مباحث في العقل السلفي:

حجم الخط
0

مباحث في العقل السلفي:

لم يتردد ابن عبدالوهاب في الاستنجاد بفكر ابن تيمية والمدرسة الحنبلية تبريرا لشرعية الوقوف مع أمارة ابن سعودالعقل الوهابي لم يحتمل تدريس كتاب الاحياء واستعان في منعه بالسلطة الدينية والسياسية: الفتوي والسيفمباحث في العقل السلفي:عبد الحكيم الفيتوري تناولت في (مباحث في فهم أزمة العقل السلفي) المحطة الأولي ابن حنبل وتأسيسه للعقل السلفي، وفي المحطة الثانية ابن تيمية وتشييده للعقل السلفي، وفي هذا المقال نتناول المحطة الثالثة عن ابن عبدالوهاب ونشره للفكر والعقل السلفي، وسوف أكتفي بالوقوف علي مشهدين من مشاهد المحطة الثالثة، المشهد الأول حول التنظير السياسي. والمشهد الثاني حول تأصيل تكفير المخالف وقتله. ولكن قبل الولوج في صلب الموضوع أكرر القول بأنني لا أقدح في ذوات العلماء وفي لا أهليتهم العلمية؛ بل اترحم علي الجميع المخطئ منهم والمصيب. والذي يهمني في هذه السلسلة هو إعادة قراءة الأفكار من جديد، ومحاولة فهمها من خلال سياقاته الاجتماعية وصراعاته المذهبية والسياسية. قد ذكرت في مقال ابن تيمية وقضايا التكفير، أن عقل الفقيه رغم كل العوائق والمثبطات في النظام السياسي القائم وانحطاط الواقع، يبحث عن مختلف المبررات التي تعطيه (الحق) في مشاركة رجل السياسة مجال نفوذه وتأكيد حضور (معرفته) وسلطته العلمية، إن لم يكن في صنع القرار السياسي ففي مساندته وتوجيه الجمهور، فإنه بحكم تعريفه كفقيه بما (عمت به البلوي) مضطر دائما وابدا للتكيف مع الواقع الاجتماعي والنظام السياسي، انطلاقا من مبادئ وقواعد أصولية أساسها الأسلاف، كقاعدة الاجماع علي ولاية المتغلب ذي الشوكة، وقتال المخالفين له تحت رايته، وتبديع الخارجين عليه!! ولا يتردد العقل السلفي في الاستنجاد بجملة مفاهيم اصولية تبريرا لشرعية الوقوف مع القائم، ودفعا لأطروحات المخالف، بدون اعتبار لمحدودية تلك المفاهيم والفتوي والاجتهاد، التي ينبغي مراعاة ظروف الزمان والمكان والانسان في فهمها. ولا يعدم العقل السلفي من جهته التبرير الشرعي لمثل هذه التناقضات، وهذا الولاء المزدوج، وهذه القداسة المفرطة للقواعد والتاريخ وصانعيه!! وفي هذا المقال نبحث عن العلاقة المنهجية بين ابن تيمية وابن عبدالوهاب، في جانب التنظير السياسي؛من حيث كيفية انتقال المنهج إلي ابن عبدالوهاب، وكيف تمت عملية التوظيف. والمقال اللاحق نفرده لجانب تأصيل مسائل التكفير وقتل المخالفين. كيف انتقل المنهج الحنبلي إلي ابن عبدالوهاب:ولد الشيخ ابن عبدالوهاب (1703 ـ 1791م) رحمه الله، ببلدة العيينة القريبة من الرياض، تلقي علومه الأولي علي يدي والده في الفقه الحنبلي والتفسير والحديث، ثم انتقل إلي مكة وتعلم علي يد شيخه محمد حياة السندي، وعبدالله بن ابراهيم وغيرهما. ومن خلال تلك الدروس تلقف ابن عبدالوهاب المنهج الحنبلي خاصة وأنه اعتكف علي كتابات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم المتاحة آنذاك. وهذه الكتب والمؤلفات قد اعتبرت في القديم ضمن مصنفات تراث الحنابلة بشكل عام إلي أن أدركها الشيخ محمد بن عبدالوهاب فترة طلبه للعلم فأعجب بطرح ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وتشبع بأفكارهما خاصة في مسائل الاعتقاد والولاء والبراء ومسائل الاسماء والصفات وقضايا التكفير، حيث اتخذ تلك المسائل الاعتقادية طريقا ومذهبا خالف به السائد من المذاهب والتصورات الاعتقادية التي كانت عليه الأمة كالاشعرية والماتريدية في الاعتقاد، والصوفية في السلوك، وهذان المذهبان كانا يمثلان مذهب أهل السنة والجماعة في القديم. (في هذا المقام أفسر ولا أبرر) . وهكذا كانت بداية تأسيس الدعوة السلفية الجديدة والتي اتخذت من بلاد نجد منطلقا، حيث عضد السيف القلم فانتشرت الدعوة وظهرت للوجود دولة تدافع وتنافح عن تصورات الفكر الاعتقادي الجديد في إطار الفقه الحنبلي وقواعد استدلاله. ولما استقر الشيخ ابن عبدالوهاب في حريملاء بدأ ينشر أفكاره ودعوته المتعلقة بالتوحيد ونبذ الشرك ومحاربة التصوف وتقديس الأولياء ومصارعة الاشاعرة في الاسماء والصفات. ولم يكد ينتهي من تأليفه كتاب (التوحيد) حتي كان صيته قد ذاع بين القبائل والمدن النجدية، كما قال ابن غنام: اشتهر حاله في جميع بلدان العارض، في العيينة والدرعية ومنفوحة.. وكان الناس عند ذلك حزبين وانقسموا فيه فريقين فريق أحبه وما دعا إليه؛ فعاهده علي ذلك وبايعه وحذا حذوه وتابعه، وفريق أنكر عليه (انظر: روضة الأفكارلابن غنام). حتي أن أمير الأحساء ارسل إلي أمير العيينة رسالة يأمره فيها بقتل الشيخ، فخرج ابن عبدالوهاب من العيينة وتوجه صوب الدرعية مقر إمارة آل سعود الأمير محمد بن سعود الذي حكم خلال الفترة (1139 ـ 1179هـ) فرحب به وعاهده علي حمايته بشروط، حيث اشترط الأمير علي الشيخ شرطين: الشرط الأول: أن لا يرتحل عنهم وأن لا يستبدل بهم غيرهم. والثاني: ان لا يمانع الشيخ في أن يأخذ الحاكم وقت الثمار ما اعتاد علي أخذه من أهل الدرعية!!أما عن الشرط الأول فقد قال له الشيخ: ابسط يدك أبايعك. . الدم بالدم، والهدم بالهدم. أما عن الثاني فقد قال له: لعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها!!تم هذا الاتفاق بين رجل القلم ورجل السيف في ظل ما يسمي بالخلافة التركية الإسلامية !! مما يعني عند العقل التقليدي منازعة السلطة الشرعية في ولايتها علي العباد والبلاد، لأن ولاية الخليفة أو السلطان التركي انعقدت بإجماع فقهاء الأمصار؛ هذا من جهة. ومن جهة أخري فإن هذا الاتفاق الذي تم بين بن عبدالوهاب وآل سعود، صار بمثابة إعلان الحرب علي سلطة سلطان آل عثمان التركي، فإن هذا الأول سوف يهرع إلي مفهوم الإجماع سهل الاستغلال والتوظيف من طرفه ضد إجماع فقهاء الأمصار علي ولاية آل عثمان، وهذا الاجماع هو ولاية المتغلب الذي كرسه ابن تيمية وابن جماعة وقبلهما الجويني، حتي ولو كان هذا الاجماع من عالم واحد!! الوهابية حركة سياسية وظفت الدينيتلك صورة لمحاولة ابن عبدالوهاب تأكيد منزلته ونفوذه المعرفي، خاصة بعد أن انتبه إلي العواقب السلبية لعدم وجود رجل السيف في حماية دعوته فقد (صار في الدرعية، عند محمد بن سعود، وأولاده، وإخوانه، وبعض الاعيان من جماعته فصار لهم قبول لهذه الدعوة، فصبروا علي عداوة الناس، والكل قصدهم بالحرب، فثبتهم الله علي قلتهم وكثرة من خالفهم، وقتل من قتل من أعيانهم، فصبروا وصارت الحرب بينهم سجالا). (الدرر السنة في الأجوبة النجدية)، ونلحظ استدعاءه الاجماع علي ولاية المتغلب صاحب السيف لإضفاء الشرعية علي سلطة آل سعود، وقتال واستباحة المخالف لهم، (الدم الدم.. الهدم الهدم.. ولعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها!!) حيث قال ابن عبدالوهاب (الأئمة مجمعون من كل مذهب علي أن من تغلب علي بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا) (الدرر السنية، علي الرغم من أن الإجماع الذي اعتمده ابن عبدالوهاب في إضفاء الشرعية علي ولاية آل سعود كان إجماعا فرديا شخصيا؛ أي تم ببيعة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب لوحده للأمير محمد آل سعود!!وبذلك يتبين كيف حاول ابن عبدالوهاب أن يحرر رجل السيف من مفهوم علمي بدأ يتبلور منذ وقت مبكر، الا وهو مفهوم الاجماع، الذي يفرغه من كل سلطة ملزمة ينسبها له العلماء ويذعن لها سياسيا واجتماعيا ودينيا!! وبذلك يصبح رجل السيف مالكا للسلطة السياسية والسلطة العلمية في آن واحد، ولا غرابة في هذا ما دام ابن تيمية قد قرر ذلك وكرس هذا المفهوم، وإذا تحقق هذا في رجل السلطة فما المانع أن يستأثر برأيه ويفرض اجتهاده علي كل اجتهاد آخر؟! أليس حكم الحاكم يرفع الخلاف؟! ذلك هو المنطلق الإديولوجي لمشروع ابن عبدالوهاب حول تنظيم دولة آل سعود الوليدة!! يقول ابن عبدالوهاب: (وبعد يجيئنا من العلوم، أنه يقع بين أهل الدين والأمير بعض الحرشة، وهذا شيء ما يستقيم عليه دين، والدين هو الحب في الله والبغض فيه، فإن كان الأمير ما يجعل بطانته أهل الدين، صار بطانته أهل الشر؛ وأهل الدين عليهم جمع الناس علي أميرهم، والتغاضي عن زلته، وهذا أمر لا بد منه من أهل الدين، يتغاضون عن أميرهم، وكذلك الأمير يتغاضي عنهم..)، (الدرر السنية).ومعني هذا أن منطق ونتيجة هذه الاطروحة الشرعية يلتقيان مع الهدف الصريح للاتفاق السياسي الذي تم بين ابن سعود وابن عبدالوهاب، والذي يرمي صراحة إلي عدم تقييد طاعة رجل السلطة، وتأويل شعار (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) باعتبار أنها حين تقيد طاعة رجل السلطة بعدم معصية الله، فإن منطقها يستلزم القول بحدود هذه الطاعة التي تصير مشروطة، وبإمكانية عصيان رجل السيف حينما يخرج عن منطق الشرع. غير أن الخطر الأكبر في هذه الأطروحة يكمن عند ابن عبدالوهاب، في إمكانية انتقال هذه الطاعة من آل سعود إلي عالم له تأثير في الجمهور، فيعصي الإمام حينما يأمر بالظلم، مثلا، ويطاع الفقيه حينما يأمر بالعدل. وفي ذلك الخطر كل الخطر، في رأي ابن عبدالوهاب، حينما يصير رجل الفقه نظيرا للإمام، يأمر ويستحق الطاعة، ولو كانت في المعروف!! (..وأهل الدين عليهم جمع الناس علي أميرهم، والتغاضي عن زلته، وهذا أمر لا بد منه من أهل الدين)!! (انظر: الدرر السنية) وقال (وقد أجمع المسلمون: علي جهاد عدوهم مع الإمام سعود وفقه الله؛ وقد قرر أهل السنة في عقائدهم أن الجهاد ماض مع كل إمام، وهو فرض علي المشهور، أو ركن من أركان الإسلام، لا يبطله جور جائر!! (الدرر السنية). ومفاد هذا البعد الايديولوجي السياسي أن يصبح الإمام عندئذ ومن سواه علي حق الطاعة سواء، بل إن الأخطر من ذلك، أن يطاع غير الإمام كرجل العلم مثلا في المعروف ويعصي الإمام أو السلطان في المعصية، لذلك كان لا بد من إنفاذ وجوب الطاعة، دون أن يؤدي ذلك إلي توهينه. وتفاديا للفهم المغلوط، نص ابن عبدالوهاب أن السلطة تقوم علي أساس الطاعة في كل شيء إلا فيما يمس المعروف بالضرورة من الدين، والذي لا يجرؤ أحد من الملة علي الخروج عليه (ولو أن الإمام نهي عن الصلاة والصيام والحج؛ أو منع الحدود، أو اباح ما حرم الله صراحة لم يكن له في ذلك أمر)!! إلا أن الملاحظ هنا أن حصر الخروج عن طاعة رجل السلطة في هذه الأحوال المعروفة بالضرورة داخل الثقافة والقيم الإسلامية المتداولة، هو من باب تحصيل الحاصل في البيئة الإسلامية. ولم يجرؤ أحد من رجال السلطة علي المعارضة الصريحة لذلك الضروري من الدين، بل يمكن القول إن جل رجال السلطة قد اتخذوا من تعظيم تلك الشعائر الضرورية سلما وذريعة لتعزيز سلطتهم ومظهرا لكسب تأييد الجمهور لهم!! بينما موضوع النزاع القائم لا يتمثل في احترام هذا المعروف بالضرورة من الدين؛ بل إن المشكل كامن فيما عدا ذلك من الأوامر والنواهي ذات الطبيعة التنظيمية والسياسية!!وبعد ذلك لم يبق أمام ابن عبدالوهاب إلا الشروع في تأسيس جديد لطاعة السلطة، أو الأمير؛ تأسيس ينتهي إلي منطق تكريس الطاعة المطلقة غير المشروطة لآل سعود. ذلك ان الإمام إذا كان لا يطاع في الفروض المقررة بالضرورة في الملة، فإن طاعته في كل ما عدا ذلك من أوجب الواجبات!! التي يختص بها وحده، ولا يشاركه فيها غيره، ويحق له أن ينزل بالخارج عنها أشد العقوبات!! يعبر عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ علي ذلك بقوله (تفهمون أن الجماعة فرض علي أهل الإسلام وعلي من دان بالإسلام… وتفهمون أن الله سبحانه وتعالي جمعكم علي إمامكم عبدالله بن فيصل… وقد سعي سعود بن فيصل في ثلاثة أمور كلها منكرة، نقض البيعة بنفسه، وفارق الجماعة، ودعا الناس إلي نقض بيعة الإسلام؛ فعلي هذا: يجب قتاله،وقتال من أعانه..) (الدرر). ويفصل عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ (والمقصود: كشف حقيقة الحال في أول الأمر وآخره، وقد تغلب سعود علي جميع البلاد النجدية، وبايعه الجمهور، وسموه باسم الإمامة، وقد عرفتم: أن أمر المسلمين لا يصلح إلا بإمام، وأنه لا إسلام إلا بذلك، ولا تتم المقاصد الدينية، ولا تحصل الأركان الإسلامية، وتظهر الأحكام القرآنية إلا من الجماعة والإمامة، والفرقة عذاب وذهاب في الدين والدنيا، ولا تأتي شريعة بذلك قط. وقد تغلب من تغلب في آخر عهد اصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم واعطوه حكم الإمامة، ولم ينازعوه كما فعل ابن عمر وغيره، مع أنها أخذت بالقهر والغلبة، وكذلك بعدهم في عصر الطبقة الثالة، تغلب من تغلب، وجرت أحكام الإمام والجماعة ، ولم يختلف أحد في ذلك، وغالب الأئمة بعدهم علي هذا القبيل وهذا النمط!!ومع ذلك: فأهل العلم والدين: يأتمرون بما أمروا به من المعروف، وينتهون عما نهوا عنه من المنكر، ويجاهدون مع كل إمام، كما هو منصوص عليه، ولم يقل أحد منهم بجواز قتال المتغلب والخروج عليه، وترك الأمة تموج في دمائها، وتستبيح الأموال والحرمات!! (الدررالسنية). وبهذا يتبين لنا كيف أن منطق هذا التأويل السلفي الوهابي قد أدي إلي نسف محتوي آيات وأحاديث كثيرة تأمر بضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة العدل والقسط. وزاد في ترسيخ سلطة المستبد المسلم؛ أو كما يسمي في القديم المستبد العادل!!هذه بعض ملامح التراجع أو الانحطاط في الفكر الإسلامي، وتلك بعض اسبابها الرئيسية، التي ساهمت في تعميق مفاهيم كثيرة مغلوطة لا تزال جاثمة علي صدورنا، ومعششة في عقولنا لحد اليوم. ولعل العقل السلفي نموذج لذلك في تكييفه للمنتوج المعرفي وتنميطه السلوكي بتلك الصبغة!! والسلامابن عبدالوهاب.. وتأصيله لمسائل التكفير والقتل!لقد تم الاتفاق بين الإمام ابن عبدالوهاب والأمير بن سعود حول قيام دولة الشراكة بينهما، في إطار الشرطين المذكورين في ديباجة الاتفاق من طرف ابن سعود؛ الأول: أن لا يرتحل عنهم وأن لا يستبدل بهم غيرهم. والثاني: ان لا يمانع الشيخ في أن يأخذ الحاكم وقت الثمار ما اعتاد علي أخذه من أهل الدرعية!! وافق الإمام ابن عبدالوهاب علي الشرطين بقوله، أما عن الشرط الأول: ابسط يدك أبايعك.. الدم بالدم، والهدم بالهدم. أما عن الشرط الثاني فقال له: لعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها!!وبهذا الاتفاق بين رجل السيف ورجل القلم، أو الحلف بين الأمير والإمام، قامت دولة آل سعود بمشاركة آل الشيخ، وهي بهذا الاتفاق يمكن لنا تصنيف جهود ابن عبدالوهاب ضمن الحركات السياسية الدينية بدون إضفاء القداسة عليها وعلي أقوال وأفعال مؤسيسها، كذلك بدون تحقيرها وتحقير جهودها في الدعوة إلي التوحيد. ولعل قراءة بنود الاتفاق بروية تكون مدخلا مناسبا لتحليل قضية التكفير والقتل في الفكر الوهابي، فقد جاء في ديباجة الاتفاق.. ابسط يدك.. أبايعك.. الدم بالدم.. الهدم بالهدم.. يفتح لك الفتوحات.. فيعوضك من الغنائم. نحاول تحليل هذه الكلمات عبر نقاط ثلاثة، النقطة الأولي: بيئة الاتفاق. النقطة الثانية: اعتماد ابن عبدالوهاب علي فكر ابن تيمية. النقطة الثالثة: تأصيل مسائل تكفير وقتل المناوئين لهذا الاتفاق.. الدم بالدم!النقطة الأولي: بيئة الاتفاق: تم الاتفاق بين الشيخ ابن عبدالوهاب المطرود من منطقته (الاحساء) والتي غادرها مضطرا إلي منطقة العيينة، حيث رجم فيها امرأة جاءته معترفة بذلك، فكتب أمير الاحساء إلي أمير العيينة رسالة يأمره فيها بقتل ابن عبدالوهاب، كذلك كتب علماء المنطقة إلي أمير العيينة يشككونه في دعوته، فألح أمير العيينة علي ابن عبدالوهاب أن يخرج إلي حيث أراد، فخرج الشيخ من العيينة وتوجه إلي الدرعية مقر إمارة آل سعود!وقد تم الالتقاء بين ابن عبدالوهاب ؛الباحث عن سلطة تؤويه وقوة تحميه، مع ابن سعود الباحث كذلك عن قوة شرعية تعضد سلطانه، وتثبت حكمه، وتجرم الخارج عليه، وتمكنه من تجييش الرعية لمحاربة خصوم سلطاته في المنطقة… وقد كان!! حيث قال الأمير: أبشر ببلاد خير من بلادك، وابشر بالعز والمنعة. فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين، وهذه كلمة لا إله إلا الله، من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد. ثم اشترط الأمير علي الشيخ شرطين: 1 ـ أن لا يرتحل عنهم وأن لا يستبدل بهم غيرهم. 2 ـ أن لا يمانع الشيخ في أن يأخذ الحاكم وقت الثمار ما اعتاد علي أخذه من أهل الدرعية. فجاء جواب الشيخ: أبسط يدك ابايعك.. الدم بالدم، والهدم بالهدم.. لعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها! علما بأن ذلك كان قبل بداية دعوته ونشرها في ربوع البلاد!لأجل هذا لم يكن عسيرا علي ابن عبدالوهاب، بعد أن اعتبر ابن تيمية ولاية المتغلب، وشرعية الانتظام في صفوفه، والقتال تحت رايته، وسحق مخالفيه؛ أمراً جائزاً شرعا وعقلا وعرفا، لأنه الواقي من بعبع (الفتنة) وقد قيل (سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم)!! ولهذا قال ابناء الشيخ ابن عبدالوهاب: (وصارت ولاية المتغلب ثابتة كما إليه أشرنا، ووقع اتفاق من ينتسب إلي العلم لديكم علي هذا… فلا جرم قد صار العمل علي هذا والاتفاق. ثم توفي الله سعودا واضطرب أمر الناس.. واختار أهل الحل والعقد من حمولة آل سعود، ومن عندهم ومن يليهم، نصب عبدالرحمن بن فيصل، وذلك صريح في عدم الالتفات منهم إلي ولاية غير آل سعود) بل والتبرؤ من كل الولايات الأخري (.. ونبرأ إلي الله من موالاة الشريف، وأهل نجران جميعا)!!قد لا نفتقر إلي إيراد الأدلة التي تشير إلي إمكانية هذه الرؤية عند الفكر الوهابي ما دامت مصنفات ابن تيمية المعتمدة لدي الفكر الوهابي طافحة بإجماعات ونماذج تؤصل هذه الرؤية في جانبيها الديني والسياسي. ولعله ليــــس من المناسب استرجاع تلك المفردات والاجماعات التي تم ذكـــــرها في مقالات سابقة، وأعود إلي الاتفاق الذي تم بين ابن عبدالوهاب وابن سعود، وسوف أضرب عن شـــرح مفردات الاتفاق صفحا لأن المقال لا يحتمل التفصيل. واترك القارئ اللبيب في ضوء العلاقة الجدلية بين الدال والمدلول أن يتدبر ويكشف عن شبكة العلاقات بين مفردات الاتفاق في أجوائها المكانية والزمانية.. الدم بالدم.. الهدم بالهدم.. فتوحات.. وغنائم دم من؟ وغنائم من؟!ومهما يكن من مستوي إدراك القارئ لكشف شبكة علاقات مصطلحات هذا الاتفاق الديني السياسي فإن مصنفات الحركة الوهابية تضعنا أمام روابط واضحة لتلك المفردات بين الدال والمدلول، وتمييز مفاهيم مقاصدها. فقد سئل أبناء الشيخ محمد بن عبدالوهاب: من لم تشمله دائرة إمامتكم، ويتسم بسمة دولتكم، هل داره دار كفر وحرب علي العمـــــوم؟ فأجابوا: وأما من بلغته دعوتنا إلي توحيد الله، والعمل بفرائض الله، وأبي أن يدخل في ذلك، واقام علي الشرك بالله، وترك فرائض الإسلام، فهذا نكفره ونقاتله، ونشن عليه الغارة، بل بداره؛ وكل من قاتلناه فقد بلغته دعوتنا، بل الذي نتحقق ونعتقده: أن أهل اليمن، وتهامة، والحرمين، والشام، والعراق، قد بلغتهم دعوتنا.ولم تكن هذه فتوي عابرة بل أصلاً أصيلاً، فهذا حمد بن عتيق أحد كبار علماء الحركة ينكر علي من لم يأخذ من أموال أهل الاحساء، حيث قال: بلغني وساءني، وعسي أن يكون كذبا وهو: أنك تنكر علي من اشتري من أموال أهل الأحساء التي تؤخذ منهم قهرا، فإن كان صدقا فلا أدري ما عرض لك، والذي عندنا أنه لا ينكر مثل هذا، إلا من يعتقد معتقد أهل الضلال، القائلين أن من قال لا إله إلا الله لا يكفر… وبذلك عارضوا الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ومن له مشاركة فيما قرره المحققون، أن البلد إذا ظهر فيها الشرك، وأعلنت فيها المحرمات، وعطلت فيها معالم الدين، أنها تكون بلاد كفر، تغنم أموال أهلها، وتستباح دماؤهم…! وليس أهل حائل بمنأي عن مقتضيات هذا الاتفاق السياسديني، فقال: وجب قتالهم علي جميع المسلمين، لخروجهم عن الطاعة، حتي يلتزموا ما أمرهم به الإمام من طاعة الله تعالي!