في قمة كامب ديفيد انتصرت رواية أوباما.. وحصل العربي الغاضب على دعم مشروط

حجم الخط
1

لندن – «القدس العربي»: في كل الحديث عن قمة كامب ديفيد 13-14 من الشهر الحالي التي دعا إليها الرئيس باراك أوباما حلفاءه من دول مجلس التعاون الخليجي الست كي يطلعهم على المفاوضات التي تجريها «مجموعة خمسة+ واحد» مع إيران، سادت فكرة عن عدم رضى دول الخليج خاصة السعودية من الولايات المتحدة التي تراجعت مكانتها في المنطقة ومحاولة هذه الدول تأمين أمنها بنفسها بدون الإعتماد على واشنطن.
وحاول الصحافيون والمحللون أن يستخلصوا الكثير من غياب معظم القادة الخليجيين الذين لم يحضر منهم سوى اثنان وهما أميرا قطر والكويت. وكذلك تفكيك معاني قرار العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز إلغاء مشاركته في اللحظة الأخيرة بعد إعلان البيت الأبيض عن حضوره للقمة.
وقد قرأ الكثير من المعلقين في مسألة تغيب القادة بمثابة تعبير عن قدر من الإستياء على سياسة أوباما اللاهثة وراء توقيع مع إيران التي صورت كعدو لدود لدول الخليج. ورأوا فيها صورة عن «حزم» جديد في مواقف الدول الخليجية خاصة السعودية التي شنت حربا ضد المتمردين الحوثيين في اليمن وتتحالف مع تركيا وقطر لدعم المعارضة السورية لبشار الأسد.
وقد نسبت لهذا التحالف الجديد المكاسب التي حققها المعارضون السوريون ضد نظام بشار الأسد. وعليه كانت حالة عدم الرضى العربي مجالا لنقد الرئيس أوباما وإدارته التي تمسكت بموقفها من الإتفاق النووي مع إيران وقالت إنه «اتفاق جيد»، على خلاف ما يقوله ويردده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أنه «سيىء».
وذهب نتنياهو بعيدا إلى الكونغرس وحاول تحريض نوابه على الرئيس وإدارته. لكن العاهل السعودي اكتفى بالتعبير عدم الرضي وبقي في الرياض كما أشارت صحيفة «واشنطن بوست» التي تفهمت مظاهر القلق العربي وعدم الثقة بكل من إيران وأوباما. لكنها مثل بقية الصحف الأمريكية خاصة «نيويورك تايمز» دعت الرئيس أوباما ألا يوقع معاهدة دفاع مشترك مع دول الخليج وأن يمتنع عن الخوض في نزاعات الدول وحروبها الداخلية.

بيان طويل

كان هذا ما حدث بالفعل في القمة. فبحسب البيان الختامي، الذي كان أشبه بجردة حساب وغطى العديد من القضايا المحلية والإقليمية، فهناك التزام أمريكي بالدفاع عن دول الخليج ضد المخاطر «الخارجية»، وقد تكررت الكلمة سبع مرات.
وكان لافتا تأكيد البيان على قضايا أمن البحار والمضائق البحرية والأمن السايبري وتعزيز القدرات الدفاعية لدول الخليج من ناحية بناء نظام دفاعي مشترك لمواجهة منظومة الأسلحة الباليستية.
وناقشت القمة كل نقاط التوتر في المنطقة وحصل القادة الخليجيون على نوع من الإلتزام بحلها خاصة القضية السورية. ورغم مجموعة القضايا التي طرحها البيان إلا أن الإدارة أكدت على موقفها الذي تبنته وهو ضرورة الحل السياسي خاصة في سوريا. والرئيس الأمريكي وإن أكد على أن الرئيس الأسد فقد شرعيته ولن يكون له دور في قضايا المنطقة. إلا أنه لم يذكر – ولا نائب رئيسة الأمن القومي بن رودز – أي شيء حول المطالب ببناء منطقة حظر جوي وهو ما تكهنت به صحيفة «واشنطن بوست» وكتب عنه متفائلا المعلق الشهير فيها ديفيد إغناطيوس.
وعلى العموم فقد عكس البيان خطاب الإدارة الأمريكية المعروف. وفي الوقت نفسه حاول طمأنة الدول العربية الى أن أمريكا لن تتخلى عنهم ولكن بشروطها هذه المرة. واللافت في الإنتباه تركيز بعض «الخبراء» الأمريكيين على فكرة «التابعية» الخليجية لأمريكا التي لا يمكن إنهاؤها الآن بسبب العلاقات العسكرية ووجود أكثر من 40 ألف جندي أمريكي في منطقة الخليج. ولدى أمريكا أكبر قاعدة عسكرية في قطر ويرسو اسطولها الخامس في المياه البحرينية. كما أن معظم الأسلحة التي تستخدمها الدول هذه جاءت من الولايات المتحدة وجاءت معها منظومة التدريب والإستشارة وقطع الغيار.
وكما قال معلق لصحيفة «نيويورك تايمز» فلن تستطيع الطائرات السعودية شن غارات لو قررت واشنطن التوقف عن إرسال قطع غيار، مما يعني أنه لا يمكن لهذه الدول الإستغناء عن الولايات المتحدة والبحث عن حلفاء جدد مثل الصين وروسيا.

قلق

لا بد من التأكيد هنا على أن فكرة القلق الخليجي ليست من المشروع النووي الإيراني بحد ذاته ولكن من ما بعد الإتفاق. فستخرج إيران التي سيرفع عنها الحصار كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط وستواصل تلاعبها في مصائر عواصم عربية يتفاخر المتشددون الإيرانيون بسلطتهم عليها – من بغداد مرورا بدمشق وبيروت إلى صنعاء.
فقد شعرت دول الخليج ودول عربية معها بحس من الإهانة و.لهذا نقلت صحيفة «التايمز» عن مسؤول خليجي قوله إن من المستحيل على إيران أن تجد موطيء قدم لها في اليمن ولن يسمح لها بهذا، مشيرا إلى لبنان التي بنت إيران فيه سلطتها بأناة وصبر ولم يعد بالإمكان إخراج حزب الله من المعادلة بدون حرب عالمية على حد تعبيره.
كل هذا الحديث عن الدور التخريبي الذي تمارسه إيران ويمكن أن تمارسه لاحقا وقد تحررت من القيود الدولية لدعم حليفها المحاصر في دمشق والحكومة الشيعية في العراق ووكلائها في اليمن ولبنان لم يخفف من إصرار أوباما على مساره الذي يراه تاريخيا. وكما ترى «فايننشال تايمز» فما سيحققه الرئيس الأمريكي أوباما من تقارب مع إيران سيكون إنجازا تاريخيا بكل المقاييس وسيغير إن حدث ملامح اللعبة في منطقة الخليج.
بل ان الباحث في المعهد الملكي للدراسات المتحدة بلندن شانشك جوشي يرى في مقال نشرته صحيفة «إندبندنت» أن القمة تأتي وسط ثلاث تغيرات تشهدها المنطقة بعد وفاة النظام القديم عام 2011. وهي بروز السعودية القوي لمواجهة إيران وتراجع الخلافات بين الدول السنية بشأن الإسلام السياسي والخسائر التي تكبدها النظام السوري في الفترة الأخيرة.
وليس غريبا أن تكون قمة كامب ديفيد مرحلة تاريخية من ناحية إعادة رسم ملامح العلاقات مع دول الخليج والتأكيد على ما يراه أوباما مهما وضروريا لمصالح أمريكا.
وكان لافتا أن تتقارب تأكيدات البيان الختامي مع الملامح التي خطها الرئيس أوباما في المقابلة الشهيرة له مع توماس فريدمان بصحيفة «نيويورك تايمز» والتي أنتقد فيها غياب الحرية والبطالة التي تدفع الشبان الجري وراء أفكار أيديولوجية متطرفة. فقد أراد أوباما القول للخليجيين ان إيران ليست مشكلة المنطقة فقط.

