الفضائيات العربية… فقر البرامج وأنيميا التمويل وتوجيه السياسات!

بلغ عدد المحطات التلفزيونية العربية، بحسب الإحصاء الذي أجري قبل خمسة عشر عاماً، نحو 305 محطات، بخلاف بعض المحطات التي لم تشملها الإحصائية لوجودها في مرحلة التجريب آن ذاك، ومحطات أخرى ظهرت واختفت سريعاً، لعدم الجدوى، كقناة «التنوير» المصرية التي تشابهت في موادها وبرامجها مع «القناة الثقافية»، فألغيت وتم توزيع العاملين فيها على المحطات المختلفة، بينما ظلت حزمة أخرى من الفضائيات مجرد عناوين ولافتات ومقرات ضيقة داخل ماسبيرو، تكتظ بالعاملين الآملين في التوظيف والتسكين، على درجة إعلامية حكومية متميزة.
وبالفعل عملت القنوات المعنية فترة وجيزة وأغلقت، أو تعطلت لأنها لم تستطع مسايرة القفزات السريعة في أداء القنوات المنافسة، ولم تتوافر لها عوامل البقاء والنجاح، وباتت الآن أثراً بعد عين ومنها، على سبيل المثال، قناة المنوعات والأسرة والطفل والتعليمية والعلمية وغيرها. وقد تسبب هذا الانفتاح الفضائي غير المدروس في إشكالية كبيرة لا تزال آثارها الجانبية باقية حتى اللحظة، وهي من مساوئ المرحلة، التي بدأت بإطلاق الأقمار الصناعية نايل سات، وإحداث وفرة كبيرة في عدد المحطات الشاغرة، التي كان مطلوباً استثمارها لتعويض ما أنفق عليها من ملايين الدولارات بغير الحاجة الضرورية لها.
مجموعة القنوات المصرية دخلت بطبيعة الحال ضمن الرقم القياسي لجملة المحطات العربية الأخرى، ورغم وصولها من حيث العدد لأكثر من 305 محطات، وبثها لما يزيد على 9000 ساعة إرسال سنوياً، إلا أن إنتاجها العربي من البرامج لم يتجاوز خلال العشر سنوات الماضية 4000 ساعة، أي أنها لم تُغطِ نصف ساعات الإرسال، الأمر الذي يترجم قدراً كبيراً من الخسارة، ويضطرها إلى الاستعانة بالمواد الأرشيفية، أو اللجوء إلى تغطية مباريات كرة القدم، والمهرجانات الفنية الدولية والمحلية، والفعاليات الثقافية لملء الفراغ وسد العجز في المواد الإنتاجية.

مجموعة القنوات المصرية دخلت بطبيعة الحال ضمن الرقم القياسي لجملة المحطات العربية الأخرى، ورغم وصولها من حيث العدد لأكثر من 305 محطات، وبثها لما يزيد على 9000 ساعة إرسال سنوياً، إلا أن إنتاجها العربي من البرامج لم يتجاوز خلال العشر سنوات الماضية 4000 ساعة

ويرجع ضعف الإنتاج في معظم القنوات الفضائية العربية، لاسيما المملوكة للأفراد، إلى عدم وجود مصادر إعلانية كافية تعادل نفقات البث، وتُغطي تكلفة الإنتاج، ولكي نتمكن من تحديد الفجوة بين رأس المال الفعلي المطلوب للتشغيل، والعائد من سوق الإعلانات، يجب رصد الفارق الرقمي بين العنصرين، حيث تتجاوز قيمة رأس المال في الفضائيات العربية سنوياً حوالي 3 مليارات دولار، وفق آخر القياسات، التي جرت منذ أعوام، وبالطبع زادت معدلاتها إلى أضعاف هذا الرقم، في حين أن إجمالي عائد الإعلانات لم يرتفع في الفضائيات ذاتها فوق 110 ملايين دولار سنوياً، اللهم إلا بزيادة طفيفة لا تزد عن نسبة 3%.
وفي محاولة لتقليل حجم الخسارة، يلجأ أصحاب الفضائيات إلى البحث عن مصادر للدعم بصور متعددة لتوفير السيولة المطلوبة، كما تتطلب عملية تعويض الخسارة الارتقاء بالمستوى المهني، وهذا يزيد من التكلفة المادية للبرامج، ويقلص فرص استقلال المنظومة الإعلامية الخاصة، لأن المحافظة على التوازن الاقتصادي للمحطات التلفزيونية المرئية والمسموعة مرهون بدعم الدولة واحتوائها لعملية الإنتاج والتكلفة.
وهذه النقطة الجوهرية في مسألة المستقبل المضطرب للفضائيات الخاصة وثّقتها عفاف طبالة الرئيسة السابقة لقناة «الدراما المصرية»، في رسالتها الأكاديمية، حين حصلت على درجة الدكتوراه في الإعلام المرئي، بإشارتها إلى مخاطر الخصخصة الإعلامية، وانحيازها إلى بقاء المحطات الرسمية، والعمل على تطويرها بدلاً من تفكيكها والاعتماد الكلي على الإعلام الحر. لأن في تطبيق نظام الخصخصة تهديد للقاعدة الإعلامية قاطبة وتأثير سلبي على مصالح الجماهير والمجتمع المدني على عكس ما يتردد بشأن حرية الإعلام الخاص، وتحرره من قبضة السُلطة، ذلك أن طبالة ترى في تفكيك منظومة الإعلام الرسمي انتقال للسُلطة من يد الدولة إلى يد المستثمرين وأصحاب المصالح، وهو ما يؤدي إلى تفعيل ديكتاتورية الفرد، وزيادة نفوذ القطاع الخاص، الذي لا يهتم إلا بالربح والمكاسب الشخصية، ولا يشغل باله بالحيز الإنساني المُتعلق بحقوق الطبقة المتوسطة والطبقة الفقيرة. غير أن وجود الإعلام الخاص بكثافة يقود بدورة إلى سياسة الاحتكار، بحسب تأكيد عفاف ويؤدي إلى استحداث مبدأ العمالة المؤقتة، وهو ما يؤثر بالضرورة على مستوى النجاح، ويُغلق أفق التقدم والتطور أمام كافة الفضائيات التي تتولد عراقيلها ومشكلاتها من داخلها بالإصرار على اتباع المنهج الاستثماري على حساب القضايا الأساسية، وهذا الأسلوب لا يخص قطاعاً إعلامياً بعينه، وإنما هو سمه عصرية عامة أدت إليها عوامل كثيرة يأتي على رأسها تخلي الحكومات العربية عن مشكلات وهموم شعوبها، فأفسحت المجال لصياح الفضائيات كرد فعل لغياب الحماية، وقد وجدت الجماهير المأزومة في ذلك ملاذاً، ولكنها اكتفت بالفضفضة وغضت الطرف عن الحلول الجذرية للأزمات الواقعية المتفاقمة والمتسعة والخارجة عن كل الأطر والمعالجات.
٭ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

  1. يقول علي:

    هذه فضائيات دعائية وليست إعلامية . إنها تردد ما يقوله العسكري الديكتاتور الدموي، لا تخرج عنه قيد أنملة، وتسهم عواصم الأعراب الأشد كفرا ونفاقا وجهلا في تمويل الفضائيات الخاصة التابعة له، وبجواره فضائيات الإعلانات والبطاطين والتخسيس وجلب الجبيبوالأعشاب الضارة ،ويسميها العامة بفضائيات النصب والاحتيال. لا يوجد إعلام في مصر، لأن الإعلام مهنة لا تعرف طريقها إلى عقول الطغاة.

إشترك في قائمتنا البريدية