الحايك، لمن لا يعرفه، هو لباس المرأة الجزائرية، التي تغطي به جسمها، عندما تغادر بيتها، ويكون عادة أبيض اللون، كما جرت عليه العادة، في شمال الجزائر تحديدا. مقابل «الملاية» السوداء التي تلبسها نساء المنطقة الشرقية من البلاد. ألوان متنوعة وطريقة لبس مختلفة من منطقة إلى أخرى للحايك، تعكس التنوع الجغرافي والثقافي الذي يميز لباس المرأة الجزائرية، كجزء من التنوع العام للجزائر، على أكثر من صعيد.
الحايك، عاد هذا الأسبوع إلى العاصمة، هو الذي اختفى تقريبا من الاستعمال، ولم يعد حاضرا إلا كاستثناء عند بعض الجزائريات المسنات، بعد المنافسة الشرسة التي وجدها من الحجاب. عاد الحايك أو أعيد إلى الحياة بغرض سياسي، فقد قررت السلطات المحتفلة بزيارة الرئيس ماكرون للجزائر، أن تُلبس مجموعة من النساء الصغيرات في السن الحايك، ليراهم الرئيس الفرنسي عند مروره، في شوارع العاصمة ويستمتع بزغاريدهن. فقد قرر المستقبلون من حكام الجزائر الجدد، أن الرئيس الفرنسي الشاب في حاجة إلى صورة استشراقية للجزائر، لم يسمح له سنه برؤيتها سابقا. فكان أن نظم له هذا الكرنفال، سيئ الإخراج، في شوارع العاصمة، في يوم ربيعي جميل.
صورة عادت بي إلى ما حصل أثناء ثورة التحرير، عندما دعت نفيسة سيدكارا في 1959 (كاتبة دولة فرنسية، من عائلة جزائرية، حركية، متعاونة مع الاستعمار) النساء الجزائريات لنزع الحايك والمشي سافرات في شوارع الكثير من المدن الجزائرية، تحت حراسة الجيش الفرنسي، كجزء من الدعاية للدور «الحضاري للاستعمار» الفرنسي الذي ركز على المدينة الجزائرية وسكانها، هم الذين تحولوا إلى رهان فعلي، بين جبهة التحرير والجيش الفرنسي المحتل. جاء هذا في سياق بداية اهتمام العالم بالقضية الجزائرية، بعد أن عرفت مدينة الجزائر مظاهرات 11 ديسمبر، وقبلها معركة الجزائر، بما ميزها من حضور كثيف للصحافة الدولية، لأول مرة منذ بداية حرب التحرير.
حصل هذا، بعد أن اكتشفت السلطات الفرنسية الاستعمارية، الدور الرمزي الذي يحتله الحايك، وتجسده المرأة الجزائرية، في مقاومة المجتمع الجزائري، للظاهرة الاستعمارية داخل المدينة تحديدا، التي يتساكن فيها مجتمعان متوازيان، مجتمع المعمرين وأبناء البلد من الجزائريين. في جو يغلب عليه طابع الصراع والمقاومة التي وصفها البعض بالسلبية، التي أصرت خلالها المرأة الجزائرية على التميز، في كل شيء، خوفا من الذوبان في الحالة الاستعمارية. كأضعف الإيمان، فقد قررت الجزائرية أن تخالف الفرنسية في كل تفاصيل الحياة اليومية، في لباسها وأكلها وحلها وترحالها. مقاومة شعبية بسيطة، لكنها فعالة، اختلط فيها الديني بالثقافي بالاجتماعي، استمرت لحد اليوم، بعد أن تمت إعادة انتاجها بعد الاستقلال، فحتى اليوم ما زال المجتمع الجزائري، ينظر بشزر للمرأة التي تدخن، لأن الفرنسية كانت تدخن في الأماكن العمومية. وكان المطلوب حينها أن تتميز الجزائرية عنها، في وقت لم يكن ميزان القوى لصالح الجزائريين. فقد كان مطلوبا في تلك الفترة، من أجل أغراض الدعاية الاستعمارية، أن تنزع المرأة الجزائرية حايكها، في حين المطلوب منها في 2017 أن تلبس حايكها وتزغرد للرئيس الفرنسي الشاب الذي قرر أنه، غير مسؤول، لصغر سنه، عن بشاعات الاستعمار الفرنسي، وأن على الجزائر أن تتعامل مع فرنسا بدءا من تاريخ مولده هو في 1977 وليس قبل ذلك!
