في الذّكرى 42 لرحيل الشّاعر التشيلي بابلو نيرودا صوت جماعي متواتر رسخ عميقاً في تراث الإنسانية

مرّت، قبل أيام، الذكرى الثانية والأربعون لرحيل شاعر شيلي الكبير بابلو نيرودا (1904 ـ 1973)، فاحتفلت الأوساط الأدبية في بلده تشيلي وفي مختلف البلدان الناطقة باللغة الإسبانية بهذه المناسبة وسلّطت الأضواء على إبداعاته وإشراقاته في عالم الشعر والإبداع، حيث يعتبره النقاد من أبرز شعراء القرن العشرين، وما زالت أعماله الشعرية المتنوّعة تبهر قرّاءه في مختلف أنحاء العالم.
وكانت منازل نيرودا الثلاثة قد تحوّلت إلى متاحف تشرف عليها مؤسسة تحمل اسمه، تمّ تأسيسها عام 1986، وأصبحت تراثاً ثقافياً وطنياً لتشيلي. وفي هذه الدور كتب نيرودا أجمل قصائدة وأعدّ العديدَ من طبعات كتبه ودواوينه.

عشرون قصيدة حبّ

خلّف نيرودا أزيدَ من خمسين كتاباً بلغت صفحاتها عندما جُمعت ضمن أعماله الكاملة ما ينيف على 5000 صفحة، وقد نُشر حول هذه الأعمال العديد من الدراسات، والكتب، والرسائل الجامعية في مختلف أنحاء المعمورة، ويعتبر النقاد «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» أشهر ديوان شعري له في اللغة الإسبانية، بل أنه أكثر الدواوين انتشاراً في تاريخ هذه اللغة. ففي عام 1960 أقيم حفل كبير بمناسبة بيع النسخة المليون من هذا الديوان الذي بلغت طبعاته في الوقت الراهن الملايين من النسخ (دون احتساب الطبعات السرية)، وما زال يعاد
تطرّق نيرودا في شعره على امتداد رحلته الإبداعية إلى مختلف المواضيع، فمن قصائده العاطفية المفعمة بأرقّ الأحاسيس التي تعالج مواضيع لها صلة بالحبّ، والصّبابة، والجوى إلى المواضيع السياسية، والتاريخية، والاجتماعية، وقد بلغت هذه الأشعار عنده درجات عليا من البلاغة وجمالية التعبير الشعري الرقيق.
وفي ديوانه «إسبانيا في القلب» جمع قصائده المكتوبة في الفترة المتراوحة بين 1935- 1945، حيث تتفجّر العواطف والأحاسيس حول موضوع الحرب الأهلية الإسبانية (1935- 1939). وفي مذكراته «أعترف بأنني أعيش» (1974) التي نُشرت كاملة بعد رحيله وهي امتداد لما كان قد كتبه نيرودا في شكل «سيرة ذاتية» عام 1962 بعنوان: «حيوات الشاعر» يتعرّض نيرودا إلى ذكرياته الماضية منذ ولادته عام 1904 ثمّ طفولته، وشبابه واكتشافه للحبّ والشّعر والعالم الخارجي، وأخيراً إقامته الدائمة في منزله «الجزيرة السوداء» بعد الإطاحة بصديقه الرئيس التشيلي سلفادور أليندي.

حياة حافلة

بدأ نيرودا حياته المبكّرة الأولى في «تيموكو» وهو محاط بالطبيعة الخلاّبة الغنّاء، أشجار سامقة، والمحيط الهادر العنيف، الأمطار الغزيرة التي لا تتوقف، والتي كان يُغرم بها ويهيم، ثم بعد ذلك خلال أيام الدراسة في سانتياغو ينشر ديوانه الأوّل 1923 وهو «شفقيّات»، ثمّ رحلته إلى المشرق وتنقلاته بين برمانيا التي عيّن قنصلاً بها، وبين سيلان والهند وجاوة وغيرها من المدن المشرقية، حيث عرف نيرودا طعمَ الغربة والعزلة والبعاد عن الأوطان في عالم يغرقه بالمتعة ويقسو عليه في آن. ونتيجة هذه العزلة يأتي ديوانه «إقامة في الأرض» ثم رحلة العودة إلى أوروبا، حيث يتعرّف على الشاعر البيروفي الكبير سيزار أبرهام بايّيخو (1892- 1938) الذي وصف شعره بأنه «مجعّد متناوش صعب لمسه يشبه جلدَ الأدغــال، إلاّ أنه شعر جليل الشأن ذو أبعاد إنسانية عميقة يتخطّى ما وراء الوجود».
وفي عام 1935 يُعيّن نيرودا قنصلاً لبلاده في مدريد، ولم يبق سوى سنة واحدة على اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية، ثمّ يؤسّس مع بايّيخو جمعية إسبانية ـ أمريكية لمساعدة إسبانيا. ويُنظم مؤتمر بلنسية، ويقدّم العون للمهاجرين الإسبان المتوجّهين إلى شيلي، وبعد أن عاد إلى بلاده وانتُخب عضواً في مجلس الشيوخ 1945 يتابَع سياسياً ثمّ يفرّ متخفّياً، وتبدأ سنوات الغربة في مرحلتها الثانية إلى أن تتوّج أعماله الشعرية بمنحه جائزة نوبل في الآداب عام 1971، ويعيش أعوامه الأخيرة في منزله الأثير في الجزيرة السّوداء إلى جانب زوجته الثالثة والأخيرة ماتيلدي أورّوتيا، بعد أن أضاف آخر الصّفحات في مذكّراته: «إنّني ألتهم العواطفَ، والعواصفَ، والأحاسيس، والمخلوقات، والكتبَ، والاحداثَ، والمعاركَ، بل إنّني ألتهمُ الأرضَ كلّها، وأحتسي جميعَ البحار».

مراحل الإبداع في شعره

يقسّم النقاد مراحلَ الإبداع عند نيرودا إلى أربع، تُعرف الأولى بمرحلة البداية، وتنطلق من ديوانه «شفقيات» (1923) حتى «المتحمّس» (1933) حيث ينتقل الشاعر من العصرنة إلى الطبيعة، وتبدو في إبداعات هذه المرحلة تأثيرات الشّاعر الأوروغوائيّ سابات أركاستري. ثم المرحلة الثانية التي يبرز فيها الطابع الغنائي وهي تمتدّ من «إقامة في الأرض» (1933) في الجزئين الأوّلين من هذا الديوان، إلى المرحلة التي تتفتّق فيها مواهب الشاعر في أعلى قممها الإبداعية. وتمتدّ المرحلة الثالثة من 1936 إلى 1950 وفي هذه الفترة يأتي ديوانه «الغناء العام» مشحوناً بتأثير الحرب الأهلية الإسبانية. ثم أخيراً المرحلة الرابعة، حيث نجد الشاعر وقد استوى على عرش الإبداع الشعري انطلاقاً من ديوانه «مقطوعات الريّان» (1952)، ثمّ الأعمال الشعرية التي نُشرت بعد رحيله. ويحفل ديوانه «إقامة في الأرض» بتأثيرات سوريالية، حيث يمزج المجاز، والاستعارة، والرّمز، بأغرب الأخيلة والصّور والأفكار، وفي هذا الديوان يتفجّر النّبع الفيّاض الذي لا ينضبّ للشاعر فيرقب ويتأمّل، ويقتنص اللحظات، ويحلل الأشياء والموجودات، فإذا الأرقام في هذا الديوان تتداعى وتتهاوى وتُحتضر إلى جانب الصّواعق، والشّعاعات التي تعلوها الرطوبة والبلل. ولا يحاول الشّاعر في هذا ا الديوان تقديم أيّ تفسير، ولا يبحث عن شروح، بل إنّه يرصد، ويصف، ويصوّر ويقدّم الاشياءَ، والحوادثَ، والانفعالات والأحاسيس.
إننا نجد في الشّعر النيرودي مزجاً غريباً بين الإنسان والطبيعة، بل إنّه يحاول بذلك إقامة نظرة شمولية للكون تقوم على المنطق، فموت الثمرة يعني بداية الخلق والنبت أيّ العودة، إنه شكل جديد للرّحيل ووراء هذا الموقف يواجهنا الهلع، والحزن، والألم إلى جانب الأمل والتمادي في الشدو والغناء على أنغام نواقيس ونواميس قديمة صدئة، العزلة والشعور بالمرارة في أشعار نيرودا، وهي أشعار وثيقة ولصيقة الصّلة بجوّ من الهدوء والسّكينة مصبوغة أحياناً بصبغة التهكّم، والسخرية، والدّراما، خاصّة إذا علمنا أن هذه العزلة التي يتغنّى لها وبها الشاعر هي نتيجة خدع ومكايد من صنع الإنسان أو الطبيعة ذاتها. من هنا تنبثق لدى الشاعر فكرة «الظلم إذا عمّ هان» الذي أصبح شعاراً في قصائد نيرودا في آخر أيام حياته، حيث اتّجه نحو الغناء العام أو الشّامل الذي سيصبح أحدَ عناوين ديوانٍ مشهورٍ له الذي جمع فيه مغانيه وغنائياته وبكائياته وأشعارَه السّابقة، بالإضافة إلى ديوانه الآخر»حديقة الشتاء».

اللغة الشّعرية في مُنتهى نضجها

كان نيرودا من الشّعراء القلائل الذين عرفوا كيف يفهمون ويهضمون، ويضيفون إلى ما حولهم بما يعتمل فيهم من تأثيرات الآخرين. ففيه يسكن غونغورا، وروبين داريّو، وطاغور، وأرثيبستي دي هيتا، والمعرّي، والمتنبّي. وفي صوته توحيد للغة الشّعر العالمي، صوته عذب، رخيم، ولم يكن قطّ أبحّ، ففي مذكراته «أعترف بأنّني عشت» نجد نثراً شاعريّاً، وفي «كلمات وصور» نجد شعراً منثوراً، إلاّ أن شعرَه أرقّ وأدقّ من نثره، ولغته الشّعرية شلاّل فوّار منهمر تنثال منه جداولُ أشعارٍ تتسابق وتنساب كأنّها تقوم على نغمٍ واحد.
في حديثٍ له بعد فوزه بجائزة نوبل عام 1971 قال نيرودا: «لقد وصلتُ بعد درس قاس في الجمالية، وبحثٍ عميق وسط متاهات الكلمات المكتوبة، وتقتُ لأن أكون شاعر بلدي، ويكفيني هذا التكريم». حورب نيرودا في حياته، ولحقت به الانتقادات بعد مماته، سواء لمواقفه السياسية أو حسداً من هؤلاء الذين استكثروا عليه حصوله على نوبل، ولكنّه كان أكبرَ من هذه المعارك الجانبية. كان نيرودا رجلاً متواضعاً، وكان شعره ذا أبعاد عالمية، كان راوياً، حاكياً، ومُسجّلاٍ لأحداث عصره، وكان شاعراً ذا إنتاج غزير يحمّل تيار لغته الشعرية قطعاً من اللغة العاميّة، وبذوراً، وازهاراً برية وبحرية غريبة. أشجار ومعادن داخل مياه نهره اللغوي الجارف كانت ترسو مراكبُ وسفنٌ إسبانية مُحمّلة بنوادر الكنوز من كل نوع، ومن يلمس هذه المياه كانت أنامله تتشابك بخيوط المرجان، ودانات اللؤلؤ، فنّه حافل بالرّموز
الكاتب المكسيكي الرّاحل كارلوس فوينتيس يصف نيرودا بأنّه أعظم شاعر في القرن العشرين، في العالم الناطق باللغة الإسبانية. ويحكي لنا طرفة عن مدى تغلغل نيرودا في الأوساط الشعبيّة الشيلية، فيقول: «كنتُ ذات مرّة أتجوّل على ضفاف نهر بيوبيو وعندما بدأ الليل يرخي سدوله، رمقتُ مجموعة من العمّال مجتمعين حول نار مشتعلة فتناول أحدهم قيثارة وبدأ يعزف، ثم انطلق صوتُ عامل آخر وطفق ينشد مجموعة من أشعار نيرودا على شرف أحد المناضلين من أجل استقلال تشيلي، فدنوت منهم وقلت لهم: الشّاعر نيرودا لابدّ أنّه كان سيُسرّ كثيراً إذا علم أنّكم تغنّون أشعاره، وأمام ذهوله وذهولهم قالوا: أيّ شاعر؟ فهم لم يكونوا يعرفون أن هــذه الأشعار من نظم نيرودا، وهنا تأكّد لــفــوينــتيس مـــدى تغــلغل هذا الـشّاعر في شــرائح الشّعب التشيلي على اخـتــلاف طبقاته، وتحوّلت أشعاره إلى صــوتٍ جمــاعي متواتر يحفظه ويردّده الشــعب عن ظهر قلب مثل الحِكم والأمثال.

محمّد محمّد الخطّابي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية