13 عاما على اقتحام سفارة إسرائيل في مصر… ودومة لـ«القدس العربي»: الثورة عرفت عدوها

تامر هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: قبل ثلاثة عشر عاما وبالتحديد في العاشر من سبتمبر/ أيلول2011، حاصر الآلاف من المصريين سفارة الاحتلال الإسرائيلي في محافظة الجيزة، في إعلان واضح عن موقف ثورة الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2011، التي أطاحت بالرئيس المصري محمد حسني مبارك، من اتفاقيات الموقعة مع العدو الإسرائيلي، والتأكيد على الموقف الداعم لفلسطين.
وفي مشهد بدا سينمائيا، تمكن شباب من تسلق المبنى الذي تقع فيه السفارة ويقع أمام جامعة القاهرة وعلى ضفة نهر النيل، واحتلوا الأدوار الأخيرة منه، وسط تهليل المتظاهرين وهتافاتهم «نرددها جيل وراء جيل نعاديكي يا إسرائيل» و«أول مطلب للجماهير قفل سفارة وطرد سفير».
كما تمكن عدد من المتظاهرين من دخول بهو السفارة من النوافذ، وألقوا بأوراق ومستندات، طارت في الهواء بعضها استقر فوق مياه النيل والأخرى تسابق المتظاهرون للحصول عليها.
لم يكن مشهد تسلق المتظاهرين للمبنى الشاهق الذي تحتل السفارة الدورين الأخيرين ضمن 18 دورا هو البداية، فسبقه مسيرة حمل المشاركون فيها «الشواكيش» من ميدان التحرير إلى مقر السفارة في الجيزة.
وعقب وصول المسيرة بدأ المئات هدم الجدار الذي شيدته قوات الأمن المصرية على نهاية كوبري الجامعة لمنع أي محاولة للوصول إلى المبنى الذي يقع فيه السفارة، قبل أن يشرعوا في ربط الجدار بالحبال وجذبه ليقع معلنا سقوط آخر حصن للسفارة.
على إثر ذلك، اضطر الاحتلال أن يغلق سفارته لمدة 4 أعوام، قبل أن يعيد فتحها في التاسع من سبتمبر/ أيلول 2015.

مسيرة الشواكيش

يتذكر الناشط السياسي أحمد دومة، أحد أهم قيادات ثورة 25 يناير/ كانون الثاني ذلك اليوم، ويحكي لـ«القدس العربي» كيف جرى الترتيب له.
ويقول إن حركة الثورة العربية وهي الحركة التي انطلقت عام 2011 لتبني شعار المقاومة والتحرير، هي من أطلقت الدعوة لخروج مسيرة «الشواكيش» من ميدان التحرير في اتجاه مقر سفارة العدو الصهيوني لهدم الجدار الذي شيدته السلطة لحمايتها.
ويؤكد أن العلم الوحيد الذي اقترن بعلم مصر طوال أيام وأحداث الثورة، دون سبب لحظي كحدث أو موقف أو ذكرى، هو علم فلسطين.
وأضاف: شاركت في الهتافات طوال أيام الثورة. لم يفت يوما أو شطر منه لم نهتف لفلسطين ولتحرير كامل التراب المحتل.
ويتذكر دومة بعض التباين الذي شهده الصف الثوري، لكنه أكد أن الموقف الثوري انحاز بالكليّة للقضية الفلسطينية، قائلا: صحيح جرى خلاف شديد وصل للصدام، خاصّة تحت تهديد المجلس العسكري ورسائل دبلوماسيين وغيرهم، حين طرحت الفكرة وخرجت للعلن، إلا أن القرار كان حسم: سنخرج من التحرير إلى السفارة لنعلن موقف الثورة من العدو ودعم المقاومة المسلحة بوضوح.
ويتابع: أذكر أننا سيّرنا قوافل مساعدات إلى غزة خرجت من ميدان التحرير أيضاً عام 2011، كل هذه المواقف تؤكد أن الثورة كانت تعرف عدوها، وطريقها، وغايتها، وأن كل تصور يحصر مطالب وأهداف الثورة في العيش والحرية فقط دون التحرير والاستقلال الوطني هو تصور قاصر وجاهل، وتغيب عنه الكثير من الحقائق التي دارت في الاجتماعات والميدان.