واصل طريقك

لهذا طالبته صحيفة «فايننشال تايمز» بألا يحيد عن مساره التفاوضي، مشيرة لعامل آخر في تغير ميزان العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج وهو النفط. فاعتماد أمريكا على نفسها من النفط بسبب ثورة استخراج الزيت الصخري والذي لم يتأثر كثيرا بانخفاض أسعار النفط يعني تغييرا في أولويات الإدارة والتزاماتها التاريخية مع السعودية التي بنت تحالفا معها منذ عام 1945 في لقاء الرئيس تيودور روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود. فبعد سبعين عاما تغيرت ملامح العلاقة ولم تعد أمريكا بسبب حروبها في المنطقة خاصة حرب الخليج مستعدة للتدخل العسكري المباشر، فهي لم تتدخل في سوريا بعد تهديد أوباما وهي وإن تدخلت لصالح القوى الديمقراطية في المنطقة بعد الربيع العربي إلا أنها عادت للواقعية السياسية وتعاملت مع الإنقلاب في مصر، وفي ليبيا قادت من الخلف.
وفي الوضع الحالي لم تعد أمريكا مستعدة للتدخل في الحرب الباردة بين السعودية وإيران أو حروب الوكالة الدائرة بينهما. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة لاختلاف في المفاهيم بين الولايات المتحدة ودول الخليج.
فأوباما قرر دعوة حلفائه لكامب ديفيد للتشاور معهم وإطلاعهم حول مسار المفاوضات بينما تعاملت دول الخليج مع القمة من ناحية بناء سياسات وتوقيع اتفاقيات وصفقات أسلحة تعزز الموقف الحازم الذي صارت تبديه في شؤونها القومية.
لقد كانت رسالة أوباما واضحة هي أنه يريد تبديد مخاوف حلفائه من الإتفاق. واعترف على ما يبدو وزير الخارجية السعودية عادل الجبير الذي لا تزال بلاده متحفظة على ما جرى في القمة عندما قال إن الإجتماع كان بمثابة «عصف دماغي». ولهذا جاءت قائمة الموضوعات طويلة ولم تكن عن إيران فقط أو صفقات المعاهدة الدفاعية.

خطاب أوباما

منذ البداية كان هناك اعتراض على صفقات أسلحة تغير مستوى القوة في المنطقة والتي لا تزال تلعب في صالح إسرائيل. ولم يكن أوباما ليوافق على بيع أسلحة متقدمة مثل مقاتلة (أف-35) التي تعد جوهرة الصناعة العسكرية الأمريكية لدول الخليج لمعرفته أنه سيخوض معركة مع الكونغرس.
وعلى العموم فقد انتصر خطاب أوباما الراغب في إقناع الدول العربية بأن الإتفاق سيكون بعبارة جيمس جيفري الزميل بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى «تحولا» وليس «تعاملا». ويعني بهذا تحولا في التصرفات الإيرانية وليس معاهدة للحد من انتشار الأسلحة النووية.
ولهذا لاحظنا أن خطاب الدول الخليجية والذي ورد على لسان أمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني وإن رحب بالإتفاق. إلا أن موافقة قادتها جاءت مشروطة باتفاق شامل ينهي كل التصرفات الإيرانية التخريبية وهو ما لم يقدمه أوباما، ببساطة لأن الإتفاق لم يجهز كما قال للصحافيين.
واللافت هو أن الدول الخليجية لم تقل أو تعرب عن خطتها حالة لم تحصل على ما تريد اي اتفاق شامل، وما هي خياراتها المستقبلية، هل ستبحث عن حلفاء جدد ممثلين في فرنسا التي استفادت كثيرا من عقود السلاح بسبب موقفها المتشدد.

عندما يحاضر الرئيس

السؤال هو: هل فات الملك سلمان والقادة الذين تغيبوا عن القمة الكثير؟ بالنسبة لمجلة « الإيكونوميست» لم يفتهم الكثير لأن أوباما مارس دور المحاضر عليهم وليس في داخل المنتجع بل وأمام الإعلام. وعلقت: «عندما يطلب الحلفاء المستحيل من باراك أوباما، فلا يكفي أن يقول لهم لا بل هناك شيء في داخله يدفعه للتوضيح- وعادة في العلن- من أن شركاءه الأجانب مخطئون في الحديث عن مصالحهم».
وتشير الصحيفة الى ما توقعه قادة الخليج من القمة وهي تأكيد خطورة إيران حتى بدون مشروع نووي وما توصل إليه أوباما. فهو سيحدد طبيعة التحرك الذي ستتخذه امريكا حالة تعرضت دول الخليج للخطر، وقال لهم إن الخطر نابع من داخلهم.
ولاحظت أن الأكثر إثارة في كلمة أوباما هو أن بلاده ليست معنية بالمواجهة مع إيران وعليه فالتعاون الأمني مع دول الخليج يجب ألا يكون من أجل تأبيد الصراع معها.
وربما كان أوباما محقا في قراءته لموقف الرأي العام من حرب مفتوحة في المنطقة لكن نقاده في واشنطن الذي يرون أنه ضعيف عندما يتعلق الأمر بإيران ليسوا جاهزين لدعم دول الخليج في حرب سنية- شيعية. وسواء اتفق قادة الخليج معه حول إيران أم لا إلا انه كان وحيدا عندما قدم محاضرته. فقد غادرالقادة كامب ديفيد. وفي النهاية لم يكن «العربي الغاضب» قادرا على تغيير موقف أوباما الذي اتخذ قراره للتقارب مع إيران.
وكما يرى روجر كوهين بمقال «لحظة العربي الغاضب» في صحيفة «نيويورك تايمز» فالغضب نابع من الشعور بالإهانة الذي ينتاب العرب من إيران وإسرائيل وتركيا وجعلهم «مضحكة» بحسب عمرو موسى، الأمين العام السابق للجامعة العربية الذي تحدث إليه الكاتب في دبي.
لكن إيران تظل مركز غضب العرب واحتلت مكانا أكبر من إسرائيل. وبالمحصلة يرى كوهين أن العربي الغاضب عليه القبول بواقع ترغب فيه أمريكا بالتفاهم مع إيران، مؤكدا أن حس الإهانة نابع من الداخل وليس من الخارج. وأن ما بنـتـه إيران من نفوذ بالمنطقة جاء في غيـاب المشروع النووي وليس بوجوده.
ويرى أن هناك إيران توسعية ممثلة بالجنرال قاسم سليماني وأخرى راغبة بالعلاقة مع الغرب ممثلة بالرئيس حسن روحاني على دول الخليج أن تقرر مع من ستتعامل. ويقول إن إيران هي دولة كبيرة ومصلحة الدول العربية تكمن في إيران مقيدة لا واحدة تطلق العنان لرغباتها. وبالمحصلة على دول الخليج أن ترضى بالواقع.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول داود. إيطاليات:

    أمريكا ام الديمقراطية و الحرية و هي الأمة القائدة في ذلك وقد ساعدت الشعب السوري بتدريب ٩٠ متطوعا و اذا حصلت الحرب مع العدو الإيراني امريكاستساعد الخليج معنويا. و ستتفهم غضبهم بسرعة وقبل مرور اربع سنوات و النصيحة ان تتجنب الصدام المباشر مع ايران و ان تهزمها في سوريا ولبنان و مساعدة اهلنا في الأهواز و مهما كلّف هذا النصر سيكون افضل من الحرب المباشرة و اليمن لا باس من التحالف مع مرتزقة صالح للقضاء على الحوثيين و رحم الله عنترة عندما قال اضرب الجبان ضربة يطير معها قلب الشجاع.

اشترك في قائمتنا البريدية