احتفالات المؤسسة العامة للسينما في دمشق هل يكفي الاحتفال لخلق احتفاء اجتماعي بالسينما؟

حجم الخط
0

يارا بدر:دمشق ـ ‘ القدس العربي’ انتهى منذ أيام الاحتفال بـ ‘ السينما الصينية’ في صالة الكندي بدمشق، ليلة احتفال ‘ أفلام عيد السينما العالمي’، وليس هذان الاحتفالان سوى جزء من مجموعة تظاهرات سينمائية عدّة ترعاها المؤسسة العامة للسينما في دمشق كل عام بهدف إحياء الحالة الاجتماعية، أو الطقس السينمائي، كما يتحدث دوماً مدير المؤسسة السيد ‘ محمد الأحمد’. هذا طبعاً إلى جانب مهرجان دمشق السينمائي الدولي في خريف كل عام. قدمت المؤسسة في احتفالها الأخير ‘ أفلام عيد السينما العالمي’ 36 فيلماً من أبرز إنتاجات السينما العالمية، تقدّمها جميعاً فيلم الافتتاح ‘ تجارة الأعضاء’ للمخرج ‘ ماركو كرويز بينتنر’ الحائز على الجائزة الذهبية في مهرجان سان سيباستيان لعام 2007 . شملت الأفلام الـ 36 مختلف التصنيفات الفنية بهدف إرضاء أكبر ذائقة جماهيرية ممكنة، هذا من جهة. ومن جهة ثانية تبوأ كل فيلم من هذه الأفلام اسم أحد نجوم شباك التذاكر، فشاهدنا فيلم التشويق ‘ إثبات الحياة’ (2000) لكل من ‘ ميغ رايان’ و’ راسل كرو’. فيلم الدراما الإنسانية ‘ كل الخيول الجميلة’ (2000) للفاتنة الإسبانية ‘ بنيلوبي كروز’ و’ مات ديمون’. الفيلم الحربي المأخوذ عن حياة القديسة ‘ جان دارك’ (1999) بذات العنوان، من بطولة الممثلة ‘ ميلا جوفيتش’. كما تابعنا مجموعة أفلام هي إعادة إنتاج حديثة لروائع كلاسيكية سابقة من الدراما الإنسانية ‘ الراقص في الطابق العلوي’ (2002) إلى ‘ موبي ديك’ (1998) المأخوذ عن الرواية الشهيرة بذات الاسم، وهي خاصية ضمت مجموعة من الأفلام إلى جانب أفلام أخرى اعتمد نصها الأصلي على أحداث واقعية، نذكر من هذه القائمة الدراما الإنسانية ‘ الأمريكي الهادئ’ (2002) المأخوذ عن رواية للكاتب الأمريكي ‘ غراهام غرين’ (1955)، فيلم الرعب والتشويق ‘ إيفلينكو’، والفيلم الحربي ‘ الغواصة U-571’ (2000). إلاّ أنّ مراجعة بسيطة لتواريخ إنتاج هذه الأفلام توضح لنا حقيقة توفرها ليس فقط على أقراص C.D و D.V.D، بل وحقيقة أنّ غالبية أفلام القائمة الـ 36 تمّ عرضها على شاشات مختلف الفضائيات التلفزيونية. وعليه يُعاد طرح السؤال: هل هذا هو المطلوب؟ إنّ بلداً تعيش حالة اجتماعية من الطقس السينمائي، لن يتوانى سكانها عن تفضيل مشاهدة الفيلم في دار عرض سينمائي، بما هو الشكل الأمثل والأكثر جمالية لمتابعة فيلم سينمائي، في صالة مخصصة بنظامها الصوتي والبصري لتقديم أفضل مشاهدة سينمائية وأكثرها متعة، خاصة إذا ما قارنا حالة التلقي هذه بحالة التلقي عبر التلفاز وفواصل الإعلانات الطويلة، والمتكررة والمتتالية. لكن بلداً تحاول اليوم تأسيس حالة اجتماعية تعيش طقسها السينمائي واحتفاءها السينمائي أو تسعى لاستعادتهما، لن تنجح في إخراج الرجل المتعب والسيدة المرهقة والآخر المصاب بالكسل وعدم الاهتمام من منازلهم، من مواقعهم أمام شاشات التلفاز إلى صالة العرض السينمائي بأفلام تقدمها له هذه الشاشة. هنا نسمح بإجراء مقارنة بسيطة مع الاحتفالية السابقة ‘ أسبوع الأفلام الصينية’ والتي قدمت بالتعاون مع السفارة الصينية في دمشق مجموعة من سبعة أفلام، نجحت في اكتساب جمهور خاص لا يطمح إلى رفاهية التمتع بفضاء التلقي السينمائي، قدر ما دفعه الفضول وحب الاكتشاف إلى متابعة أفلام لا تقدمها الفضائيات، إلاّ ما ندر، وغالباً ما تقدّم الإنتاجات الأمريكية عن الثقافات الأخرى اليابانية أو الفيتنامية وسواها. النقطة ذاتها التي نجحت من خلالها تظاهرة أفلام ‘ سينما الواقع DOX BOX’، والتي قدّمت مجموعة ضخمة من الأفلام الوثائقية والتسجيلية لمخرجين شباب من سورية والعالم العربي والعالم أجمع. أفلام نجهل عنها الكثير، من حيث طريقة التنفيذ، شروط الإنتاج، جماليات هذا النوع، ميزاته وسلبياته، وحتى أسماء العاملين بهذا النوع السينمائي في سورية والمنطقة عموماً. النقطة الثانية التي يُثيرها الحديث عن المحاولات الدؤوبة لإحياء الطقس السينمائي، هي البحث في الزاوية التي تتم هذه المحاولات من خلالها، إذ أثبتت التجربة خلال السنوات السابقة التي عمل خلالها السيد ‘ محمد الأحمد’ على تقديم التظاهرات السينمائية المتنوّعة طوال العام أنّ إعادة تقديم أبرز الإنتاجات السينمائية لا يكفي، مقابل عمل صالة ‘سينما سيتي’ مثلاً والتي تقدّم أفلامها بأسعار مرتفعة نسبياً (6 دولارات تقريباً) مقارنةً بمتوسط دخل المواطن السوري، لكنها تقدّم أحدث الأفلام مواكبةً مع تقديمها في مختلف دور العرض العالمية، ممّا أمّن لها النجاح في كسب المتابع السوري قبل نزول الفيلم في الأسواق أو على الفضائيات. النقطة التي نناقشها هنا هي نوعية الجمهور الذي تتوجه إليه المؤسسة العامة للسينما في محاولتها إحياء الطقس السينمائي، ألا وهو جمهور العاصمة دمشق، المركز، دون الهوامش من باقي المدن والمحافظات السورية التي قلّما تعرف نشاطاً سينمائياً إن لم يكن نشاطاً أهلياً كما نلحظ في محافظة طرطوس التي نشطت مجموعة من الشباب على تفعيل ناديها السينمائي بجهود فردية تماماً. وفي أفضل الأحوال نلاحظ توزع نشاط المؤسسة على المحافظات الرئيسية من حمص وحلب واللاذقية، وكأنّ مدن الحسكة و إدلب والقنيطرة وتدمر وسواها لا تملك جمهوراً له الحق في عيش الطقس السينمائي واكتشاف عوالم الفن السابع. محافظات تمتعت في زمن غابرٍ منذ قرابة الخمسين عاماً بصالات سينمائية وجمهور سينمائي، حتى في قرى ريفها، اليوم تعتمد هذه القرى والمحافظات بتغذية ثقافتها السينمائية على القنوات الفضائيات والذائقة التجارية الواحدة لأصحاب هذه القنوات. الحال الذي لا يشمل فقط قَصر الاحتفالات السينمائية بالإنتاجات الأمريكية أو الأوروبية على العاصمة دمشق، بل ويشمل كذلك عروض الأفلام السورية، والسبب قبل كل شيء تهدّم تلك الصالات القديمة تحت وطأة الغبار الذي علاها منذ صدور مرسوم حصر استيراد الأفلام بالمؤسسة العامة وحتى تمّ إلغاؤه، تهدمت الصالات ولم يبقَ سوى الغبار وجيل لا يعرف صالات العرض السينمائي، أو حتى تنوعات العروض المسرحية والفنون الغنائية خارج إطار المهرجانات الرسمية ودعمها للفنون الشعبية. بالطبع لا تنفي الملاحظات السابقة أهمية تلك التظاهرات وأهمية ما تقوم به المؤسسة العامة للسينما، لكن في اعتقادي انه بات يلزمنا البحث عن آليات أخرى لاستعادة الطقس السينمائي المفقود من حياتنا.qd

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية