فزاعة التوطين والاستعباد الجنسي

حجم الخط
8

كنا نتوقع من وزير شؤون مكافحة توطين اللاجئين السوريين في لبنان السيد جبران باسيل أن يرفع صوته احتجاجا على «توطين» 75 فتاة سورية كرقيق جنسي في منطقة جونية- المعاملتين، ويمارس عليهن أشنع أنواع التعذيب وامتهان الكرامة الإنسانية.
قلت إننا كنا نتوقع على سبيل المجاز، فلقد تفوق الانهيار الأخلاقي الذي تعيشه المؤسسة الحاكمة اللبنانية على كل توقعاتنا، بحيث أننا لم نعد نُفاجأ بأي شيء. نعيش على فتات الموت، نستنشق النفايات، نأكل الطعام الفاسد، ونتحول إلى شهود على وضع يتسيّد فيه مجموعة من القوادين والسفهاء، من أمثال ثلاثي ملهيي «شي موريس» و«سيلفر». لاحظوا أن أعضاء الشبكة لا يميزون بين أبناء الطوائف والجنسيات. فالمافيا الجنسية التي أدارت عملية استعباد الفتيات السوريات وسجنهن وجلدهن وامتهان أجسادهن وأرواحهن، لا تبالي بالانتماءات المذهبية، ولا وجود فيها لأي تمييز ضد عضوها السوري، إنها مافيا منفتحة ولا تبالي بأي انتماء. المبدأ الوحيد الذي يحكم أعمالها هو الربح والجشع والعطش إلى التسلط والتمتع بإذلال الناس. وهي في ذلك تشبه مافيات النفايات والقمح المسرطن والأدوية وإلى آخر ما يطفو على سطح هذا الانحطاط الذي يحاصر بلادنا من كل جانب.
75 فتاة سورية تمّ «توطينهن» في السراديب، وتحولن إلى عبدات جنسيات. يُجلدن بالسياط، يعملن بلا مقابل، يجري إجهاضهن، يُحبسن في أقبية مظلمة، ويُجبرن على التزين والوقوف في الصف كالذبائح. توطين لا يزعج أحداً من أسياد هذه اللحظة المنقلبة، توطين يفتح شهية الكلام على رفض التوطين وينعش الاقتصاد المتهالك، ويدوس على الناس.
الكلمة الوحيدة التي تتبادر إلى الذهن هي الفضيحة. لكن فضيحتنا الكبرى هي أن كلمة فضيحة لم تعد تعني شيئاً، أو لم تعد تثير فينا أية مشاعر. «فضيحة، ثم ماذا»؟ لا شيء. صارت الفضيحة تحتمي بفضيحة أكبر منها، بحيث بتنا لا نعرف ماذا تعني كلمة فضيحة. صرنا شهودا للذل، هذا هو المدخل كي نتحول نحن أيضا إلى عبيد. فالذي يسكت عن هذا الاستعباد الشامل ليس فقط عبدا بالمعنى المجازي، بل يمهّد لعبوديته الفعلية الآتية.
أنقذتنا هذه المجموعة من الفتيات- الضحايا من فزاعة التوطين، لترسم أمامنا مرآتنا الجديدة، التي تُظهر صورتنا بصفتنا شهود زور إن لم نكن متواطئين ومشاركين في وضع الأغلال على أعناقنا.
تفاصيل ما روته الفتيات يثير الذعر والرعب، لكنه ليس سوى بداية الحكاية. نحن أمام خمسة وسبعين مأساة. فتيات يُخدعن ويُسحقن لأنهن غريبات وفقيرات، ويجري تحويل أجسادهن إلى نعوش لأرواحهن. يتم تصيدهن بوسائل شتى، فالشبكة الإجرامية التي بدأت عملها عام 2011، قبيل اندلاع الثورة السورية بمآسيها الكبرى، وجدت في الإنهيار السوري، وفي تشريد شعب كامل على أيدي الجلادين في نظام آل الأسد، فرصتها الذهبية لتوسيع إجرامها، وإيصاله إلى حدود خيالية.
سراديب وسجون وعتمة، فتيات يعملن بلا أجر، ويُجلدن ويجوّعن وليس عليهن سوى الخضوع. سجن من طبيعة بدائية تنام فيه العبدات، ثم يؤخذن إلى نور الأضواء الخافتة، حيث يجري إطفاء الرغبة في الحياة عبر إغراقها في جنس مبتذل وهمجي مصحوب بالتعذيب. كأننا في فيلم عن زمن غابر، لكنه زمننا. الزمن ليس غابرا بل ثقافتنا وقيمنا وأخلاقنا هي الغابرات. آلة وحشية بنت دولتها في أحشاء دولتنا فصارت هذه الدولة المصنوعة من فتات الكلمات وفتات الأخلاق والتعريص هي من يحكمنا، ويجعلنا مستكينين، وحين نثور نجد جدرانا تسحقنا، ونكتشف أننا أسرى بنى طائفية تفتت بلادنا جاعلة منها مرتعا للصوص.
(أعتذر عن استخدام كلمة تعريص، لكنني وجدتها ضرورية هنا كي يستقيم المعنى. والحق أن من يجب أن يعتذر ويُحاسب هم المعرّصون الذين أوصلونا إلى هذا المنحدر. أما فعل عرّص الذي نشتق منه كلمة تعريص، فقد شرحه استاذنا أنيس فريحة في كتابه « معجم الألفاظ العامية» بهذه العبارات الوجيزة: « عرّص الرجل: زنى وفجر فهو عرصة أي فاجر أثيم ويقولون معرّص»).
نجاح مجموعة صغيرة من الفتيات في الهرب من الجحيم هو الذي كشف سراً لم يكن مستورا. لا شك أن الأجهزة الأمنية كانت تعرف أن الاستعباد الجنسي يمارس في مرابع هذا الساحل الجميل الذي افترسته النفايات، وأن هذه الممارسات كانت تجد من يغطيها ويتواطأ معها في قلب جهاز الدولة، وأن حكايات الفتيات الروسيات والأوكرانيات المخطوفات أو شبه المخطوفات كانت معروفة ويتندر بها فصحاء الذكورة والسياحة الجنسية.
كيف نفسّر واقعة وجود السيد موريس جعجع في السجن بتهمة تسهيل الدعارة، بينما أقبية مربعه «شي موريس» تعمل كالعادة، وتعج بالسجينات اللواتي لم يتوقفن عن العمل كرقيق جنسي يوما واحدا؟
كيف نفسّر المُفَسّر؟
هذه هي أحجية الانحطاط.
كيف نفسّر ونتفذلك ونتغطى بالقانون وصعوبات التحقيق كي نستر عارنا؟
لم يعد هناك ما يغطي، لقد تمزقت كل الستائر، وصار واقعنا عارياً ولا يثير سوى الاشمئزاز.
هؤلاء السوريات اللواتي تلطخت أجسادهن وأعمارهن أشرف وأنقى وأطهر منا جميـــــعا، إنهن مرآتنا التي تنتصب في وجوهنا كي تقول إنه آن الأوان كي ننظر ونرى. نظرة واحدة في هذه المرآة تكفي كي تكشف كل شيء، ونكون وجها لوجه أمام هذا العار الذي صار عارنا جميعا، لأننا عاجزون أو مستنكفون عن مواجهته بالطريقة التي تليق به.

الياس خوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول غادة الشاويش المنفى:

    للاسف يا استاذ الياس انها دولة العار دولة الطائفة والجريمة واللصوصية دولة اللادولة دولة اللصوص الحزبيين والمتنفذين الامنيين وحيتان المال السياسي والنفوذ الاعلامي والسطوة والزعرنة الميليشياوية انها دولة الاحزاب المحطمة التي لا استقلال فيها الا لمن يمارس الجريمة اما الباقون فاما ان تبصم او تخرس او تتعرض لكل انواع العقوبات التي تنفذها ايدي متنفذة في دولة هي حارة اقليمية وبلا نفوذ ماذا يوجد حضيض اشد من هذا سؤال برسم الشرفاء وقليل ما هم في الهرم الامني والسياسي الميليشياوي

    1. يقول الكروي داود النرويج:

      أتمنى أن لا يصيب لبنان ما أصاب العراق وسوريا
      مع تحياتي واحتراماتي لك يا أخت غادة وللكاتب الغيور وللجميع
      ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول فلسطيني سوري ألمانيا:

    الف تحية لإلياس خوري الانسان .

  3. يقول ابو زياد ===فلسطين:

    ايها الفاضل لم تبكني ولاكنك زودت بكائي وحزني والامي ==والله لم استطع الى الان ان استوعب ==هل هولاء بشر ؟== وانا على يقين ان الجن لا تفعله ولا الشياطين ===ولتعلم ايها الفاضل ان الصهاينة وهم الاعداء الالداء لنا نحن الفلسطينين لم يقدمو على مثل هذه الافعال ==ما بعرف شو اقول شنيعة ====لا لا تفي الكلمه بحجم الفعلة =بكسر الفاء وسكون العين===واتوقف هنا لاشكر الكاتب الفاضل ولاقول يا رب يا مجيب دعوة المطرين اللهم ارنا فيمن فعل الفعلة عجائب قدرتك امين امين

  4. يقول Ossama Kulliah أسامة كليَّة سوريا/المانيا:

    شكرا لك أخي الياس ومع مناداة الشعب السوري مالنا غيرك يالله التي عادت إلى ذاكرتي بقراءة هذا المقال ليس تعبيرا عن العجر لا أبدا بل تعبيرا على أننا حتى ولو لم يبقى أحد يقف بجانبنا ضد هذا الظلم والقهر والاستبداد سنبقى وبكل إرادة مصممون على الوصول إلى حقوقنا حريتنا وكرامتنا وردع هذا الظلم والاستعباد ولهذا ادعوا الله أن ترتفع أصوات “الضجيج” التي يرفعها الأحرار من أمثالك ومن أمثالي “الصغار” حتى تضرب كالحجارة على رؤوس كل من هو مسؤول بدءاً من عصابة الأسد حتى أخر وأدنى واحد تقع عليه المسؤولية عن مأساة هؤلاء البشر ومأساة شعوبنا وأوطاننا ونصل إلى حياة حرة كريمة لنا جميعا

  5. يقول حي يقظان:

    الأخ الحبيب إلياس،

    من يكتب عن هذا الانهيار الإنساني والحضيض الأخلاقي اللذين تجذَّرا وشرَّشا في جسد النظام اللبناني الحاكم، واللذين يوغرُ منهما الصدرُ ويندى لهما الجبين، من يكتب عنهما بحروف تُبكي القلبَ دمًا قبل أن تُبكي العينَ دمعًا، لا بدَّ أن يكون شعارُه الوحيدُ، في هذا الزمنِ الكافرِ عُهْرًا والعاهرِ كُفْرًا، إنما هو شرفَ الكتابة، رغمَ كلِّ شيء.

    سيأتيهم يومُهم هؤلاء الطفيلياتُ السَّامَّة والقذرة، لا محال، سيأتيهم يومُهم هؤلاء الطفيلياتُ تجارُ الثوراتِ والأزماتِ السَّفَلَة، سيأتيهم يومُهم هؤلاء الطفيلياتُ المنحطَّة في دَرَكاتِ أحضِّ الحضيض، سيأتيهم يومُهم سواءً كانوا من المنتفعين من رجال أعمال العُهْر والكُفْر وزعماء عصابات الرذيلة من أمثال الثلاثي الذين ذكرتَهم، أم كانوا من المساهمين المباشرين في حمايتهم من الشخصيّات اللبنانية الأمنية والسياسية المتنفّذة من أمثال من لم يصرخوا بأعلى أصواتهم احتجاجًا، أم كانوا حتى من المساهمين غير المباشرين في حمايتهم من أزلام النظام الأسدي المافْيَوي الطائفي المجرم أنفسهم. وما ذلك النجاحُ الذي حالفَ عددًا من الفتيات في الهرب من جحيم هذا العهر وهذا الكفر الدميمَيْن والذميمَيْن، وما ذلك النجاحُ الذي كشف سرًّا لم يكن مستورًا، في الأساس، سوى إيذانٍ بقدُوم هذا اليوم، لا محال، شاء القوَّادون المرتزقون والطُّغَاةُ الداعرون أم أبوا.

    رحم الله العلامة الفذُّ أنيس فريحة وقد ذكَّرتَنا بما جاء في كتابه « معجم الألفاظ العامية» من تلك العبارات. وها أنذا أُذكِّرُ، بدوري، ببعض المعاني المُزدَراة التي اقترنت اقترانًا ذكوريًّا بالفعل «دَعَرَ» أو «دَعِرَ» في الفُصحى على مرِّ الزمن: الداعر مؤنَّثُهُ الداعرة وهي التي حُكِم عليها في قضيّة دَعارة أو، بلغةِ هذا العصر، هي التي تعمل في «بيت الدَّعارة»، والداعرة لغةً هي الفاجرة والفاسقة والفاسدة الخُلُق والسارقة والخائنة والخبيثة والمُتَهَتِّكة ومُؤْذِيةُ الناس وقاطعة الطريق، إلى آخره،… إلى آخره،…

    وإذا كان الكاتب الروائي والمسرحي خوسيه ساراماغو قد قال يومًا ما معناه: «إن الفُجورَ الحقيقيَّ لا يكمن في الدَّعارة والأفلام الإباحية، بل يكمن في أن بيننا بشرًا يموتون بسببٍ من الجوع والحروب العبثية»، فها أنذا أصرخُ، بدوري، وبأعلى صوتي كذلك: أولئك اللواتي يُقال عنهنَّ «فاجرات» و«داعرات» و«عاهرات»، بالمَعاني المُتعارَف عليها في اللغة الذُّكورية القذرة، إنما هنَّ أكثرُ شرفًا وأكثرُ صدقًا وأكثرُ نُبلاً وأكثر إخلاصًا وأكثرُ نزاهةً وأكثرُ إنسانيةً، بكلِّ معنى الكلمة، من أيِّ كائنٍ مادونَ-حيوانيٍّ مهين من هؤلاء القوَّادين المرتزقين والطُّغَاةُ الداعرين الذين كانوا سببًا مباشرًا أو غيرَ مباشرٍ في قتل أولئك القتلى وفي تشريد أولئك المشرَّدين والمشرَّدات.

    1. يقول حي يقظان:

      * رحم الله العلامة الفذُّ: رحم الله العلامة الفذَّ

  6. يقول Ahmad ismaeil.Holland:

    استاذ الياس اسمك هو على اسم نبيّ من كبار الانبياء،وهكذا يجب على كل انسان هو اسمه على اسم احد الانبياء على الاقل ان يكون مع الحق وضد الظلم والظالمين والمجرمين ،الرب يباركك استاذ الياس و يقوّيك ،ولك جزيل شكراً ،ومع جزيل الشكر لصحيفة القدس العربي ،والسلام لجميع الاخوة المعلقين.

اشترك في قائمتنا البريدية