خلال انتفاضة 25 يناير… وأُطلق على الحدث اسم «مسيرة الشواكيش»

ويتحدث دومة عن الإصرار على لأن تتضمن شعارات الثورة وقتها الإشارة إلى «الاستقلال الوطني» في كل موضع والموقف من معاهدة السلام التي وقعتها مصر عام 1979 والمعروفة إعلاميا بـ«كامب ديفيد» والاتفاقات مع العدو وشراكات المصالح.
وتناول في حديثه، كيف واجه الداعون لمسيرة «الشواكيش» التي اقتحمت فيها سفارة العدو وأغلقت، اتهامات أنهم سبب الإجهاز على الثورة، بما تضمنته المسيرة من رسائل لواشنطن والصهاينة ومن ورائهم الكثير من الغرب، لكنه يؤكد أن هذا التصور كان قاصرا. ومن يظن أن أحدا من هؤلاء سيقبل بتمردك على السائد المانع لحريتك، وكفايتك الاقتصاديّة، ولو تخليت عن التحرير، فهو واهم، لأن الثورة تهدد مصالح هؤلاء جميعا، قبل أن تكون طرفا في الصراع مع العدو.

طرف في الصراع

يعود دومة للموقف المصري من العدوان على قطاع غزة، مؤكدا أن ثورة يناير/كانون الثاني لو انتصرت لما جرت الإبادة في غزة، ولما بقيت المقاومة وحدها ولما ترك الأهل في القطاع للتجويع والمرض والعراء، بلد تحكمه الثورة هو طرف في هذا الصراع بوضوح وحسم، لأنه يعرف محددات أمنه القومي قبل أن يكون منحازا لقضية وجوده وأمنه ومصالحه، وأقصد طرفا هنا، بالمعني العسكري والدبلوماسي والإغاثي.
وختم حديثه بالقول: مصر يناير/كانون الثاني لن تكون وسيطا متصهينا يدّعي الحياد كما هو الحال الآن، ولن تشارك في الإبادة بعلاقتها مع العدو وانتمائها لمشروعه كما هي الآن، ولن تحاصر الأهل وتمنع الغذاء والدواء، وتقمع المناصرين وتجرم رفع علم فلسطين كما هو الآن، يمكنك حصر الجرائم التي ترتكبها السلطة بحق فلسطين وأهلها والمقاومة ومشروعها، وتنفيها جميعا لو كانت انتصرت الثورة، ربما لهذا أجهزوا على الثورة، ربما لهذا يرتعبون من احتمالات الآتي، وربما في هذا فقط معهم حق، فأي حراك جماهيري واعٍ أي ليس مجرد انفجار غاضب لأسباب اقتصادية مثلاً ستكون وجهته فلسطين، وعدوه الاحتلال، الذي يعتبره حكامنا بوابة الوصول وضمان البقاء على الكرسي، والتابع سيسقط مع المتبوع بالضرورة.

مشهد لن أنساه

لم يقبل الشعب المصري بالتطبيع مع العدو أو يعترف باتفاقية السلام أو يرضى بوجود سفارة الاحتلال على أرضه في أي وقت، حسب عمرو بدر منسق لجنة الحريات في نقابة الصحافيين السابق.
وبين بدر لـ«القدس العربي»: كان لي الشرف والحظ أن أكون واحدا من المشاركين والشهود على حصار السفارة الإسرائيلية بعد ثورة يناير/كانون الثاني، وهذا المشهد لن أنساه ما حييت هو التعبير الحقيقي عن مشاعر المصريين اتجاه الكيان المحتل، وهو الرفض التام والكره التام ورغبة صادقة في ألا يكون لهم وجود على أرض مصر. ويتذكر بدر أن أجيال صغيرة السن وقتها شاركت في هذا الحدث، لا يعرفوا الكثير عن الصراع العربي الإسرائيلي، ولم يلحقوا بمراحل كثيرة من هذا الصراع، ما يؤكد أن هذا الرفض هو رفض فطري لدي المصريين للكيان المحتل.
ويرى أنه حال انتصار ثورة يناير/كانون الثاني ووصولها للحكم في مصر، فإنها كانت ستكون أقرب في نمط حكمها لما في قلوب المصريين، بمعنى أن ممثلها في الحكم سيكون على قطيعة نفسية وسياسية مع اتفاقية السلام الموقعة عام 1979، والمعروفة بـ«كامب ديفيد» وأخواتها مثل أوسلو ووادي عربة وغيرهما.
ويبرر بدر رأيه، بأن الحاكم في هذه الحالة سيحكمه انتمائه الفكري والسياسي، إضافة إلى أن سيدرك أنه يعبر عن جمهور يرفض إسرائيل ولا يقبل أي نوع من التعاون أو التطبيع مع الاحتلال.
ويواصل: أظن أن جزءا من الهجوم الذي شنته بعض الدول على ثورة يناير/كانون الثاني، كان مرتبطا بإدراكهم أن هذه الثورة برموزها وشبابها وأجيالها المختلفة في صدام مع إسرائيل والمشروع الاستعماري بشكل عام، ما دعا هذه الدول لاتخاذ موقف العداء من الثورة وتشويهها والعمل على هزيمتها.
وختم: مصر سواء انتصرت ثورة يناير أو تعطلت في الطريق، تبقى بشبابها ومثقفيها رافضة لإسرائيل وفي مواجهة دائمة معها.
وحظيت ذكرى اقتحام السفارة الإسرائيلية هذا العام باحتفاء غير مسبوق على مواقع التواصل الاجتماعي لتزامنه مع استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ العشرين من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وعبر مصريون، عن رفضهم لوجود سفارة للاحتلال في مصر.

مقر مؤقت

وافتتحت السفارة الإسرائيلية في مصر للمرة الأولى في 19 فبراير/ شباط 1980، حيث نصت اتفاقية السلام الموقعة عام 1979، على تبادل مصر وإسرائيل السفراء في موعد أقصاه 26 فبراير/ شباط 1980.
وعلى مدار أشهر سبقت افتتاح السفارة، فشل وفد إسرائيلي وصل إلى مصر للبحث عن مقر للسفارة في الوصول إلى غايته بسبب رفض المصريين تأجير منازلهم كمقر للسفارة، حتى وافق صاحب فيلا تحمل رقم 23 في شارع محي الدين أبو العز في محافظة الجيزة على تأجيرها للسفارة مقبل 4300 دولار شهريا.
وبينما كان يرفع العلم الإسرائيلي للمرة الأولى في مصر بحضور الرئيس محمد أنور السادات، وشهد اليوم نفسه أول واقعة مقاومة للتطبيع.

أول سطر

فعلى بعد ما يقرب من 40 كيلومترا من مقر السفارة، حمل سعد إدريس حلاوة، الفلاح المصري، حقيبة بعد أن وضع فيها سلاحا آليا، وتوجه إلى مبنى الوحدة المحلية في قرية أجهور الكبرى في محافظة القليوبية في دلتا مصر، واحتجز اثنين من موظفي القرية وطالب بطرد السفير الإسرائيلي، حتى نالته رصاصة أحد القناصة، ليكتب حلاوة أول سطر في كتاب مقاومة المصريين للتطبيع ورفضهم معاهدة كامب ديفيد.
لم يستقر الحال للوفد الدبلوماسي الإسرائيلي في شارع محي الدين أبو العز، بسبب عدم ملائمة الفيلا وصغر مساحتها من ناحية، ولأسباب أمنية تتعلق برغبتهم في التواجد في عقار يقطنه سكان لضمان عدم استهدافه، فوقع اختيارهم على مبنى يطل على النيل وتمكنوا من شراء 4 شقق من مالكيها مقابل مليون دولار، وحاول سكان العقار إبطال عقد التأجير، وكانت آخر محاولتهم في تسعينيات القرن الماضي، حينما أقاموا دعوى قضائية لطردهم من العقار لكنهم فشلوا في ذلك.
وظلت السفارة تحتل عقار الجيزة، حتى اقتحمها المتظاهرون في سبتمبر/ أيلول 2011، ليتم غلقها 4 سنوات، ليعاد افتتاحها في مقر إقامة السفير في حي المعادي في القاهرة كمقر مؤقت، لكنها ظلت في هذا المقر المؤقت حتى الآن.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية