الفتن مستيقظة من يخمدها؟

حجم الخط
0

لحسن عدنـانهل قدرنا كعرب أن نصطلي بنار الفتن من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر؟ فتن من كل نوع وصنف، فتن ظاهرة وأخرى باطنة، وفتن في الداخل، وأخرى في الخارج، وثالثة على الحدود. لماذا تتأجج كل هذه الفتن في نفس الوقت وتحرق المواطن العربي، الذي نسي كل شيء وأصبح يحلم فقط بمستوى من العيش بسيط؟إن القول المأثور الذي يحفظه جل العرب (الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها) أصبح أثرا لماض فات. أما الآن، وفي كل قطر عربي تقريبا، هناك فتن مؤججة، لظاها يشوي الوجوه، ونارها لا تخمد إلا لتشتعل. والمؤلم أن من يصبون الزيت على هذه النار، سواء من خلال مواقعهم، أو بواسطة أزلامهم، صوتهم مسموع وكلمتهم نافذة، ومتحكمون في الإعلام ودواليب السياسة، ومشرفون على غير قليل من وسائل الاتصال والتأثير في المجتمعات، ومسيطرون، عن حق أو عن باطل، على كثير من العقول والنفوس.أما العقلاء، فصوتهم خافت وتأثيرهم باهت، لأن الهرج والمرج غلفا العقول وغشيا الأبصار. وتوالى العزف على أوتار النعرات الطائفية والاختلافات المذهبية. وأصبح صوت العقل مغيبا ونور الحكمة محاربا. فلا عجب أن تتواصل الخطوب وتتناسل الفتن ويعلو الجهل وتنتكس الأحلام.فما هي أسباب هذه الفتن؟ وهل من سبيل لتجاوزها أو التخفيف من حدتها، وهو أضعف الإيمان؟أولا: في قابلية المزاج العربي للفتن أقول المزاج العربي توصيفا للحالة الراهنة، لأن صوت العقل، ومنذ زمان بعيد، غائب أو مغيب. وهي نتيجة طبيعية للمسار الثقافي التاريخي الذي سلكه العرب. ففي غياب ذلك العقل التحليلي الناقد، كحالة جماعية عامة، يسهل انقياد الناس لكل ناعق، سواء لجهلهم أو لطمعهم أو خوفا ورهبة أو لكل هذه الأســـباب مجتمعة. ويزداد الأمر ســـــوءا، حين ينتصب للدعاوى دجالون حظهم الخطابة، أو سياسيون ومفترون نصيبهم صــــناعة الكلام. فيجدون هوى لدى المتلقي العربي المستعد في كثير من الأحيان لتغيير رأيه، لا بناء على معطيات موضوعية، بل تبعا لمزاجه المتقلب، الذي هو نتيجة طبيعية للدجل الإعلامي والمسخ الثقافي.لا أريد أن انكأ الجراح من جديد، ولا أهدف إلى النيل من أي شعب عربي. والأمثلة التي سأسردها، هي للتدليل على فرضيتي السالفة، وإلا فكلنا في الهوى، وفي الفتن شرق. قبل مباريات كرة القدم الشهيرة، بين مصر والجزائر (ذهابا وإيابا، بما في ذلك مباراة السودان التي أطلق عليها البعض موقعة أم درمان) أكيد أن الشعبين العربيين في كلا البلدين كانا يؤمنان بوحدة المصير وبروح التضامن العربي وبالأهـــداف المشتركة، وغيرها من الكلمات الرنانة المحببة للمعلقين العرب والإعلاميين المفوهين. وهي الحال الطبيعية التي يجب أن تكون عليها جميع الشعوب العربية، أو على الأقل هو ما تصرح به النخب المتنورة وأهل الرأي والقلم في هذه البلدان، وجماعة المثقفين والفنانين ومن يشكلون وعي المجتمع. لكن بعد تلك المباريات، انقلب المزاج العام. ومن تتبع القنوات الفضائية، في الجانب المصري خاصة، بحكم أن الإعلام الجزائري الفضائي محدود جدا، وقد أديرت المعارك في الجزائر على صفحات الجرائد المكتوبة، من تتبع فصول هذه الحرب الإعلامية الطاحنة أكيد خرج بانطباع واحد، أن الأصل هو العداء والقطيعة، في حين أنه لا مبرر لكل هذه العداوة، ولا أساس لها أصلا. ولكنه المزاج العربي المستعد لكي يشعل نار الفتنة بناء على أوهن الأسباب وأحقرها أحيانا.وحين عرضت مشاهد مسيئة للمرأة المغربية، في بعض المسلسلات المصرية والكويتية، ثارت ثائرة المغاربة الذين شعروا بالإهانة وجرح الكرامة الوطنية. دبجت المقالات وتعالت الأصوات وتوالت التصريحات، وتعبأ الكثيرون للدفاع عن الوطن ضد أعداء الوطن.إن الأصل هو تجنب الإساءة لأي شعب من الشعوب، لا لشيء سوى أن مواطنة من هذا الشعب اقترفت سوءا أو أتت منكرا، فهذه الحالات منتشرة في كل شعوب العالم. ليس هناك شعب نقي طاهر مئة بالمئة. وكون مسلسل أساء للمرأة المغربية، هذا لا يعني أبدا أن المسؤولية يتحملها شعب بأكمله. المطلوب أن تهب هذه الشعوب جميعها للذود عن حقوقها وصيانة كرامتها وإرساء دعامات دولة الحق والقانون حتى لا يضام أي إنسان. وهي مهمة متواصلة لا تنتهي بين عشية وضحاها ولا تتحقق من جراء احتجاج هنا أو غضبة هناك. لأن إشعال هذه الفتن والانشغال بها مضيعة للجهد وتشتيت للفكر وتوجيه للطاقات الوجهة الخطأ. وحري بقادة الفكر وصناع الثقافة وأهل الرأي والقلم في كل الأقطار العربية أن يربأوا بأنفسهم عن الخوض في مثل هذه الصغائر، وأن يتجنبوا كل ما من شأنه أن يؤجج الصراعات وينمي روح الانتقام والتنابز. لأن قضايانا المصيرية ومشاكلنا القومية وما ينتظرنا من تحديات، كلها أمور كفيلة بأن تدفع بنا إلى استثمار الوقت والجهد والطاقة في البناء والتغيير الإيجابي والتعاون.ثانيا: من الدول الوطنية إلى الدول القبلية والطائفية إن رواد النهضة العرب الأوائل، في نهايات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وبعد أن تبخر حلم الوحدة العربية وانهار صرح الخلافة الإسلامية أو العثمانية، اقتنع كثير منهم بتحرير الأوطان التي يعيشون بين ظهرانيها من الاستعمار أولا، وربما تكون هذه الأوطان، وقد تحررت، مرتكزا للوحدة المنشودة أو الخلافة المرجوة. لقد رفع الزعيم سعد زغلول شعارا أصبح لبنة ضرورية لبناء الأوطان، ذلكم الشعار هو (الدين لله والوطن للجميع). فلكي يطفئ الفتنة في مهدها ويئد كل النعرات التي يتزر بها دعاة الطائفية، رفع هذا الشعار. فمعلوم أن أقباط مصر، هم شركاء للمسلمين المصريين في الوطن، وإن اختلفوا في العقيدة. وتحرير الوطن من الاستعمار سابق على الاختلاف في العقيدة، لأن المستعبَد أو المستعمَر، لن يعبد الله بحرية ولن يمارس عقيدته بتحرر. فكان لا بد من انضواء كل أبناء الوطن تحت راية التحرير والاستقلال. وبعد ذلك وليس قبله، ليعبدوا الله أحرارا، كل بما تفرضه عقيدته، مادام الوطن يسع الجميع، على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم ومللهم ونحلهم. إن هذه نقطة قوة الغرب وسر استقراره، وإن كانت هناك فلتات من حين لآخر، ولكن الأصل هو حرية العقيدة داخل نفس الوطن. في المغرب كانت هناك معركة لا تقل شراسة عن معركة أهل مصر في وجه المستعمر. ودائما في اتجاه تغليب الوطنية على باقي العصبيات، تحت جميع المسميات: القبلية أو الطائفية أو الإثنية. يتعلق الأمر بتلك الفتنة التي أحدثها صدور ما عرف تاريخيا بالظهير البربري.(الظهير البربري، اسمه الأصلي الظهير المنظم لسير العدالة في المناطق ذات الأعراف البربرية، التي لا توجد بها محاكم شرعية، هو قانون أصدره الاحتلال الفرنسي للمغرب ووقعه الملك محمد الخامس في 17 ذي الحجة 1340 هـ/ 16 ايار/مايو 1930.ونص هذا الظهير على جعل سير العدالة في بعض مناطق القبائل الأمازيغية تحت سلطة محاكم عرفية تستند إلى قوانين وأعراف أمازيغية محلية، وفق ما كان الأمر عليه قبل دخول الاستعمار. فيما تبقى المناطق المخزنية السلطانية (مثل فاس والرباط) تحت سلطة قضاء حكومة المخزن والسلطان المغربي. أنظر موقع ويكبيديا. لقد تصدت الحركة الوطنية لهذا الظهير، لأنه وسيلة المستعمر لإحداث الشرخ بين مكونات الشعب المغربي، وإشعال نار الفتنة بين أطيافه. واتخذت المواجهة عدة أشكال، منها قراءة اللطيف في المساجد، حيث كانت العقيدة ملاذا للمقاومة في وجه المستعمر وفي مواجهة الفتن.في التجربتين معا نلاحظ أن زعماء الحركات الوطنية حاولوا جهدهم تفادي كل ما من شأنه إحداث الفتنة والفرقة بين أبناء الوطن الواحد، كانوا يعرفون أهدافهم ويوجهون بنادقهم الوجهة الصحيحة. كان هذا في بداية القرن العشرين، مما يدل على النضج المبكر والوعي الحقيقي بأهداف المستعمر. لكن مع نهاية القرن العشرين، وبداية القرن الواحد والعشرين، انقلب الحال، واشتعلت الفتن لأن الدولة الوطنية تحولت إلى دولة طائفية، كل طائفة تنتظر أن تنضج الثمرة أو بالأحرى تهترئ الثمرة لتأخذ نصيبها تاما مكتملا. الواقع العربي رهيب جدا ومخيف، كثير من الدول مصيرها مجهول، والفتنة تطل برأسها من كل زاوية وركن. الحس الوطني تلاشى بشكل كبير، وأصبح الوطن معرضا لشتى خطط التمزيق والتشتيت والتدمير، تارة باسم الدين، وتارة باسم القبيلة، وتارة باسم الحزب. إن المتأمل في أحوال العالم العربي يخرج بخلاصة رهيبة.. فباسم الحزب أو الطائفة، هناك من هو مستعد لتقسيم الوطن. وباسم الوطنية (وهي مزيفة على كل حال) هناك من هو مستعد لقطع العلاقات وإغلاق الحدود ومحاربة دول الجوار العربية بكل أشكال الحروب. وأخيرا، باسم الأمة العربية أو الإسلامية، هناك من هو مستعد لمحاربة كل العالم، وكلها جعجعة ولا طحين، والصورة الأكثر مأساوية أن يُختزل الوطن كله، بأرضه وسمائه، ببحره وبره، في شخص الزعيم الأوحد. يموت الوطن ويحيا الزعيم. ثالثا: تجاوز الفرقة ووأد الفتنةإن المصير المجهول الذي يسير نحوه كثير من الأقطار العربية، يحتم على الجميع أن يبذلوا كل ما في وسعهم لوقف هذا التدحرج العبثي والمصير الجهنمي، فليس انفصال جزء من دولة عربية هو النهاية، نحن نعرف جيدا مآسي الحدود بين دول سايكس بيكو. إن الفتن والحروب التي يُراد لها أن تشتعل بعد كل انفصال، هي الهدف البعيد لأصحاب المصالح الكبرى في أوطاننا، فهل يعقل أن يكون جلد امرأة في الشارع العام، هو منتهى طموح القيادة في السودان، بدعوى تطبيق حدود الشريعة الإسلامية، في حين نرى شبه تسليم بانفصال الجنوب عن الشمال من طرف هذه القيادة؟ هل يظن السيد عمر البشير أن الانفصال مجرد عملية جراحية يبرأ بعدها الجسد السوداني ويلملم بقايا الجراح لينطلق من جديد؟ هل يعتقد أن العقل الغربي الاستراتيجي في البيت الأبيض وفي باقي مراكز القرار الدولية والغربية على وجه الخصوص يفكر على طريقتنا في الجلد والبتر والحبس؟ الأمر أعظم، لأن المعركة معركة مصالح كبرى وخطط بعيدة المدى، فتقسيم الأقطار العربية، هو مقدمة لتناحر هذه الأوطان وإشعال نار الفتنة الدائمة بينها، وبالتالي تأبيد تصادمها وتخلفها، لتسهيل مأمورية الولايات المتحدة الأمريكية والدول الدائرة في فلكها، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني. ولا أريد أن يفهم من كلامي هذا أننا ضحايا مؤامرة، إن نوايا القوم يصرحون بها أمام الملأ، وبأيدينا وبكل إرادتنا نساهم في تنفيذ ما يخططون ويبرمجون.تجاوز الفرقة داخل الوطن الواحد هو المقدمة لوأد الفتن، وهو السبيل لتنسيق الجهود وتوحيد المواقف بين الدول العربية. إن حالة الصراع العبثي التي تطغى على المشهد السياسي داخل كثير من الأقطار العربية مؤشر جلي على حدة الأزمة التي تمر بها هذه الأقطار. إن انفصال جنوب السودان، الذي أصبح في حكم ما ليس منه بد، يجب أن يدفع الجميع إلى التفكير الجدي في تجاوز كل الخلافات الداخلية. بناء الدولة القطرية وتعزيز وحدتها وتقوية صفوفها هو الهدف الواقعي الآن. لا داعي لرسم تلك الأحلام الكبيرة التي تخيلها الرواد الأوائل، سواء باسم القومية العربية أو تحت يافطة الوحدة الإسلامية. كل المؤشرات تصب في عكس وحدة كهذه.ولا سبيل إلى هذا الهدف (تقوية الدولة القطرية القائمة) إلا بصيانة حقوق الإنسان داخل هذه الأوطان. الإنسان بصفته إنسانا، بعيدا عن الانتماءات العقدية والتخندقات الطائفية والولاءات الحزبية والنعرات القبلية.. إن أعظم وحدة تجمع بين عدة دول قومية تتجسد في الاتحاد الأوربي، إن الدولة الوطنية لم تقف عائقا أمام بناء هذا الاتحاد الاستثنائي، لكن في أصل هذا الإنجاز السياسي والاقتصادي الكبير، نكتشف تلك الفلسفة الراسخة القائمة على احترام الإنسان الفرد وتقديره لدرجة التقديس. فالإنسان هو اللبنة الأولى في كل مشروع سياسي أو اقتصادي أو حتى حضاري، ولكي نعيد الثقة للمواطن العربي يجب أن تُرفَع عنه كافة القيود، ويخرج من جميع الانتماءات الضيقة، كي ينعم بحقوقه الكاملة، بين أحضان وطن يبره ويصون وحدته ويحفظ عهده ويقدس ترابه.آخر السطر، إن المرحلة التاريخية التي تمر بها الدول العربية لها ما بعدها، وحتى لا نواصل بكاءنا المزمن، ونأسف على ماض يعوق دائما توجهنا نحو المستقبل، لا بد أن نعمل على تجاوز الفكر القائم على تضخيم الخلافات وزرع بدور الفتن والنفخ في نار الفرقة. إن الفتنة أشد من القتل، لكن القتل أهون من إعمال المبضع في أجسادنا، وغرس الرماح في أعناقنا، ونحن أحياء نسمع ونرى، فهل نتعظ قبل فوات الأوان؟ ‘ كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية