«طه حسين بين السياج والمرايا»… كتاب لـ عبد الرشيد محمودي… مكمن الفلسفة الأدبية لعميد الأدب العربي

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تصدرت الكتاب الأحدث لعبد الرشيد محمودي «طه حسين بين السياج والمرايا» في طبعته الثانية عن الهيئة العامة للكتاب بضعة سطور فاتحة لشهية القراء كتبها فوزي فهمي تحت عنوان توطئة يقول فيها، إن تجليات الارتقاء في الممارسات المجتمعية تتحقق عندما ينشط النسق المعرفي والفكري والثقافي للمجتمع، ويتسع بوصفه أهم الدوائر المؤثرة في استمرار المجتمعات وتطورها واستقرارها، حتى لا يصبح المجتمع أسير أجوبة متخشبة جاهزة متوارثة، في مواجهة ضغوط احتياجاته باجترار ثوابت معرفية تجاوزتها فتوحات الزمن المعرفي الراهن بتنوعات إنجازاته المتجددة.
هذا الاستهلال يسبق مقدمة المؤلف التي تسعي للتمهيد كحافز للقراءة، وفي الوقت نفسه تعد كاشفة للمحتوى في أقصى درجات الاختزال والتكثيف. أما توطئة فهمي فهي شهادة معتبرة لأهمية القراءة والتثقيف، كعنصرين مهمين لبلوغ الإنسان درجات الرقي المأمول بما يحصله من ألوان المعرفة والتنوير، وهي ذاتها الرسالة التي يجتهد فيها محمودي للإثبات والتدليل على أن طه حسين، مثل مسيرة تنويرية واسعة المدار تتجلى صورها في ما هو واقع بين دفتي الكتاب المهم «بين السياج والمرايا».
تحت عنوان «نقطة البداية المطلقة» يرى المؤلف صاحب الدراسة العميقة أن طه حسين صار للأجيال التي تلته مثلا، فهو لم يصبح أديبا كبيرا فحسب، بل أصبح بالإضافة إلى ذلك دليلا على نهضة ثقافية وتصور أساسي للثقافة وطريقة في التثقيف لا يمكن لعربي من بعده أن يتجاهلها ويردف قائلا: لست أريد الآن أن أتأمل معالم ذلك المجد وأوجه اهتمامي إلى بعض ملامح فنه وإنسانيته ولا يخفى أن مثل هذه المحاولة لا يمكن أن تكون بالمحاولة السهلة، لقد تعلمنا أن نقرأ ـ الكلام هنا لا يزال للمؤلف ـ في «الأيام» قصة الطفل الأعجوبة وطالب العلم النابغة في جزء من ذلك الطريق الأكاديمي الباهر بداية من أحد كتاتيب الصعيد إلى السوربون وعمادة الأدب العربي، لكنني أحاول الآن أن أمد بصري إلى ما وراء الأعجوبة بل وإلى مستوى من الحياة أسبق إنسانيا وفنيا من مستوى الإنجاز العلمي، وذلك بالعودة إلى افتتاحية «الأيام»، حيث يصف طه حسين اليوم الذي اختاره بداية لقصته، حيث سجل أول ذكرياته إذ يقول في هذا الصدد عن نفسه: إذا كان قد بقي للبطل من هذا الوقت ذكرى واضحة في طفولته لا سبيل إلى الشك فيها، فإنما هي ذكرى هذا السياج الذي كان يقوم أمامه من القصب والذي لم يكن بينه وبين الدار إلا خطوات فصار هو يؤكد هذا السياج كأنه رآه أمس، فسياج القصب كان أطول من قامته ومن ثم كان من العسير عليه أن يتخطاه إلى ما وراءه وهنا تبدو الإشارة واضحة إلى ما تركته العاهة في نفس الطفل الصغير من أثر ظل لاصقا بذكرياته وإحساسه ولم يسقط أبدا.
