أفلام صلاح أبو سيف: سحر الموسيقى وكسر حدة الصمت!

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: في كتابها «سحر الموسيقى في أفلام صلاح أبو سيف» ترى رانيا يحيى استاذة الموسيقى في أكاديمية الفنون في القاهرة، أن عنصر الموسيقى مكون جوهري للفيلم السينمائي، حيث ارتبط بالسينما منذ بداياتها، وكسر فيها حدة الصمت قبل إضافة شريط الصوت إلى الصورة.
في البداية كان الموسيقيون يعزفون مقطوعات ليست لها علاقة بالفيلم، إلى أن رأى العازفون أن الموسيقى، لابد أن تسير في تجانس وتناغم مع الصورة المعروضة على الشاشة، وعليهم اختيار مقطوعات تليق بمضمون القصة، ثم تطورت النظرة عند شركات الإنتاج التي أصبحت تصنف أفلامها وتذكر نوع الموسيقى المصاحبة لها وتوليها اهتماما كبيرا، وأصبح دور الموسيقى في الأفلام هو التعبير عن الحالة النفسية للمشهد وليس فقط كسر الصمت، وتشير المؤلفة إلى أن مؤلفي الموسيقى كانوا يشاهدون الفيلم عدة مرات لاختيار الجمل اللحنية المتناسقة مع الحالة الشعورية للممثل، حيث اعتبرت الموسيقى المصاحبة للأفلام ذلك الوقت وسيلة للتعبير بالإيحاء، تعمل على تفسير القصة التي تثيرها الصورة، وينتقل الكتاب إلى الفترة الزمنية التي استخدم فيها شريط الصوت، حيث ظهرت معه نوعية الأفلام الغنائية، واستخدمت الموسيقى على شريط الصوت فقط مع بعض اللوحات التعريفية للصورة التي تحمل قدرا من الحوار، وتضيف أن ظهور اول فيلم ناطق في تاريخ السينما كان فيلماً غنائياً، عام 1928 قدمته شركة وارنر تحت عنوان «أضواء المدينة»، كما بدأ الموسيقيون بعد ذلك وضع الافتتاحيات القصيرة للأفلام التي تصاحب لوحة اسماء صناع الفيلم، وغالباً ما كانت هذه المقطوعات تمهد للجو العام للفيلم، لذلك ظهرت مهنة جديدة وهي التأليف الموسيقي للأفلام بأسلوب متخصص.
وتعود المؤلفة إلى مصر، حيث تبدأ في التعريف ببداية الاهتمام بتوظيف الموسيقى في الأفلام المصرية، تبدأ مع فيلم «ليلي» عام 1927 حيث اختيرت موسيقى هذا الفيلم من الأعمال المسجلة على أسطوانات، وتطورت بعد ذلك نوعيات الموسيقى المستخدمة مع فيلم «زينب» الذي عرض عام 1930 التي قامت ببطولته الفنانة بهيجة حافظ، وهي أيضاً عازفة موسيقية، وقدمت أول مقطوعة موسيقية طويله لفيلم صامت في هذا العمل، وتعتبر بهيجة حافظ أول مؤلفة موسيقية تقوم بوضع موسيقى خاصة لفيلم سينمائي، وبعد ظهور أول فيلم ناطق في مصر عام 1932 «اولاد الذوات» قدمت المطربة المصرية نادرة فيلم «أنشودة الفؤاد»، بعدها أقبل الموسيقيون على كتابة موسيقى الأفلام منهم، رياض السنباطي وعبد الحليم نويرة وغيرهما.
تنتقل رانيا يحيي إلى تناول مفهوم الموسيقى عند المخرج المصري صلاح أبو سيف، بداية من خلال فيلمه التسجيلي «سيمفونية القاهرة»، الذي حاول فيه أبو سيف تغيير مفهوم تأثير الضوضاء في القاهرة من تأثير سلبي إلى تأثير إيجابي ينتمي إلى نوعية معينة من الموسيقى، فقدم الهارموني بين أصوات البائعين وغيرها من الأصوات، حيث جسد حالة من التوافق وانسجام الأصوات الذي يولد هذا النوع من الموسيقى. وتعيد المؤلفة عشق أبو سيف للموسيقى إلى رغبته التي لم تكتمل لدراسة الموسيقى، نظراً لضيق أحواله المادية، لكنه حاول أن يعوض الشغف عن طريق القراءة، ومحاولة تعلم العزف على آلة الفلوت، واستكمل هذا الشغف بعد بدء مشواره السينمائي الذي اشتهر فيه كواحد من أهم مخرجي أفلام الواقعية في السينما العربية، حيث شهدت أعماله اهتماما كبيرا بطريقة توظيف عنصر الموسيقى، حيث تشير المؤلفة إلى أن أبو سيف عاصر أعلام الموسيقيين في تلك الفترة وتعاون معهم واستعان بقدراتهم وموهبتهم، خاصة الفنان فؤاد الظاهري، الذي قدم مع أبو سيف تسعة عشر فيلماً، أبو سيف تعاون أيضاً مع أجيال ومواهب مختلفة من الموسيقيين منهم فريد الأطرش وعمار الشريعي وياسر عبد الرحمن وهاني مهنى.
يسرد الكتاب خمسة أسباب تعد من الدوافع التي جعلت أبو سيف يدرك أهمية عنصر الموسيقى في الفيلم السينمائي، أولها حبه الشديد لهذا الفن وإيمانه بكل العناصر المكونة لفن السينما وفي مقدمتها الموسيقى التي لها القدرة على مخاطبة الجمهور باختراق حاسة السمع ومخاطبة الحواس، أيضاً احتكاك أبو سيف بالسينما العالمية أكسبته خبرات واهتماما خاصا بجميع العناصر المكونة للفيلم السينمائي، خاصة الأوركسترا العالمية، وترى الكاتبة أن البيئة الشعبية التي نشأ فيها أبو سيف جعلته قريباً من بعض الثيمات اللحنية الشعبية التي تجلت في عدد من أفلامه، مما دعم قدرته على وضع كثير من هذه الثيمات اللحنية في أفلامه مع المؤلفين الموسيقيين.
ينتقل الكتاب إلى توضيح العوامل الساحرة في موسيقى أبو سيف التي حملت ملامح وجماليات خاصة تميزه عن باقي مخرجي جيله، بداية من اختياره لتتر العمل وهو بوابة خلق الأجواء حسب وصف الكاتبة، الذي يعبر عن مضمون ومحتوى القصة الدرامية التالية، فقد أظهر أبو سيف اهتماما كبيرا بالموسيقى المختارة لتتر أفلامه في بحثه عن تمهيد مناسب يفتح الباب للمتلقي، ويرى الكتاب أن هذا المفهوم تجلى في فيلم «لا تطفئ الشمس» الذي قام بتأليف موسيقاه علي اسماعيل، عن طريق استخدام الاَلات الوترية التي تسبق دخول الزمن الأصلي للمقطوعة الموسيقية الذي امتزج فيها استخدام الآلات الشرقية والغربية، اعتمد فيها المؤلف على فكرة لحنية جديدة تعتمد على أداء الوتريات مع آلات النفخ معلنه عن حالة من الغضب والقلق في حالة الدرامية التي تجسدها نغمات السلم الموسيقى.
وفي تتر فيلمه الأشهر «الزوجة الثانية» استخدم المقامات للدلالة على شخصيات الأبطال، وعبر عن الشخصيات الرئيسية للفيلم وهي الزوجة الثانية، سعاد حسني، باستخدام مقام الرست ببهجة تأكيد على الفرحة والانتصار الذي ستحصده في نهاية الفيلم، اما الزوجة الأولى المغلوبة على أمرها عبر عنها بمقام الهزام ليترجم حالة الدجل، الذي اتبعته البطلة في سياق الأحداث، بتوظيف الموسيقى في هذا الفيلم كان عنصراً مكوناً من العناصر الأساسية التي أضفت أبعاداً وجماليات لا يمكن الاستغناء عنها بالحوار فقط.
وتقول رانيا يحيى أن تتر فيلم «المواطن مصري» يعد واحدا من أهم التترات الموسيقية في تاريخ السينما المصرية، حيث وضع المؤلف الموسيقي ياسر عبد الرحمن أفكاره اللحنية في التتر، ثم بدأ التعامل معها والتنوع عليها في المشاهد الدرامية داخل الفيلم، حيث تمكن من خلال الثلاث ثيمات الأساسية في التتر، أن يعبر بكل ثيمة لحنية عن مرحلة معينة داخل سياق الأحداث مستخدماً العبارة المتكررة من الآلات الوترية بصوتها الأجش في مصاحبة بعض المشاهد، وتوضح أنه وضع أيضاً آلة القانون كَلَحْن دال يعبر عن علاقة الحب الفطرية بين «مصري وهنادي»، أما مشاهد الحرب فعبر عنها بموسيقى معروفة من الأغنيات الوطنية.
وتشير أيضاً إلى استعانة أبو سيف بالرقص الشرقي المعتمد على الموسيقى ذات الطابع الشرقي والإيقاع الراقص تدعيماً لبعض المواقف الدرامية، وتأكيد على واقعية بعض الأحداث التي تتفق مع تقاليدنا، كما استخدم أبو سيف أيضاً الفلكلور الشعبي المصري والموسيقى الشعبية لتقريب وجهة نظره الفلسفية والفنية للمشاهد، وكان لهذه النوعية القدرة على ترجمة أحاسيس وانفعالات الأبطال وتدعيم الأفكار المتضمنة داخل الفيلم باستخدام أحد عناصر البيئة المصرية الواقعية الملامسة للطبقة الوسطى، ذلك الوقت، مثلاً في فيلم «الزوجة الثانية» استخدم أبو سيف لحنا مستوحى من اللحن الشعبي «الَّبت بيضة» بكلمات مختلفة واستخدام المزمار والإيقاعات الشرقية، وفي فيلم «لا تطفئ الشمس» أيضاً استخدم اللحن الشعبي «يا نخلتين في العلالي» لإبراز العلاقة الرومانسية بين شخصية نبيلة ومحمود وبتوزيع أوركسترالي جديد.
ويختم الكتاب أن أبو سيف استخدم المؤثرات الصوتية الطبيعية في شريط الصوت لإضفاء حالة من الواقعية والتعبيرية على اللقطات، حيث استخدم حفيف الأشجار وزقزقة العصافير وهدير المياه وأصوات السيارات والقطارات والأبواب والنوافذ، كما تعامل مع بعض المؤثرات التي تضفي حالة من الطبيعة والواقعية على الدراما من خلال صوت موتور أو صوت الآلة الكاتبة أو غلق الأبواب، حتى جعل أبو سيف عنصر الموسيقى أحد الأبطال التي لا تفارق أعماله السينمائية.

رانيا يوسف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية