انتقد محمد حرب، المؤرخ المصري وأحد أهم المتبحّرين العرب في مجال دراسات التاريخ العثماني، في كتابه «العثمانيون في التاريخ والحضارة» ما سبق أن أورده برنارد لويس (1916- 2018) إبان تعرضه لتاريخ جامعة إسطنبول التركية، فدافع عن إسلامية نشأة الجامعة، التي يرجع تاريخ إنشائها إلى عام 1453 وهو التاريخ المرتبط بفتح المدينة على يد السلطان محمد الفاتح. يقول حرب إنه، وبعكس ما ألمح لويس، فإن هذه الجامعة لم تنشأ كجامعة قومية أو وطنية، ولم تكن تشكّل أي امتداد لمشروع سابق للفتح الإسلامي.
وتابع محمد حرب نقده للمستشرق الأمريكي الذي وصفه بأنه «مجد دؤوب لكنه سيئ النوايا» معتبراً أن ما ذكره من كون هذه الجامعة أول جامعة في العالم الإسلامي هو أمر يخالف حقائق التاريخ والمنطق. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها لويس للنقد اللاذع ولسوء الظن، فقد ظلت حقيقة كونه باحثاً في الإسلام من أصل يهودي مثيرة للكثير من العداوات والتربص عند قرائه العرب. بشكل بسيط وعملي يمكن القول إنه لا يستبعد إذا كنا إزاء باحث متعدد اللغات والاهتمامات مثل برنارد لويس، أن نعثر على أخطاء، أو أمور قد تجاوزها في كتاباته سهواً أو عمداً، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار مساهماته العلمية التي لا تحصى، والتي كتبها في أزمان متفاوتة ومتباعدة ما بين الشباب الباكر والنضج. بعيداً عن الآراء المسبقة والخوض غير العقلاني في النوايا، فإن عدم استبعاد حدوث خطأ كثيراً ما كان يقود إلى عملية تمحيص مثمرة وإيجابية، حين يتأسس على نقد موضوعي وبناء، بل إن فكرة التدقيق والتحقيق هذه ظلت صالحة لتشكيل أرضية علمية لبحوث أو رسائل أكاديمية، وهو ما ما يمكن تطبيقه على هذا الكاتب وعلى غيره.
ما كان يلفت قراء برنارد لويس أو المستمعين للقاءاته ومحاضراته هو، ذلك الانفتاح على النقد، وذلك التطلع للاستماع لجميع وجهات النظر، مع الحرص على تصحيح ما يقول إذا ما كانت بعض عبارته أو أبحاثه قد خرجت بشكل صادم، أو فسّرت بمعنى يتجاوز سياقها، كان ذلك يجعله يكسب نقاطاً مجانية في مقابل أعدائه ومنافسيه، خاصة من العرب، من الذين كانوا يعتمدون أسلوب الشخصنة وكيل الاتهامات، التي تتجاوز الموضوع المطروح إلى شخصية الباحث، التي كان يسهل وصفها بالصهيونية أو الإمبريالية أو المخابراتية، أو غيرها من الصفات التي لا توجد لها محددات منهجية.
من أشهر من تفرغوا لنقد برنارد لويس كان الأكاديمي الأمريكي فلسطيني الأصل أدوارد سعيد، خلال حقبة طويلة بدا وكأن هناك حالة من العداء الأكاديمي بين الرجلين، فبينما كان سعيد يصف لويس «بالجهل المطلق»، كان الأخير يعتبر أن سعيد، وبحديثه عن الاستشراق وتاريخه قد أصبح يفتي بغير هدى في مجال خارج نطاق تخصصه. من المفارقات هنا أنه، ورغم حالة العداء، إلا أن تشابهاً كبيراً كان يكمن بين الشخصيتين، بين لويس الذي انحدر من أسرة يهودية انكليزية، لكن من دون أن يرتبط بشكل لصيق بالتراث اليهودي، وسعيد، المنحدر من أسرة مسيحية فلسطينية والمنفصل بشكل ما عن جذوره الهوياتية، بسبب انتقاله هو الآخر إلى الولايات المتحدة في وقت مبكر من حياته. حظي إدوارد سعيد، خاصة إبان السنوات الأولى لصدور كتابه «الاستشراق»، بالكثير من الاحتفاء في الأوساط العربية، التي كانت ترى فيه نموذجاً لاختراق عربي لدوائر الأكاديمية الأمريكية. سعيد استطاع، عبر التمكن من اللغة وطرق المنهجية الأمريكية والغربية، أن يكون رقماً لا يمكن تجاوزه في مجالات الاستشراق والدراسات الثقافية المرتبطة بمرحلة ما بعد الاستعمار، لكن الذي سيحدث في مرحلة لاحقة هو أن يبدأ هذا الاحتفاء بالانحسار، حين تبدأ الكثير من أسهم النقد في التوجه لأعمال سعيد، وبشكل خاص أطروحته حول الاستشراق. لفت أولئك النقاد أن أدوارد سعيد وقع في الخطأ ذاته الذي كان يلوم برنارد لويس وغيره من الباحثين والمستشرقين الغربيين عليه وهو الانتقائية، حيث يدفع قارئ كتابه للخروج برؤية سوداوية وغير واقعية عن حقيقة جهود الاستشراق، التي تصوّر جميعها على أنها كانت مدفوعة بأغراض غير أكاديمية، لا تهدف إلا لتكريس الصور المسبقة والخادعة. يحمد لأدوارد سعيد اعترافه بانتقائيته، وإن كان العذر الذي وجده لنفسه ما يزال غير مقنع وهو، أنه أراد أن يرسل رسالة معينة، وأن ذكره نماذج استشراقية إيجابية ما كان ليخدم ذلك. إن ما يكرره كثير من المعلّقين والمحلّلين من اختزال لجهود برنارد لويس البحثية في مجرد رغبته العمل على تقسيم المنطقة العربية، يبدو بالنسبة لي تهرباً من مقارعة تراث الرجل، والحقيقة أنه ومثلما لفت أكاديمي قدير مثل محمد حرب لملاحظة في مكانها، فإنه بإمكان باحثين مجتهدين آخرين إعادة قراءة أعمال لويس، وتوجيه مزيد من النقد الموضوعي لها، عبر تعرية ما يمكن اعتباره تجاوزاً للعلمية أو لحقائق التاريخ.
نقطة التقسيم التي يقف لويس خلفها ما تزال كثيرة الورود في الأدبيات العربية. في الواقع فإن مثل هذه «الشائعات» التي تبرئ الأطراف المعنية فعلياً بمسألة التقسيم، تبدو مريحة للكثيرين، خاصة حين يتم تكرارها بحرفية من قبل منصات تتمتع بالمصداقية، كموقع «ميدان» التابع لشبكة الجزيرة، الذي جزم في مادة خصّصها للتعريف ببرنارد لويس بتحمل ذلك الأكاديمي وزر محاولات إعادة تقسيم العالم العربي. لكن محرري «ميدان»، وغيرهم من مرددي مثل هذا الاتهام، كانوا يتهربون من الإجابة عن السؤال التطبيقي الذي يفرض نفسه وهو: كيف ساهم لويس في تقسيم بلد كالسودان؟ وما هو دوره الفعلي، لا المتخيل، في محاولات الانفصال الجادة التي بدأت تفرض نفسها، سواء في داخل المنطقة العربية أو عبر العالم الإسلامي؟
إن النقطة التي كان يركز عليها برنارد لويس بشأن حدود العالم العربي، هي نقطة لا يمكن لأحد أن يختلف عليها، وهي أن هذه الحدود إنما نشأت على يد المستعمر الذي لم يكلّف نفسه الكثير من الجهد في عملية رسمها. هذا هو السبب في أن هذه الحدود تبدو، في كثير من أجزائها، أقرب للخطوط المستقيمة، وهذا هو معنى أنها حدود مصطنعة وغير طبيعية، وهو ما يتضح حين تقارن بحدود أخرى كالحدود الأوروبية التي نشأت نشأة معقدة عبر تاريخ طويل ممتلئ بالصراعات والحروب. يلفت برنارد لويس إلى أنه، وبناء على كون هذه الحدود مجرد حدود عشوائية، حددها بعض المستعمرين على عجل بلا منطق ولا هدف سوى تقاسم هذه المناطق الإدارية بينهم، فإن لا شيء يمنع إعادة تقسيمها بما يحقق مصلحة أكبر.
قد تكون هذه المصلحة هي مصلحة القوى الإمبريالية التي يفيدها أن تتشتت المنطقة أكثر، وأن تواصل هذه الحدود والأقطار حلقتها المفرغة من التشظي والانشطار، لكن بالمقابل فإن لا شيء يمنع من فهم هذه الحقيقة بشكل مختلف يساعد، بطريقة معكوسة، على تجاوز هذه الحدود، التي تأكّد أنها مصنوعة، من أجل الانتقال من مرحلة الانقسام والمنافسات العبثية إلى مرحلة التوحد والانصهار، وهو الهدف الذي يبدو بعيداً جداً اليوم لأسباب معروفة ليس من بينها مقولات ومخططات برنارد لويس.
*كاتب سوداني
اتفهم منهجية الكاتب في طرحه حول لويس لكن مع ذلك اعتقد انها خطرة ، فهو بدون شك ثعلب كبير . لكن السؤال الأهم والأكثر دلالة الذي ينبغي اثارته في التفكر والتأمل لمستقبل المنطقة العربية هو : لماذا لا يشكل ادوارد سعيد أهمية كبيرة تذكر في الوعي الثقافي الجمعي العربي في حين لويس اصبح أحد الأعمدة الرئيسية في هذا السياق في الغرب ، هذا هو السؤال الذي يبعث على الحيرة ، ويجدر بالباحثين الاهتمام به عوضا عن ماذا قال لويس او لم يقله. الكاتب يحاول ان يكون موضوعيا مع مفكر ماكر مثل لويس ؟! خسارة أكيدة . أفضل رد على لويس هو اعادة قراءة سعيد ومحاولة تأسيس ارث له عندنا نحن العرب . المفارقة ان الهنود قاموا بهذا ونحن لا . .
السؤال الذي ينبغي طرحه هو لماذا اصبح ارث برنارد لويس احد أعمدة الفكر في هذا المجال في الوعي الجمعي الثقافي الغربي في حين ادوارد سعيد لا لدينا. كم ترك بالفعل ادوارد سعيد إرثا عندنا ؟؟!!
]إن النقطة التي كان يركز عليها برنارد لويس بشأن حدود العالم العربي، هي نقطة لا يمكن لأحد أن يختلف عليها، وهي أن هذه الحدود إنما نشأت على يد المستعمر الذي لم يكلّف نفسه الكثير من الجهد في عملية رسمها. هذا هو السبب في أن هذه الحدود تبدو، في كثير من أجزائها، أقرب للخطوط المستقيمة، وهذا هو معنى أنها حدود مصطنعة وغير طبيعية]…
واضح أن الأخ مدى الفاتح لم يدرك ما ترمي إليه أطروحة برنارد لويس عن «الحدود الاصطناعية» ولا حتى ما ترمي إليه أطروحة إدوارد سعيد عن «الجغرافيا الخيالية» حتى يميل ميلا غير مباشر إلى الاتفاق مع تسويغات الأول (الاستعمارية)… وهل هناك «دولة سياسية» في تاريخ الكرة الأرضية برمته تمتاز، على النقيض، بحدود طبيعية وغير مصطنعة ؟؟؟ خذ حتى أي بيت أو أي دكان تم استملاكهما استملاكا «قانونيا أو شرعيا» في أية بقعة من بقاع هذه الكرة الأرضية، واحفر ونقّب في تاريخيهما الحقيقيين منذ أن كل منهما مجرد قطعة من الأرض جرداء لا حدود لها… فسوف ترى بكل تأكيد أنها قطعة من الأرض مسروقة من الأرض بكل ماتحتويه كلمة «السرقة» من معنى… هكذا يقول ماركس… !!!