محمود قرنيقبل أيام من رحيله كنت أطالع ديوانه ‘خرافة مفتوحة ‘ الصادر قبل أقل من شهر واحد عن سلسلة ديوان الشعر العربي بالهيئة المصرية العامة للكتاب. كنت أتلمس حلما قديما يطل برأسه من بين سطور قصائده المكثفة القصيرة، على غير العادة. حلم القصيدة التي تقبض على آلام ناسها، تنتمي لغبارهم وروائح طلعهم، نباتاتهم وأعشابهم وأوشابهم، قصيدة بغبار صاحبها النبيل الشاعر أحمد زرزور الذي رحل عن عالمنا بعد صراع دام لسنوات مع مرض الكبد. كنت أقرأ الديوان ولم يكن بحسباني أنه سيكون آخر دواوينه، كان الشعور الذي ظل يلازمني أن زرزورا وجد ضالته بعد ثلاثة وستين عاما من المكابدة مع حياة تكتظ بالشظف والمعاناة والألم، غير أن زرزور الذي ظل يلازمه سوء الحظ، أسلم كل شيء قبل أن يتم القول، أو لعله أتمه. هو نفسه يجيب عن هذا السؤال في ديوانه الأخير عندما يقول: ‘ما الذي حدث في هذا العالم: الموسيقى التي كانت بلا آذان نبتت لها أقراط الموسيقى لا تقلع باتجاهي آه من أين استعارت حراثتي؟هل عندما ارتعشت أغنيتي؟’ ***قبل أكثر من خمس سنوات وعبر حواراتنا التي لم تنقطع عن الشعر عامة وقصيدة النثر خاصة ؛ طالما تحدث ‘زرزور’ عن حلمه التاريخي بما أسماها قصيدة ‘بغبار الطريق’. أما الغبار الذي يعنيه ‘زرزور’، ربما لن ينجح أحد في شرحه أبدا لأنه من ناحية يمثل الحلم المستحيل بالنسبة للشاعر، أي شاعر، ومن ناحية أخري فإن الطاقة الهائلة التي كانت تجذب الراحل إلى الفقراء والبسطاء والمهمشين لا تكاد تضارعها طاقة، حتى لدى أعتى من تحدثوا عن الحلم الأفلاطوني بعدالة شبه إلهية. فوق ذلك لا بد للمرء من أن يستمع، بإنصات المحبين، إلى لثغات وشقشقات ‘أحمد زرزور’ وهي تخرج متهدجة من حنجرته الباكية الشجية عندما يؤكد أن مقصده يتلخص في أن ‘ القصيدة لابد لها من أن تتخلص من نقاء الميتافيزيقا وبيانات النخبة التي حرضت على الفصل بين الشعر وبين مفردات الحياة، تحت زعم أن السياسة للسياسي والشعر للشاعر، مما أدى الى تجريف القصيدة من مائها الحيوي’.قصيدة زرزور إذن كانت ولا تزال هي نص الحياة الجدلي كما يسميها وكما يحلم بها، قصيدة تظل الذات فيها على علاقة مباشرة وأصيلة بأصوات الجموع الهادرة. فالشاعر ظل يتعامل مع فقره ويتمه باعتبارهما إيقونة يجب أن تكون مثار تقدير واحتفاء، وظل يتعامل مع إقامته في القاهرة على أنها إقامة جبرية، أما قلبه فظل هناك في قريته ‘سهرويت’. من هنا كان الرجل يجد في نفسه المبررات الدائمة لرفض الحضور الإعلامي والنقدي الذي يراه ذاهبا، دائما، إلى أصحاب الأعمدة الصحافية والرشاوى النقدية. زرزور مات برومانسية فائقة لدرجة تثير الحسد، فلم ألتق الرجل إلا ويحدثني عن سحر الحي الشعبي الأسوأ على الأطلاق ‘بولاق الدكرور’، فقد كان كثيرا ما يخرج في الصباحات الباكرة ليشاهد نسوة الحي وهن يتعذبن بقروشهن القليلة في قضاء حاجيات لا تنتهي، كما كان يذهب أسبوعيا إلى قريته ليشاهد ما يسميه سحر القمصان الزرقاء تحت قيظ الظهيرة وكان يقصد دائما هؤلاء الفلاحين الفقراء الذين أقضهم الجوع. من هنا كان زرزور يتحدث بقلب أكثر جرأة عن المثقف العضوي الذي لا يجب أن يقطعه الشعر عن السياسة ولاعن آلام الناس، وأظن أنه في ديوانه الجديد ‘خرافة مفتوحة’ استطاع أن يحقق حلم ‘قصيدة غبار الطريق’ التي وعد نفسه وقراءه بها. **** يعتبر أحمد زرزور واحدا من شعراء حقبة السبعينيات في مصر، لكنه لم يكن إلا خارج السياق. ففي الوقت الذي انتهبت فيه جماعتا أصوات و إضاءة الشعريتان القض والقضيض، ظل زرزور خارج إطار الجماعات، وإن كان قد عبر مرة عن رغباته القديمة في الانضواء تحت لواء إحدى الجماعتين، نظرا لما مثلتاه من سطوة على الواقع الثقافي، إلا أنه أكد، في الوقت نفسه، على أنه كان مخدوعا بشكل كبير، وأن رفضه للمنهج المكلل بالأيديولوجيا للجماعتين كان رفضا موضوعيا يتعلق بقناعاته التامة بأن الشعر لا يمكن أن يولد في أحضان الأيديولوجيا، لذلك ظل زرزور لا يفوت مناسبة إلا وعبر عن طموحه في كتابة نص يغاير تلك المفاهيم، وقد بدا ذلك في اللحظات الكاشفة التي تواترت عليه فيما بعد، حاملة معها قيمة اعتصامه بوحدته دون انخراط في الخطاب الذي ظل يراه ممتلئا باللجاجة أكثر مما هو ممتلىء بالشعر، وفي حوار معه قبل أكثر من عشر سنوات أكد زرزور أن هذه الاستقلالية عن الجماعتين ساهمت في إنقاذه في من براثن الكتابة الجماعية، رغم أنها أدت الى حرمانه من الاستفادة بالحضور الإعلامي والنقدي الذي حصده هؤلاء الشعراء على اختلاف الدرجة والقدرة، ‘هكذا بطريقة البيع بالجملة’ بتعبير زرزور نفسه. ولأن الرجل خلص إلى مفهوم الشعر وحده دون ترهلات ولغط الأيديولوجيا فقد ظل المعيار الوحيد لديه للتفرقة بين الأشكال الشعرية هو مدى قدرة الشاعر على شحنها بالشعرية، فالشكل لديه ليس غاية في ذاته، وإن كان نص زرزور منذ بدايته يبدو منحازا بشكل كبير لقصيدة النثر، ولكونه ظل مطرودا من جنة السبعينيين المصريين، فإن أهمية شهادته على الشعر كانت ضرورية في لحظة فاصلة تقلصت فيها التجربة وانحسرت في أسماء، مع حسن الظن، لاتتجاوز أصابع اليدين.أصدر زرزور عددا من الدواوين منها: الدخول إلى مدائن النعاس 1986، جنون الورد 1994، حرير الوحشة 1994، هكذا تترمل الإمبراطوريات، شريعة الأعزل، نونيا، وأخيرا ديوانه الذي أتى قبل رحيله بأقل من شهر واحد ‘خرافة مفتوحة’، كذلك أصدر الشاعر الراحل عددا كبيرا من الدواوين الشعرية للأطفال وهو المجال الذي حصل فيه على جائزة الدولة التشجيعية، وقد ترأس تحرير مجلة ‘قطر الندى’ التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، وكان قد أقصي منها بعد العديد من المعارك مع أنس الفقي وزير إعلام النظام البائد والرئيس الأسبق للهيئة العامة لقصور الثقافة.وكان أحمد زرزور المولود في 20 شباط/فبراير عام 1949، بمحافظة المنوفية، قد حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1974، لكنه ظل يكره العمل بالمحاماة وكان دائما ما يذكرني بأنني ذاهب لا محالة للتهلكة أذا ما امتهنت هذه المهنة باعتباري حاصلا مثله على نفس المؤهل، لذلك قبل زرزور العمل بالهيئة العامة لقصور الثقافة وبدأ حياته العملية فيها اخصائيا ثقافيا، كما عمل مديرا لبيت ثقافة بولاق الدكرور، وهو نفسه الحي الذي ظل يقيم فيه حتى رحيله، ولا زلت أتذكر تلك المرارة التي كان يحدثني بها عن إزاحته من رئاسة تحرير مجلة ‘قطر الندى’ التي أسسها، بعد أن رأت زوجة الرئيس المخلوع أنها مجلة تحض الأطفال على العنف، لأن زرزور قدم من خلالها عددا خاصا عن أطفال الانتفاضة الفلسطينية. كان تعليق زرزور الوحيد أن بلادنا لم تعد بلادنا، لكنها بيعت ونحن أحياء في سوق النخاسة، أما النخاسون فيعيشون بين ظهرانينا. وقد عاش زرزور حتى رأى سوق النخاسة تنفض، لكنه كان متشائما ومتوجسا مما ينتظرنا في السوق الجديدة التي تذهب بالثورة باتجاه نهايتها. لقد عاش أحمد زرزور قابضا على جمرة مبادئه، صادقا، حييا، متعففا، خلوقا، عذبا، شاعرا. فمن ينصف الرجل؟ الذي عاش في الظل ولم يطلب أبدا أن يحشره الله في زمرة الشعراء.