الأرض والعودة والحرية

حجم الخط
6

لا يصدق الإسرائيليون ما يرونه بأعينهم، فمسيرة الأرض- العودة في غزة لا يمكن أن تكون في اقتناعاتهم سوى عمل إرهابي منظم، إذ لا يستطيعون الاقتناع بأن الفلسطينيين لا يزالون يحلمون بالعودة بل هم على استعداد للموت في سبيلها، رغم مرور سبعين سنة على نكبتهم.
هنا يقع سوء التفاهم الكبير، على الفلسطينيين أن يصدّقوا ذاكرة يهودية أسطورية أعطت فلسطين لليهود منذ ألفي عام في صيغة «وعد إلهي»، وأن يكذّبوا عيونهم التي ترى أرضهم وهي تستباح وقراهم المدمرة، وحياتهم التي حوّلها الاحتلال الإسرائيلي إلى ركام، والحصار الذي يخنقهم.
علينا أن نصدّق الأسطورة ونكذّب الحاضر، هذا هو جوهر اللعبة الإسرائيلية، التي لم تعد تستند سوى إلى الحجة الدينية الأسطورية، التي تلائم اليوم مزاجا فاشيا عالميا، تغذيه الترامبية الأمريكية والإسلاموفوبيا بصفتها الشكل الجديد للاسامية، وتتطابق أيضا مع شهوة إحتلال الأرض وإذلال أصحابها والتي تهيمن على المزاج السياسي الإسرائيلي، كما أعاد اليمين القومي- الديني صوغه.
لقد فقدت إسرائيل القدرة على الرؤية وأصيبت بالصمم، وهذا نتاج فائض القوة العسكرية والسياسية التي تتمتع به اليوم. فبعدما خرج العالم العربي من الصراع، تجد إسرائيل نفسها حرة التصرف، فتكشف طبيعتها العميقة، وتعلن نفسها، وبلا مواربة، دولة تمييز عنصري.
يعتقد الإسرائيليون أنهم ارتاحوا من عالم عربي مشغول بحروب ملوك الطوائف وجنون المستبدين وتورم الثروة النفطية، وهم على حق في ذلك. لكن سرعان ما سينكشف أن هذه الراحة النسبية ليست سوى وهم، فلقد جردت إسرائيل نفسها من نظام عربي كان شريكها الأول في قمع الفلسطينيين، ورهانها اليوم على دور الأنظمة العربية في تمرير «صفقة القرن» وفرضها على الفلسطينيين ليس سوى وهم، فالنظام العربي أكثر جبنا من القدرة على الجهر بالموافقة على التخلي عن القدس، وأكثر خوفا من ضم ما تجود به إسرائيل على الأردن ومصر، عبر ضم مدن الضفة إلى الأردن، وعودة الإدارة المصرية إلى غزة.
كما أن تداعي السلطة الفلسطينية والانقسام الفلسطيني، يزّين للإسرائيليين بأنهم قادرون على فرض ما يريدونه على الفلسطينيين، وهذا عين الخطأ. إذ لا توجد قيادة فلسطينية قادرة على شرعنة نظام الأبارتهايد المقترح، ولن يعطي الضغط الإسرائيلي- الأمريكي على السلطة أي نتائج، سوى المساهمة في عملية تفككها.
في الواقع الراهن، فإن إسرائيل حوّلت الفلسطينيين إلى مشكلة إسرائيلية داخلية، وجعلت من احتلالها المستمر نقطة ضعفها الكبرى. أي أن ما يبدو نقطة قوة يتحول إلى نقطة ضعف.
لم تعد إسرائيل قادرة على التنعّج بصفتها ضحية. فالهولوكست، على وحشيته صار ماضيا لا يبرر شيئا. بل أن هذا الماضي نفسه، صار أداة إدانة لإسرائيل، إذ كيف يبرر أبناء وأحفاد ضحايا العنصرية الوحشية، التي مورست ضد اليهود في أوروبا النازية، لأنفسهم تحويل الشعب الفلسطيني إلى ضحية دائمة، وممارسة إرهاب الدولة المنظم ضده، ونسف البيوت والاستيلاء على الأرض وجرف القرى وتغطيتها بالغابات؟
في بداية تأسيس الدولة العـــبرية نجح الصهاينة في إخراس الضحية التي تم تجريدها من اسمها ومن حقها في الوجود، أما ما نشهده اليوم فهو انقلاب جذري، فالجلاد لم يعد قادرا على الكلام، لأنه فقد القدرة على التبرير ولا حل أمامه سوى في تبني لغة عنصرية فاشية فارغة من أي معنى إنساني.
ما لم يلاحظه الإسرائيليون هو أن النكبة ليست ذاكرة كي تُنسى، بل هي حاضر يومي. كل ما فعله الإسرائيليون منذ نهاية حرب النكبة عام 1948، هو الإصرار على استمرار هذه النكبة، وجعل الحاضر الفلسطيني دوامة يومية من النكبات. قبل حرب حزيران/ يونيو، لم تتوقف إسرائيل عن نهب أراضي الفلسطينيين الذين بقوا في بلادهم، وفرضت عليهم العيش في غيتوات مغلقة كحاضرين-غائبين، أما بعد حرب حزيران/يونيو 67، فقد صارت كل فلسطين ملعبا للاستيطان الكولونيالي المتوحش، وانتصب الجدار العنصري كي يسلب الأرض ويحاصر الناس، وتحولت القدس والخليل إلى نموذجين صارخين للتمييز العنصري الممزوج بحمى دينية حمقاء.
أن يكون الفلسطينيون وحدهم فهذا يدعو إلى الأسى ويُشعر العرب بعار من الصعب محوه، لكنها الحقيقة التي لم يعد عدم التعامل معها ممكنا، وهي حقيقة تضعنا وجها لوجه أمام مسار سياسي جديد بالغ الصعوبة والتعقيد.
فبعد انهيار وهم السلام، الذي كشفت المعاهدات العربية-الإسرائيلية المعلنة والمستترة حقيقة أنه سلام مقابل السلام، أي مقابل لا شيء، يجد الفلسطينيات والفلسطينيون أنفسهم وحيدين في مواجهة احتلال دائم ينكر أبسط حقوقهم، ولا خيار أمامهم سوى الدفاع عن بقائهم ووجودهم.
غير أن الحقيقة الجـــديدة التي ترتسم في الأفق، هي أننا نرى للمرة الأول جلادا منتصرا لكنه أخـــرس وعاجز عن الكلام. في العادة يخرس الجلاد عندما يكون على مشارف الهزيمة، أما حين يخرس الجلاد المنتصر فهذا يعني أنه يؤسس لهزيمته.
هذا الواقع يجعلنا شهودا على ولادة خطاب فلسطيني مقاوم جديد، ويدفعنا إلى المساهمة في بلورة هذا الخطاب الذي تصنعه الممارسة ويرسم ملامحه الدفاع عن البقاء، واحتضان قضيتي الحق والحرية باعتبارهما تعبيرا عن الانتماء إلى فكرة العدالة.
كانت مسيرة الأرض- العودة، أحد المؤشرات التي بدأ الوعي الفلسطيني الجديد في استشراف ملامحها، فحق العودة إلى الأرض لا يساويه في الأهمية سوى حق الشعب في الحرية، وهما حقان متلازمان.
وسط أمواج الأسى واليأس في عالمنا العربي، يأتي هذا الألم الفلسطيني الكبير ليشير إلى الطريق. فالمقاومة هي دفاع عن حرية الناس، وفلسطين هي أحد أسماء الحرية في عالم اليوم.

الأرض والعودة والحرية

الياس خوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود:

    شعب الجبارين قرر سقوط إتفاقية أوسلو والتي زادت فيها المستوطنات عشرين مرة
    شعب الجبارين قلب طاولة المفاوضات والتنازلات
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول زياد:

    لا فض فوك ياستاذي العزيز الياس خوري لكن القصه الأساسية لدينا نحن الفلسطينيون انا نبقى متعلقين باراضيينا المنهوبة من عدو أتى من شتى بقاع الأرض ليستولي على أرض ليست له فما ضاع حق وراءه مطالب

  3. يقول سوري:

    في الواقع أنظمة الخيانة والخنوع العربية نسيت النكبة والنكسة، بل باتت تجمل للرأي العام العربي علاقاتها المشبوهة مع دولة العنصرية والاحتلال بل ويرون مستقبلا زاهرا من التعاون مع دولة فاشية بامتياز لا تبحث سوى عن قمع الشعوب العربية المطالبة بالحرية والعدالة والديمقراطية ومن هذا المنطلق نرى تأييدها لأنظمة عربية ديكتاتورية مجرمة تقمع شعبها، لكن اسرائيل التي كانت تبين أن العرب يريدون ان يلقوها في البحر للأسماك كما كان يقول الرئيس السابق لمنظمة التحرير احمد الشقيري، باتت لا تستطيع ان تفبرك استعطافات جديدة للرأي العام الغربي بعد كل سياسات زعماء العرب الأشاوس الذين تخلوا عن كل شيء مقابل لاشيء، وبعد كل هذه المجازر التي ترتكبها ضد الشعب الفلسطيني البطل المطالب بحقوقه الاساسية. حتى ان اليوم هناك تيار اسرائيلي داخل اسرائيل يدين حكومة نتن ياهو الفاشية والعنصرية.
    أسفي شخصيا ليس على ممارسات اسرائيل الارهابية ضد شعب الجبارين فهي جلاد محتل لا يمت للاسلام او العروبة بصلة ولكن ماذا عن انظمة وميليشيات تدعى الممانعة والمقاومة ان كان باسم العروبة او باسم الاسلام
    يا حيف، يا حيف

  4. يقول omar:

    الهروب من الموت الى الموت ..

  5. يقول عدنان العربي:

    كل الاحترام للأديب الكبير الياس
    اذن الخطاب الجديد يبنى على ممارسة جديدة ، روح جديدة أو متجددة، نمط جديد في الأداء، والاعلام، والمتابعة ..
    وصحيح ايضا ان الجلاد الصهيوني القاتل لم يكن لينجح في اخراس الضحية الا لأنه أيضا واصل الفعل إثر الفعل إثر الفعل بدعم وإصرار كبير من حليفه الغربي ، حتى كاد الغرب ( وهو الأهم بالنسبة له لتمرير كذبة ومؤامرة العصر ، بل مذبحة العصر: ضحايا بعض الغرب يدافعون عن أأنفسهم في الشرق البربري!!)
    اذن العمل ثم العمل ثم العمل ، والنضال ثم النضال ثم النضال ، هو حتما ما سيعيد الهرم الى وضعه الصحيح والبوصلة الى اتجاهها الأصح

  6. يقول أسامة كليّة سوريا/ألمانيا Ossama Kulliah:

    شكراً أخي الياس خوري, لقد صُدم نتنياهو واسرائيل (وبحسب الصحف الإسرئيلية أيضاُ) بردة الفعل العالمية وخاصة في تناقل الإعلام العالمي لما حدث وبشكل مختلف وواضح هذه المرّة. لهذا لجأ نتنياهو إلى موضوع آخر (مُصطنع طبعاً) لتغطيىة خبر جرائم الجيش الإسرائيلي, وهو طرد اللاجئين الأفارقة وتوزيعهم على دول أوربا وكندا, وبالفعل تناقلت الأنباء الخبر الوهمي الجديد (ومن ثم تعديله) وتركت خبر الإجرام بحق الشعب الفلسطيني, ولو بنسب متفاوته. احتضان قضيتي الحق والحرية تحاج إلى الكثير من الدعم عمل مستمر والجهد متواصل, نحن أمام تحول جديد موازي لما يسمى صفقة القرن وخادمها محمد بن سلمان, وسنرى أهميته في الايام القادمة.

اشترك في قائمتنا البريدية