فما الذي حصل بين هذين التاريخين؟ باستثناء التشابه الموجود بين الحالتين، في استعمال جسد المرأة وحايكها في هذه الحرب الرمزية، بين الشعبين والنظامين السياسيين والثقافتين. يمكن القول إن الذي تغير فعلا هم حكامنا في الجزائر ووطنيتنا التي فقدت بريقها ولم تعد تجند كما كانت. فحكامنا منقوصو الشرعية أصبحوا ينتظرون زيارة الرئيس الفرنسي كليلة القدر. للاحتفاء به بشكل مريب، كما حصل هذا الأسبوع مع ماكرون، على الرغم من أن الزيارة لم تدم إلا بضع ساعات، في وقت تعرف فيه مكانة الجزائر الدولية تدهورا واضحا، كما تجلى ذلك في السنوات الأخيرة، على مستوى إفريقيا التي غاب الرئيس الجزائري عنها لمدة تزيد عن عشر سنوات، بسبب مرضه وأمور أخرى تتعلق بنظرته إلى العلاقات الدولية ومكانة الجزائر ضمنها.
غياب لرئيسنا، حوّل الرئيس الفرنسي إلى الفاعل الوحيد أثناء هذه الزيارة القصيرة، مشى في الطرقات وتحادث مع الجزائريين من كل الأجيال حول همومهم المركزة بشكل مرضي على التأشيرات. نظم الندوات الصحافية واستقبل المثقفين، في غياب الرئيس الجزائري، الذي لا يراه المواطن الجزائري إلا لبضع الثواني وهو جالس من بعيد مع الرئيس الفرنسي، في غياب الصوت والحركة. لتبقى الصورة الراسخة في ذهن الجزائريين ذلك الفرق الشاسع بين رئيس فرنسا الشاب، في مجتمعهم الهرم، ورئيسنا المقعد والكبير في السن، الطامع في عهدة رئاسية خامسة، نحن المجتمع الشاب.
زيارة يتم فيها الحديث بشكل دوري عن ملف الذاكرة والاعتذار عن جرائم الاستعمار، بل التعويض عن الأضرار، من دون أن يعرف المواطن الجزائري إن كانت الملفات مطروحة فعليا للتفاوض مع الطرف الفرنسي، أم هي فقط ملفات طرحتها الدبلوماسية الشعبية، على صفحات الجرائد والتواصل الاجتماعي، في غياب موقف رسمي للمفاوض الجزائري؟ فالعادة أصبحت أن يدلي وزير المجاهدين، أو حتى الأمين العام لمنظمة قدماء المجاهدين، ببعض التصريحات للاستهلاك المحلي، قبيل زيارة الرئيس الفرنسي، من دون أن يكون لها أثر فعلي داخل العملية التفاوضية ذاتها مع الطرف الفرنسي، التي وعد فيها الرئيس الفرنسي هذه المرة، بإرجاع جماجم شهداء الانتفاضات الشعبية، مقابل القبول بعودة «الحركي» و»الأقدام السود» إلى الجزائر. مقايضة ليست لصالح الطرف الجزائري بكل تأكيد، رغم كثرة الضجيج الإعلامي، حول موضوع الذاكرة التي يتعامل فيه الجزائريون بمنطق المهزوم وليس المنتصر في حربهم التحريرية، خلاف ما يتعامل الفيتنامي، على سبيل المثال. فالطرف الفرنسي المفاوض يعرف بالعين المجردة والوثيقة التي لا تقبل الشك، أن من يفاوضه من أعضاء الوفود الجزائرية، حول الذاكرة والاعتذار عن الجرائم الاستعمارية وغيرها من الملفات الاقتصادية التي لا تقل أهمية، هم في بعض الأحيان من مزدوجي الجنسية وأصحاب الإقامات في فرنسا وجيرانه في الحي، في باريس والمدن الفرنسية الأخرى. أبناؤهم هناك وزوجاتهم وحتى صديقاتهم هناك، ناهيك عن أموالهم المهربة التي نهبوها من الجزائر التي ما زالوا يتفاوضون باسمها حتى وهم في باريس.
كاتب جزائري
ناصر جابي
أنا كجزائرية من جيل الاستقلال أتأسف فعلا و أشعر بالاحباط كلما زارنا رئيس فرنسي و استقبل استقبال العظماء و الأبطال، في بلد كالجزائر التي ضحى شعبها بالنفس و النفيس لطرد المستدمر الغاشم نجد شبابها يتهافت على رمز المستعمر و يطلب منه تأشيرة الدخول الى بلده في صورة لا تشعرنا إلا بالمذلة و الاهانة فيا ترى لو عادت بنا الايام الى الماضي و عرف الشهداء و ابطال الجزائر هذا الحاضر المزري الذي نعيش فيه ، هل كانوا سيصرون على الكفاح لاستقلال الجزائر؟؟
لا حول ولا قوة الا بالله