وليست الإشارة هنا مجانية ولا من قبيل التهكم ولا إبراز العجز، ولكنها في معناها الإجمالي محض بطولة تدل على سقوط كل الحواجز أمام الطفل الصغير الذي صار نافذا ببصيرته في ما بعد. ويتكرر ذكر هذا المشهد في الكتاب ليس لشيء غير أنه وسيلة ضرورية لتأليف صورة العالم في المكان والزمان، وهو إلى جانب ذلك يعكس رغبة الطفل الملحة في استكشاف الأشياء وتخطي الحواجز. لقد كان البطل الصغير كما يحدثنا في كتاب «الأيام» يحسد الأرانب لأنها قادرة على تخطي السياج وثبا من فوقه أو انسلالا بين قصبه، كأنما قرر عقل الطفل حينئذ أن يلح في الضغط على العقبات وأن يعمل فيها التحليل حتى تنهار أمام إرادته.
هذا فيما يتصل بطفولة طه حسين والوارد معناه أو نصه في كتاب عبد الرشيد محمودي الواقع في 272 صفحة من القطع المتوسط، بيد أن هناك جزءا آخر مهما هو ذاك المتعلق بمسار العميد من الدهشة إلى الشك، ويشير فيه إلى قضية الشعر الجاهلي وأنه، أي طه حسين، في غضون سنوات النضج البادئة بعام 1926 تأثر بمصادر متعددة، وبدا ضروريا ومهما تمييز المصادر الحقيقية من المصادر الوهمية، وبناء عليه فقد تبين بالتدقيق أن طه حسين في مساره التعليمي والفكري توصل إلى نظريته بمعزل عن نظرية المستشرق الإنكليزي مرجو ليوث، كما عبر عنها في مقالته الشهيرة «نشأة الشعر الجاهلي» في يونيو/حزيران 1925، حيث جاء فيها أن البذور الأولى لشكوكه في صحة الشعر الجاهلي ترجع إلى الفترة المبكرة من حياته الأدبية 1908 – 1914 وبالتحديد وعلى وجه الدقة في عام 1911 وأن المصادر الأولى لتلك الشكوك هي المحاضرات التي ألقاها المستشرق الإيطالي كارلو الفونس نالينو على طلاب الجامعة المصرية، وهي المحاضرات التي نشرت في ما بعد تحت عنوان «تاريخ الآداب العربية». وفي السياق نفسه يذكر عبد الرشيد محمودي بناء على المستخلص من مباحثه المتعددة في هذا المضمار أن تأثير ديكارت على الأديب كان حقيقيا وإن جاء متأخر ومحدودا.
ومن بين ما ورد أيضا في كتاب «طه حسين بين السياج والمرايا» أن عميد الأدب العربي أراد أن يثبت من خلال ما قرأ وما كتب عن ديكارت فساد منطق المحافظين في تفسير ديكارت بأن دفع بهذا المنطق إلى أقصى نتائجه، فتتضح المهزلة الناجمة عن تجريد أبو الفلسفة الحديثة من عقلانيته وإلباسه مرقعة المجاذيب. لقد كان الفارق في وجهة نظر طه حسين للمنهج الديكارتي الذي بنى عليه نظريته في الشعر الجاهلي أنه المنهج الأخصب والأقوى أثرا وليس صحيحا ما قيل من أن طه حسين نفسه هيف منهج ديكارت ووصفه بالسخيف وهذا ما ينفيه محمودي بالكلية، إذ يوضح أن المقالة التي نشرها طه حسين عام 1925 بعد عشر سنوات من صدور كتابه «الشعر الجاهلي» انتقد فيه ديكارت ووصف منهجه بالسخيف، إنما كانت من قبيل السخرية من آراء خصومه وليست تعبيرا عن رأيه الآخر في ديكارت. وقد فات من أشاروا إليها أن يذكروا ذلك ولا من شك في أن معاداة العقل تستوجب إنكار المنهج الديكارتي أو استنكاره ومحاولة إلصاق هذه الرؤية المعادية بطه حسين.
يبقى القول بعد هذا الاستعراض الموجز لمحتوي الكتاب، إن ما أوردناه قليل من كثير يجدر بالقراءة والتحليل والتأمل وهو جهد محمود من مؤلف الكتاب الزاخر الفاخر «طه حسين بين السياج والمرايا».

كمال القاضي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية