية، أو تلك التي تنقل الحقيقة، والتي سيقف العالم من خلالها على أن هناك شعباً آخراً يسمي ما جرى باسمه انقلابا عسكريا، وأن هناك شعبا يعتصم في الميادين انحيازاً للشرعية.
في مكتب قناة الجزيرة بالقاهرة، وقف العالم كله لحظة الاقتحام، على أن الرأي الآخر المنحاز للانقلاب ويرى انه ثورة شعب، ممثلاً بأغلبية، اذ كان هناك عبد الخالق فاروق، وحسن نافعة، مع نوران سلام، التي كان كان حظها السيئ ان تكون وهي الرقيقة على الهواء مباشرة، لحظة الحضور الأمني المرعب، على نحو خشيت معه ان تكون قد ‘قطعت الخلف’ من جو الرعب الذي أحدثوه، وهي لحظة صادمة، أظن انها في هذا الحين ظنت انها في بغداد، لحظة الغزو الأمريكي لهذه المدينة، وأنها وجهاً لوجه مع ‘العلوج’.

من المريخ
بدت قوة الاجتياح لمكتب الجزيرة، كما لو كانت هبطت تواً من كوكب المريخ على الكرة الأرضية، فجاءت من زمن أفلام الأبيض والاسود، ولم تعلم أننا في زمن السماوات المفتوحة!
وهم يقتحمون المكتب، كان قد تم قطع البث، وفوجئ قائد قوات الغزو المبارك، بأن جهاز التلفزيون لا يزال يعمل، اذ ظن بحكم انه قدم تواً من المريخ أن قياداته هي التي تدير عجلة الكون، وأنها لو اتخذت قراراً بوقف دوران الأرض حول نفسها لتوقفت، وما داموا قد قطعوا الارسال، فلا يمكن أن يعمل أي جهاز تلفزيون ولو في السند او في الهند، لكنه مع انقطاع البث من مكتب القاهرة، كان التلفزيون يعمل من استوديوهات القناة بالدوحة، فاندهش لذلك ونقل دهشته لقياداته، ثم توصل بعقليته الأمنية الفذة، الى أن المشكلة في التيار الكهربائي، فقام بوقفه، فتوقف جهاز التلفزيون عن الكلام المباح، وربما ظن بما فعل أنه قطع الكهرباء عن كل ارجاء المعمورة، وربما اعتقد أن كل تلفزيونات الكرة الأرضية، توقفت كما توقف جهاز التلفزيون الخاص بمكتب قناة الجزيرة لحظة قطع التيار الكهربائي.
سلطة الانقلاب غاضبة على الجزيرة، والاتهام أنها غير محايدة، وأنها منحازة لميدان ‘رابعة العدوية’ وميدان ‘النهضة’، مع أن الرأي الآخر كان ممثلا فيها على النحو الذي وقف عليه العالم كله، لحظة اجتياح مكتب القاهرة، وفي ايام مظاهرات التحرير فان شاشتها تنقسم الى قسمين، لكن المطلوب منها حقيقة أن تكون كمحطات ‘سي بي سي’، و ‘اون تي في’، و’الحياة’، والتلفزيون المصري الرسمي، وهي فضائيات لا تعترف بالصورة الأخرى فلديها صورة واحدة معتمدة.
وصرنا أمام اسطوانة مشروخة تعمل هذه الأيام باستمرار، فيحدث عندما تتم استضافة احد من الموالين للانقلاب، وقبل أن يقول: يا هادي، فانه يؤكد على ادانته لاداء الجزيرة غير الموضوعي والمنحاز لمن هم في ‘رابعة’، مع أن وجود الضيف الكريم كاشف عن احتفاء بالرأي والرأي الآخر، وبدا لي من المبالغة في ترديد هذه الاسطوانة، أن جهة ما تقف وراء هؤلاء وتطلب منه ذكر هذا، حتى تنجح حملة تخوين الجزيرة، مع أن الحملة بدأت منذ عهد المخلوع وعامله على ماسبيرو الرائد متقاعد صفوت الشريف وفشلت.

الشيطنة
لا بأس، للجزيرة رب يحميها، فالبأس الشديد ليس في أن هؤلاء ينحازون للمهنية وقد خرجت عليها الفضائية المذكورة، ولكن كان المستهدف تغييب الصورة الأخري وحتى لا يشعر الرأي العام العالمي أن هناك شعباً اخراً يرى ان ما جري انقلاباً ويطالب بعودة الرئيس المنتخب، وتلك هي مشكلة محمد بدر، الذي هرول لتغطية مظاهرات ‘ميدان رمسيس’، في ليلة احتشدت فضائيات الثورة المضادة لشيطنتهم، ضمن حملة شيطنة هذا الفصيل بالجملة والقطاعي.
لقد اتهمت اجهزة الأمن محمد بدر بالقتل وقطع الطريق، وهما تهمتان لا تجتمعان، ففي الاولى ولأن القتلة كلهم من الاخوان، فانه يكون من ‘المواطنين الشرفاء’، الذين يتصدون كثيرا للمتظاهرين من فصيل واحد هو الموالي للشرعية، فكل القتلى قتلهم ‘المواطنون الشرفاء’ وليس الشرطة، وكل المصابين سقطوا بعد تدخل ‘المواطنون الشرفاء’، وكل المقبوض عليهم دائماً هم من الفريق الذي ينتمي اليه القتلى والمصابون، ولم نسمع أنه تم القبض على ‘مواطن شريف’ لأنه قتل الآخر أو اصابه، ولو من باب تكريمه، مع أننا في زمن لابد أن يكرم فيه ‘المواطنين الشرفاء’.
لكن في المقابل، فان محمد بدر كان يحمل كاميرا، وبحوزته اجهزة بث، على نحو ينفي عنه ان يكون قاطع طريق، ينتمي الى فريق الشرعية، أو من ‘المواطنين الشرفاء’ الذين ينحازون الى ما جرى يوم 30 يونيه واستدعى التدخل لاسقاط الرئيس محمد مرسي!
في المسلسل الرديء الذي يعرض على الشاشات في رمضان هذا العام: ‘العراف’ روى احدهم كيف اعترف امام البوليس بأنه ‘حشاش’، ويتعاطي المخدرات، عندما اقتحموا منزله فظن أنهم يقبضون عليه بتهمة سياسية، فسجنوه بتهمة التعاطي!
بدر قال انه مصور بالجزيرة، فكان الاتهام هو ‘حيازة كاميرا’ وكانت هذه مناسبة طيبة لنقف على أن ‘حيازة الكاميرا’ تهمة يعاقب عليها القانون، وأعكف الان على البحث عن النص القانوني الذي يجعل من ‘حيازة الكاميرا’ تعادل ‘حيازة المخدرات’، بيد أن المشكلة انهم لم يأخذوا المتهم بدر بالتهم التي اعترف بها على نفسه فقط، فهو الآن يحاكم بتهمة قتل المتظاهرين وقطع الطريق، وأيضاً ‘حيازة كاميرا’.
كل من يملك هاتف نقال بكاميرا يتخلص منه فوراً وقد أعذر من أنذر.

صحافي من مصر
[email protected]

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

  1. يقول Mohamed:

    حياك الله وتحيه لكل شريف من ابنا مصر ومنهم في الميادين من اجل الشرعية ونسأل الله الكريم أن يجنب مصر كل مكروه

1 2 3

إشترك في قائمتنا البريدية