قراءة الوداع القسري: نصر حامد أبو زيد

حجم الخط
0

ابراهيم سعـيدالمفكر جزء من كلمة الأمة، وكتبه جزء من نصوص البشرية المكتوبة، كتبه ومحاضراته وأوراقه النقدية ودراساته وكلماته خيوط من نسيج شامل تتدثر به الأمة في برد الزمان المستمر، هكذا يكون فقدُ المفكر فادحاً على الصوت والكلمة، بكمّ ٍ مجازي ودفء مفتقد يحرم الأمة من صوتها المفكر، افتقاد فكري لصوت عزيز وكلمات ثمينة يدرك قلة (بالنسبة للمجموع) أهمية افتقاد صاحبها، وهؤلاء القلة هم نواة الشعور بالفراغ الذي يخلفه المفكر وبفاجعة رحيله.الوقوف القسري لوداع المفكر الذي يخطفه الموت عن عالمنا يستلزم قراءة، أبسط مظاهرها قراءة كلماته وتناول كتبه ومناقشة أفكاره، والنظر إلى سيرة حياته، وهذا ما تقترحه علينا التقاليد المعرفية، تلك التقاليد التي حرص المفكر طوال حياته على تعهدها والعناية بأشجارها وحديقتها وتدوين ثمارها الفكرية. مشهد المفكر والأمةحين يتلاقى المسلم المعاصر مع كتب وفكر نصر حامد أبي زيد يتعرف على المطمئن الفكري والحيوية التي يخلقها الرسو في ميناء الحاضر والعصري، دون تعارض ولا عداوة بين الدين والزمن. يعيد نصر تعريف الإسلام وفق منهج علمي وخطاب معاصر يتجاوز عشوائيات الخطابات الدينية السائدة بأنواعها، من الأكثرها شعبية إلى الأكثرها نخبوية، عبر منهج يضع الدين في إطار فهم علمي يتحول الدين والنصوص الدينية فيه من: جدار ميت ونصوص مقبورة – لا يجوز في حقها غير التمسح بالأيدي والأثواب والتقبيل – إلى: كعبة حيوية ونصوص نورانية مستمرة في البلاغ والدلالة. تتحول الخرابة الدينية التي يعبث فيها الجهلة – باسم الدين وبقوة السلطة منذ قرون – بعد قراءة نصر حامد أبي زيد إلى حرم أكاديمي راق، وإلى جامع حقيقي يشعرك بصدق الدين وروحانيته الغائبة عن المتزمتين بالرسوم التي على قشر الثمار القديم.تكرار النظر إلى سيرة حياة المفكر يمكننا من قراءة مشهد الأمة وهي تطرد المفكر من وطنه لندرك معنى أن تضيق الأمة بدل أن تتسع. نتفرج على أمة جاهلة ضعيفة مشتتة تنهشها الأمراض والعلل السلطوية بأنواعها، تسقط كل يوم في ورطة جديدة، تعيش على فكر ديني عماده التخويف والإرهاب الأخروي، أمة هربت من المعرفة فوقعت منذ دهر في حفرة زمنية و مستنقع مأزق، ترفض الخروج، وتكتم أنفاس المفكر الذي ينصحها بالخروج وتطرده، بل وتطلقه من زوجته وتتبرأ منه كالقبيلة الغاضبة من زوج إحدى بناتها. هكذا تعاملت هذه الأمة (الأمة الواحدة المشتتة) مع مفكريها..مع عقلها!آخر أحداث سيرة حياة (ابو زيد) كان في الكويت عندما رفضت السلطات الكويتية دخول المفكر العصري إلى البلاد رضوخاً كما قيل لتأثير النواب الأخوان في مجلس (الأمة)، ومن محكمة القاهرة: التي اعتبرته مرتدّاً وأصدرت قرارها بتطليقه من زوجته (في قضية رفعها ضده ‘زملاؤه الأكاديميون’)، إلى مطار الكويت: التي تقدم فيها الموظف المحرج إلى المفكر وأبلغه قرار منع الدخول، وما بينهما لم تتمكن الأمة من قراءة نصر حامد أبي زيد، لم تكلف الأمة نفسها باستطلاع الأمر واكتفت بالتلقين، هل يدلنا ذلك على أن الأمة لا تزال أمية لا تعرف كيفية التعامل مع الكتاب؟ فلا شيء يدعو إلى إقلاق سلام الجهل واطمئنان الأمية، ما دامت الحروب نفسها لم تفعل ذلك. منذ أعوام كتب الصحافي والشاعر العماني محمد الحضرمي عن حادثة رؤيته لصورة نصر حامد أبي زيد معلقة في لوحة حائط في مستشفى لمقال حول السمنة المفرطة، تلك الحادثة إشارة رمزية إلى الكيفية التي تستخدمها الأمة لتتعامل مع صورة المفكر.لا يفرق ملوك الخطاب الديني التقليدي السائد بين الاختلاف في الرأي والعداء، وما إعادة النظر إلى سيرة حياة نصر حامد أبي زيد إلا وسيلة من وسائل عدة تكشف إلى أي مدى بلغ تخلف الأمة وجهلها بل واستخفافها بحالتها المرضية.. يتمنون الصعود ويحطمون السلالم. قراءة المفكريتبقى أثر العقل المفكر في الكلمات، في تلك الكلمات التي تحفظ جسد الأفكار التي يسميها إدوارد سعيد: الأفكار الخالدة في أعمال العظماء؛ والتي يجب إبرازها وإظهارها وإعادة إنتاجها باستمرار، ذلك هو إرث المفكر لكن ليس لأقاربه فقط حسب قسمة الإرث الشرعية بل للجميع حسب القسمة المعرفية.(أصبح في حكم الحقائق المسلم بصحتها أن الفكر البشري، أي فكر بما في ذلك الفكر الديني، نتاج طبيعي لمجمل الظروف التاريخية والحقائق الاجتماعية لعصره.. إن الفكر الجدير حقاً بهذا الاسم هو الفكر الإيجابي الذي يتصدى لحقائق العصر بالتحليل والتفسير والتقويم.. والفكر الذي يكتفي بتبرير الواقع والدفاع عنه، إنما ينتمي إلى مجال الفكر على سبيل المجاز.. إن الفكر في جوهره وحقيقته حركة لاكتشاف المجهول انطلاقاً من آفاق المعلوم) (‘نقد الخطاب الديني’، ط1 ـ سينا للنشر ـ 1992).منذ أعماله المبكرة عرف نصر حامد أبو زيد كيف يعيد نصب طاولة النقاش مع الخطاب الديني السائد، عبر عزل الفكر الديني عن رغبته ومحاولته لاكتساب القداسة بالالتصاق بالدين، الأمر الذي يفسح المجال للتوجهات المعاصرة كي تفرق بين تعارضها مع الفكر الديني وبين الدين؛ فالدين: هو مجموعة النصوص المقدسة الثابتة تاريخياً، والفكر الديني هو: الاجتهادات البشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها؛ ها نحن أمام نوع فعال من أنواع القراءة استطاع به نصر حامد أبو زيد أن يتلافى مشاكل هائلة وملابسات معقدة كانت ترجف داخلها كل الخطابات التي حاولت انتقاد استبداد الفكر الديني، أو ضاقت ذرعاً بتسلطه، ثم لم تملك إلا أن استسلمت وتخاذلت وعادت إلى قطيعها. جاء نصر حامد أبو زيد كي يثبت لنا جميعاً أننا لم نقرأ، ولا نقرأ، وأن الأمة التي تتبجح بأن أول آية أنزلت على نبيها كانت تأمر بالقراءة لا تقوم بفعل القراءة، واستعداداً لإجابة الملَك الذي يدعونا للقراءة (إقرأ) فإن الخطاب الديني السائد لا زال يلقن الجميع في تلقين الصبيان (ما أنا بقارئ) بمعنى رفض القراءة لا بمعنى عدم القدرة على القراءة، والجميع غافل عن أن القراءة هي قدر الجميع سواء أكان يجهل القراءة أم يجيدها (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليكَ حسيبا).نصر حامد ابو زيد قارئ يعتمد مناهج دراسة النصوص المعاصرة بفكر ثاقب ليفعلها في قراءة النصوص المقدسة الثابتة تاريخياً والتي تشكل الدين، ليخلص إلى نتائج حاسمة تتجاوز إعاقات الفكر الديني والخطاب الديني المتأزم مع جميع الأطراف (مع ذاته ومع أتباعه ومع الدين)، ليخلص الدين من تسلط الخطاب ومن مصادرة المعنى لصالح فئة أو طائفة. كان المفكر يجاهد من أجل تفعيل القراءة في وسط يحارب القراءة، وليس إرثه حين نعيد التفكير به بعد وفاته إلا تلك المجاهدة التي أفناها في خلق أطر منهجية علمية تمكننا جميعاً من قراءة كتاب واحد لا زلنا نحاول قراءته في عصرنا ونفشل منذ ‘تفسير المنار’ لمحمد عبده ومحمد رشيد رضا.وحين يمر نصر حامد أبو زيد على العصر الذي اصطلحنا على تسميته بـ (النهضة) وبعد أن يتفق مع التحليلات القائلة بأن النكوص التنويري كان بسبب الطبيعة التلفيقية لمشروعات النهضة، لا ينسى أن يشير إلى ما يعتبره الخلل المنهجي: (خطاب التنوير ظل يدور مع نقيضه السلفي داخل دائرة السجال الأيديولوجي. ولم يتجاوز ذلك إلى تأسيس أفق معرفي جديد..ظلت الرؤية اللاتاريخية للنصوص الدينية هي المسيطرة عند كلا الفريقين) طبعاً دون نكران دور التنوير في وضع بذور التعامل مع التراث، لكن للأسف فإن الخطاب الديني تمكن لاحقاً من استعادة الأرض التي فقدها بيد التنوير.قراءة النص الديني(إن القول بإلهية النصوص والاصرار على طبيعتها الإلهية تلك يستلزم أن البشر عاجزين بمناهجهم عن فهمها ما لم تتدخل العناية الإلهية بوهب بعض البشر طاقات خاصة تمكنهم من الفهم).فإذا سلمنا القول بإلهية النصوص وعجز الإنسان عن قراءتها وفهمها فإن علينا أن ننتظر وحياً جديداً بمنهج الفهم والقراءة بعد أن صار لدينا وحي النص، من نتائج ذلك أن القرآن (المشتق اسمه من القراءة) يصير مجرد محاورة إلهية ذاتية: (يبدو كأن الله يكلم نفسه ويناجي ذاته، وتنتفي عن النصوص الدينية صفات ‘الرسالة’ و ‘البلاغ’ و ‘الهداية’ و ‘النور’) ويوصلنا المفكر لنتعرف على أن قراءة الفكر الديني للنصوص الدينية تنافي هدف النص المعلن فضلاً عن تجاهلها لعملية بنائه التاريخية ولما يسميه بالظاهرة القرآنية القائمة على التفاعل الحيوي، تلك الظاهرة القابلة للقراءة في سياقات تاريخية وثقافات لغوية متجددة، دون احتكار قراءة النص في زمن تاريخي مما يتعارض مع أهداف القرآن من الرسالة والبلاغ إلى الناس. من هنا يدعو نصر إلى الوعي التاريخي العلمي بالنصوص الدينية أي إلى دراسة النصوص، وهي دعوة وإن كانت تشابهت مع دعوات أخرى إلا أنها تفارقها في دعم التنظير بالممارسة، وفي عدم الوقوع في التناقض المنهجي الذي تشتكي منه كتابات أخرى، أو في الوهم الأيديولوجي التلفيقي، والأهم أنها تتوجه إلى الجمهور المعني بلغته.(إذا كان الفكر الديني يجعل من قائل النصوص ـ الله – محور اهتمامه ونقطة انطلاقه فإننا نجعل المتلقي ـ الإنسان – بكل ما يحيط به من واقع اجتماعي تاريخي هو نقطة البدء والمعاد). أسلمة الأدب والعلوملا تكفي المقالات القصيرة للإلمام بآفاق المفكر لكنها على الأقل تشير إلى نوعية المعاول المنهجية التي كان نصر حامد أبو زيد يحاول بها أن يكسر حجارة الأصنام الدينية المنصوبة على كعبة نصوص الدين. لكن الإشارة تكفي وتدل على مستوى ذلك الوهج الجميل الذي كان المفكر يحرص على إضاءته في الظلام الدامس.(إن الدعوة لأسلمة العلوم والآداب والفنون دعوة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب. إنها دعوة تؤدي إلى تحكيم الفكر الديني الخاضع لملابسات الزمان والمكان والموقف الاجتماعي في محالات فكرية، عقلية وإبداعية، لم تتعرض لها النصوص الدينية..أسلمة الآداب والفنون والفكر والثقافة دعوة لا تقل في خطورتها عن الدعوة لأسلمة العلوم، إذ تنتهي كلتاهما إلى مد سيطرة رجال الدين على كل مجالات الحياة. إنها تنتهي إلى ‘محاكم التفتيش’).ليس غريباً إذن أن تشتد دعوات أسلمة الآداب والعلوم في الوقت الذي تتخلف فيه الأمة وتتناحر ويبغض بعضها بعضاً، وعندما يضرب نصر حامد أبو زيد المثل بالفكر الديني لليهودية والمسيحية فإنه يقصد أن يعيد خطاب الفكر الديني الإسلامي إلى نصاب النص لا إلى نصاب الأيديولوجيا الضيقة التي تريد أن تلوي النص لغاياتها الأيديولوجية، كي يتخلص هذا الفكر من ديكتاتوريته وتسلطه، وفي نفس الوقت أن يبرئ خطابه الفكري من أي دعوى أيديولوجية ضيقة بالاحتكام إلى دراسة النص الديني، قبل أن تنصب المشانق والمحارق في الطرقات والساحات.إهداء هكذا تكلم ابن عربي، الهيئة العامة للكتاب 2002م: (..لكل أم ـ أولاً- ولكل أب ـ ثانياً -، ولكل قارئة وقارئ ثالثا ولكم أود لو ذكرتكم بالأسماء فرداً فرداً، لأن وجوهكم أعرفها، وملامحكم أحفظها في ذاكرتي. يا أهلي.. كتابي هذا هو أغنيتي، من أغنياتي التي أود لو أسمعها لكم بصوتي في آذانكم..) وداعاً أيها الصوت، خلوداً أيتها الكلمات.qd

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية