كلينت إيستوود يروي في «القناص الأمريكي» سيرة «الشيطان الرمادي»

حجم الخط
2

لوس أنجليس – «القدس العربي» القناص الامريكي الشهير، كريس كايل، كان يعرف في العراق باسم «الشيطان الرمادي»، في اشارة الى كبرى مدن الأنبار العراقية، المحافظة التي دفعت ثمنا باهظا في الارواح لتصديها الإحتلال الامريكي، الذي ساد منذ إجتياح الجيش الامريكي للعراق عام 2003 حتى انسحابه عام 2011.
أما في أمريكا فهو يعتبر بطلا اسطوريا، حيث نال أوسمة عدة من الجيش وجوائز أخرى، وذلك لأنه كان أكثر القناصين فتكا في تاريخ الولايات المتحدة، اذ بلغ عدد ضحاياه 255 شخصا، وحسب تقارير رسمية كان مسؤولا عن قتل 160 عراقيا.
سيرة كايل الذاتية يسردها النجم الهوليوودي كلينت إيستوود في فيلمه الجديد «قناص أمريكي»، الذي يفتتح بكايل يقتل طفلا عراقيا كان يمشي باتجاه جنود أمريكيين حاملا قنبلة في يديه، ثم ننتقل لمشهد آخر نشاهد فيه كايل في الثامنة من عمره يدربه أبوه على الصيد بالبندقية.
والد كايل يغرس في ابنه القيم الأمريكية المستقاة من المسيحية الأصولية، التي تقسم البشر لنوعين، أهل الخير وأهل الشر. طبعا أمريكا دائما على حق وأعداؤها هم الاشرار الذين يبغون تدميرها، لأنها أرقى منهم حضاريا، أخلاقيا ومبدئيا.
فعندما يشاهد كايل ناطحات سحاب نيويورك تتهاوى أمام عينيه في صباح أيلول/ سبتمبر 2001 على شاشة التلفزيون، لم يسأل عن الدافع لهذا الهجوم، وإنما انفجر غضبا وأراد الإنتقام.
وذهب توا الى مركز التجنيد في تكساس والتحق بالقوات الخاصة للبحرية الأمريكية، حيث خضع لتدريب مكثف شاق قبل أن يكتشف مدربه قدراته الخارقة في القنص، اذ تفوق ليس فقط على زملائه في دقة إصابة الهدف وإنما أيضا على مرشديه.
حرب العراق منحت الفرصة لكايل للإنتقام من الذين يعتبرهم أعداء أمريكا، حيث تظهر هناك شراسته في القتال، وكانت تنبع من إيمان مطلق بأنه كان يشارك في حرب عادلة أخلاقيا وضرورية سياسيا من أجل الدفاع عن أمريكا.
لم يكتف كايل بحماية الجنود الأمريكيين، الذين كانوا يقومون بمهماتهم على الأرض، بقناصته من على السقوف البعيدة، حيث قام بقنص كل مشبوه كان يقترب منهم، إن كان طفلا، إمرأة أو رجلا، بل كان أيضا يخوض معهم أكثر المعارك عنفا ودموية، وخاصة في مدينة الفلوجة، التي تعرضت لانتهاكات بشعة من قبل الجنود الأمريكيين وفقدت الآلاف من سكانها.
الفيلم حافل بمعارك ضارية من حرب العراق وصور الدمار والخراب، الذي نتج عنها وعناء المدنيين. ولكنه لا يتطرق الى أخلاقية وأسباب وعواقب هذه الحرب، بل يعرض الجنود الأمريكيين كأبطال يقومون بواجبهم كمحاربين يتسمون بأخلاقيات راقية، على خلاف أعدائهم، وهم دائما عناصر من «القاعدة»، الذين نشاهدهم يرتكبون جرائم بشعة ضد المواطنين العراقيين.
ليس هناك ذكر للجرائم، التي ارتكبها الجنود الامريكيون بحق المدنيين العراقيين، أو الإنتهاكات والتعذيب في سجن أبو غريب أو نهب موارد العراق وثرواتها. فقد تم تجريد هذا الفيلم الى مستوى صراع بين قوى الخير وقوى الشر، كما هو عادة الحال في أفلام هوليوود.
الغريب هو أن إيستوود كان من أشد المعارضين لحرب العراق، وما زال يعتبرها حربا غير شرعية، مما يطرح السؤال: لماذا لم يسبر أخلاقياتها وعواقبها بدلا من أن يمجد مرتكبيها؟
«ما أثار اهتمامي في هذا المشروع ليس الحرب، وإنما الدراما في داخل عائلة كايل»، يقول لي إيستوود عندما قابلته في فندق ماريوت في لوس أنجليس. «وبالاضافة لذلك هناك دراما الحرب، وهذا ما يزيد من إثارة الفيلم. الحرب هي درامية جدا، فهناك الحياة والموت، والمعاناة. أساسا الصراع هو مصدر الدراما والحروب هي صراعات.»
كايل كان له أخ يحارب في العراق، ولكن خلافا له لم يؤمن أخوه بالحرب، وكان ينتقدها مما أثار حفيظة كايل. كما أن زوجته، التي تركها مع أطفاله في تكساس ليحارب في العراق لم ترض عن غيابه الطويل، وكانت دائما تتوسل اليه بالرجوع اليها ولاطفالها. «أظن أن كايل كان ممزقا جدا في داخله، وهذا كان أساس الدراما في القصة. أنا شخصيا كنت بقيت مع عائلتي بدلا من الذهاب الى الحرب، ولكن هذا أيضا يتعلق بالظروف،» يعلق إيستوود، الذي كان ضد حروبات أمريكا كلها.
كان إيستوود في الحادية عشرة من عمره عندما اشتعلت الحرب العالمية الثانية، التي أيقضت شعور الوطنية عند الأمريكيين. «الكل كان وطنيا بافراط»، يقول ضاحكا. معارك الحرب ودمار المدن ومعاناة الناس التي كان يشاهدها إيستودد الشاب في صالات السينما أثارت اشمئزازه من الحروب، وعند نهايتها تنفس الصعداء، ظانا أن السلام سوف يعم العالم.
وسرعان ما خاب أمله عندما تم تجنيده خلال أربعة أعوام، في1951، لحرب أمريكية أخرى في كوريا. ولكنه نجح في تفادي الذهاب الى كوريا من خلال علاقة غرام ربطها مع ابنة أحد قيادات الجيش الذي وظفه في مركز تدريب عسكري في الولايات المتحدة.
«أنا كنت أتساءل: ماذا كنا نفعل هناك؟ ثم فيتنام؟ لماذا نستمر في خوض هذه الحروبات؟ إنها لا تنتهي، وذلك يجعلك تشكك بقدرة الإنسان على العيش بسلام. يبدو أن التاريخ ليس بجانب السلام، وهذا محبط، متى سيعرف الإنسان طريق الرشاد، ربما ابدا. لا تنس أن هناك جانبا إيجابيا للحرب. زمن الحرب هو عادة زمن الإبداع والتقدم التكنولوجي والمجالات الأخرى في تاريخ الإنسانية، وذلك بسبب الحاجة الملحة. وهذا مؤسف جدا، ولكن هذه سنة الحياة»، يقول إيستوود.
حتى بعد ضربة أيلول/سبتمبر 11، لم يؤمن إيستوود أن شن الحرب كان الرد الملائم، وعارض بشدة حرب أفغانستان عام 2001 وحرب العراق عام 2003. «صحيح أن صدام حسين لم يكن شخصية محبوبة، ولكن هناك العديد من الشخصيات غير المحبوبة في هذا العالم. فكيف يمكنك أن تقوم بقرار من هذا النوع. ونذهب لنشر الديمقراطية في دول مختلفة غير معنية بالديمقراطية، لماذا؟»، يتساءل إيستوود.
هذه أسئلة مهمة ومثيرة. ولكن إيستوود لا يطرحها في فيلمه، مسلطا الضوء ليس على الحرب وإنما على المحارب، الذي يصفه كبطل. «أظن أن البطل هو من يعمل المستحيل لمساعدة زملائه في الحرب او صراع آخر، او شخص يجري داخل بيت ملتهب بالنيران وينقذ اناسا من الاحتراق. هذه الايام كل الناس ابطال. قبل فترة قمت باسعاف أولي لشخص كان يختنق بطعامه، فقالوا انني كنت بطلا. الحقيقة هي انني قمت بذلك لانني كنت اخشى انه كان سيقذف طعامه امامي»، يقول إيستوود ضاحكا.
تعريف إيستوود للبطولة معقول جدا، ولكن هذا لا يتوافق مع ما عرضه في فيلمه، الذي يظهر فيه المقاتلين العراقيين كاشرار وكلهم عملاء لتنظيم «القاعدة»، جاعلا من كايل بطلا ذاأخلاقيات راقية، يقاتل أعداء امريكا الذين ضربوها في أيلول/سبتمبر 11، ويتعاطف مع السكان العراقيين الذين هم أيضا ضحية «القاعدة».
الغريب هو أن القناص العراقي، الذي يثير الرعب في قلوب الجنود الأمريكيين ويقتل عددا كبيرا منهم قبل ان يصطاده كايل، لا يعتبره إيستوود بطلا، مع انه كان يدافع عن وطنه من المحتل. «آنا متأكد انه بطل في عيون العراقيين،» إيستوود يقول.
هنا يقع إيستوود في المنطق الامريكي الاعوج الذي يؤدي الى الحروبات التي يستنكرها. كيف يمكن أن يبغض الحرب من جهة ويمجد محاربيها ويشجب من يقاومهم من جهة اخرى؟ اذا كانت حرب العراق غير شرعية، فكيف يمكن أن تصف مرتكبها بطلا واخلاقيا؟ كايل كان من اكثر مؤيدي حرب العراق ولم يجرؤ احد ان ينتقدها امامه ولم يندم ابدا على ما ارتكبه من قتل، مدعيا ان من قتلهم كانوا كلهم اشرارا ويستحقون الموت.
«أظن انه لم يكن متأكدا من ذلك، في المشهد الذي يقول فيه لمعالجه النفساني إنه سيذهب الى خالقه شاعرا انه قام بالعمل الصحيح، يمكنك أن تلاحظ علامات الشك في عينيه. هذه الشكوك في ذهنه ولكنه يخشى الاعتراف بها، وهذا ما يعذبه»، يقول إيستوود.
بغض النظر عن شعور كايل، فان اشتراكه في ودعمه لحرب غير شرعية حسب القانون الدولي وافتخاره بقتل مئات العراقيين لا يجعله بطلا، بل مجرم حرب. الأبطال هم العراقيون الذين قاوموه ولقوا حتهفم في دفاعهم عن بلدهم، وهم الذين يستحقون أن تسرد قصص بطولاتهم في الأفلام. فهل ينوي إيستوود أن يحكي قصة هذا الفيلم من منظور عراقي كما فعل في فيلم «رسائل من ايوو جيما» الذي قدم فيه احداث معركة ايوو جيما في الحرب العالمية الثانية من منظور ياباني؟
«لا أدري، ربما مخرج آخر في المستقبل»، يقول إيستوود. «هذا يتعلق بقيمة القصة الفنية. اذا كانت مثيرة ومشوقة وتحكي قصة عن الجانب الآخر على الناس أن يعرفوها، فيجب أن نطرحها في فيلم. وهذا ما حدث في حال ايوو جيما.»
صنع فيلم هوليوودي من منظور عربي في الوقت الراهن هو أكثر خياليا من وصول الانسان الى كوكب زحل. أما كريس كايل، فقد قتل بعد رجوعه الى الولايات المتحدة قبل عام على يد جندي خدم معه في حرب العراق.

من حسام عاصي:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

  1. يقول د. اثير الشيخلي- العراق:

    مقاربة أكثر من رائعة أستاذ حسام ، و إيلاج مداخلات إيستوود ( و تناقضات مواقفه كإنسان مع ممارسته لمهنته كمخرج لهذا الفلم) ضمن سياق النقد و التحليل ، كان إبداعا بحد ذاته.
    هي تبقى ثلاثية The Good, The Bad and The Ugly الأمريكية مهيمنة على عقل و أسلوب و ممارسة صاحب علامتها التجارية و أشهر أعماله قاطبة!

    أكثر ما أعجبني و شد انتباهي في هذه المقاربة ، هو عدم انفصال كاتبها عن واقعه و فكره و معتقده ، كما يحاول ان يفعل الكثير ، بحجة الحياد و الموضوعية ، مما يجعلهم و من حيث لا يدركون ، منحازين الى فكر ذلك العمل او صاحب ذلك العمل !
    على عكس ما وجدت هنا ، مما وضع صاحب العمل في حرج و كشف عن تناقضاته امام نفسه، ذلك جعل من صاحب هذه المقاربة ، فاعلا وليس مجرد ناقدا و محللا منفصل عن واقعه.

  2. يقول ياسر القيسي:

    كلين تستود لم يكن على مستوى من المهارة ولم يكن معروف اساسا لصناع السينما في هوليود ولكن جاءت الصدفة و اكتشفة مخرج الافلام الكاوبوي الايطالي سرجو ليوني , من الواضح ان يكون هذا الرجل بهذا المستوى من التقلب في ارائه و لا ننسى انه امريكي و غاليبة الامريكان مغفلين لانهم يصدقون اكاذيبهم و ان كأنوا مجرمين. على كلين تستود ان يصنع تمثالا للمحرج الايطالي سرجو ليون , لان لو لاه لما كان احد يعرف من هو !!!

إشترك في قائمتنا البريدية