ومن المعلوم أن أهل اليمن، وتهامة، والحرمين، والشام، والعراق، والأحساء، وحائل فيهم من العلماء.. والعباد.. والعوام.. فهل يجوز فيهم الدم الدم.. والفتوحات.. والغنائم.. وتغنم أموالهم، وتستباح دماؤهم؟!! ألا يبرر هذا ذلك التساؤل المشروع حول حقيقة فكر الحركة الوهابية، هل هو فكر تجديد أم فكر تقليدي حنبلي؟ وهل هي حركة دينية أم سياسية وظفت الديني؟ ولماذا أضفي ثوب القداسة علي علمائها ومصنفاتها؟ لأجل ذلك لم يبق أمام المسلم العاقل، كي ينجو من الاغتيال العقلي إلا أن يوطن نفسه دوما علي نزع ثوب القداسة علي البشر ومصنفاتهم وافكارهم، ويلتزم الأدب والاحترام معهم عند قراءة تجاربهم وأفكارهم علي اساس أنها إنتاج بشري تدخل في إنتاجه عوامل عدة؛ سياسية وعرفية ومذهبية ينبغي مراعاتها. النقطة الثانية: اعتمادابن عبدالوهاب علي فكر ابن تيميةلم يتردد ابن عبدالوهاب في الاستنجاد بفكر ابن تيمية والمدرسة الحنبلية تبريرا لشرعية الوقوف مع أمارة ابن سعود بذكر الإجماع علي ولايته، ودفعا لأطروحات مخالفه باستحضار الاجماع علي سحق الخارجين علي ولايته السياسية أو الدينية. وقد أشرت إلي ذلك في مقام سابق السابق (ابن تيمية والتنظير السياسي). وفي هذا المقال نذكر اعتماده علي فكر ابن تيمية في مسائل التكفير وكيف تم توظيف فكر الشيخ في سحق المخالفين لإمارة ابن سعود سياسيا ودينيا! نورد لك نموذجا توضح حجم تأثير الفكر التيمي علي الفكر الوهابي خاصة في مسائل التكفير وهذا بعض مراسلات الشيخ مع علماء زمانه. ـ من محمد بن عبدالوهاب إلي عبدالله بن سحيم.. حيث قال له وقبل الجواب: نذكر لك أنك، أنت، وأبوك، مصرحان بالكفر، والشرك، والنفاق.. وأني ارسلت لك رسالة الشيخ تقي الدين.. النقطة الثالثة: تأصيل مسألة تكفير وقتلالمخالف في الولاية السياسية أو الدينية!قد أشرت في مقال سابق إلي أن الشيخ ابن تيمية رحمه الله كانت له فتاوي تكفيرية في مقتبل عمره، ثم تراجع عنها في آخر عمــــره، حيث صرح بأنه لا يكفر من حافظ علي الوضوء والصلوات الخمس، فهل الشيخ ابن عبــــدالوهاب تعامل مع مصــــنفات الشيخ بدون مراعاة لتلك الاعتبارات والفوارق الزمانية؟!المهم واللافت للنظر أن فكر الحركة الوهابية اعتمد علي تلك الأرضية التيمية بدون فرز للسياقات التاريخية واعتبار بعد الزمان والمكان والسابق واللاحق من فتاوي الشيخ رحمه الله، حيث ترتب علي ذلك ظهور حزمة من قضايا التكفير والقتل التي مهدت السبيل إلي توسيع فقه إدانة المخالف وتحقيره وتهميشه، وتكفيره وقتله، مما جري علي الأمة ويلات من التمزق والتناحر والاختلاف ليست بخافية علي ذي بصيرة! نورد بعضاً من تلك الحزمة التكفيرية التي كان لها أثر كبير في اشباع وجدان متلقيها دينيا بحق ممارسة اصدار أحكام دينية تدين المخالف؛ من تبديع وتفسيق وهجر وتكفــير والقتل إن لزم الأمر، ومن هذه الفتاوي:ـ سئل الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، قال السائل: سميتم المسلم الجالس بين أهله وولده ببلده مشركا كافرا، وقد سماهم الله مؤمنين في سورة (الفتح) . فأجاب: إن الله تبارك وتعالي قد بين لنا في كتابه أن المراد بذلك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يقدرون علي الهجرة.ـ أكثر السلف يرون قتل الداعية إلي البدعة، لما يجري علي يديه من الفساد في الدين، سواء قالوا إنه كافر، أو ليس بكافر!ـ فمن قال: إن التلفظ بالشهادتين لا يضر معهما شيء، أو قال من أتي بالشهادتين وصلي وصام لا يجوز تكفيره، وإن عبد غير الله فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر!ـ وسائل عن السنوسي الذي في ليبيا، فقال: السنوسي ليس من أئمة السنة والجماعة.. فقد صنف كتابه أم البراهين علي مذهب الاشاعرة، وفيها أشياء كثيرة مخالفة ما عليه أهل السنة.ـ فهذا ضال مخطئ، بل نص الأئمة علي أن من قال ذلك فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.. ـ وإذ كان أصل هذه المقالة، مقالة التعطيل والتأويل مأخوذة من تلامذة المشركين، والصابئين، واليهود، فكيف تطيب نفس مؤمن أن يسلك سبيل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين.. ـ فالممثل يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما.. وبالجملة فمن قال: إن الله في السماء، وأراد أنه في جوف السماء، بحيث تحصره وتحيط به، فقد أخطأ، وضل ضلالا بعيدا. ـ ومن لم يقر بأن الله علي عرشه استوي، فوق سبع سماوات، بائن من خلقه، فهو كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي علي مزبلة، لئلا يتأذي بريحه أهل القبلة، وأهل الذمة!ـ وسئل الشيخ عبدالرحمن بن حسن، عن الجهمية والرافضة، والمعتزلة، فأجاب: لا ريب أن هذه الفرق الثلاث هي أصل ضــــلال من ضل مــــن هذه الأمة.. فهذه الطوائف الثـــلاث، هم أصل الشر في هذه الأمة.. ـ أما بعـــد: فقد وردت علينا اسئلة من عمان، صدرت من جهمي ضال.. وما أورده هذا الجهمي الجاهل. الاستبداد والإقصاء العلميمن عبداللطيف بن عبدالرحمن، إلي عبدالله، فقد بلغني عنك ما يشغل كل من له حمية إسلامية، وغيرة دينية علي الملة الحنيفية وذلك: أنك اشتغلت بالقراءة في كتاب الإحياء للغزالي؛ وجمعت عليه من لديك من الضعفاء والعامة الذين لا تمييز لهم بين مسائل الهداية والسعادة، ووسائل الكفر والشقاوة؛ واسمعتهم ما في الإحياء من التحريفات الجائرة، والتأويلات الضالة الخاسرة، والشقاشق التي اشتملت علي الداء الدفين، والفلسفة في أصل الدين. وأنت قد خالفت سبيل السلف، وخرجت عن مناهجهم، وضللت المحجة ؛ وخالفت مقتضي البرهان والحجة.. ما أقبح الحور بعد الكور. وينبغي للإمام أيده الله: أن ينزع هذا الكتاب، من أيديكم ؛ ويلزمكم بكتب السنة من الأمهات الست وغيرها.. (قلت: معلوم أن الغزالي يعد المنظر الثالث لعلم الأصول بعد الشافعي والجويني، بل أصول الحنابلة (روضة الناظرلابن قدامة) هو في حقيقته مختصر كتاب المستصفي للغزالي! تصور أن العقل الوهابي لم يحتمل تدريس كتاب الإحياء واستعان في منعه بالسلطة الدينية والسلطة السياسية؛ الفتوي والسيف، فكيف لو كان هذا الكتاب كتاب ديكارت أو منتسيكو أو غيره؟!!). اللعن والتكفيرويقول ابن بطين، والكلام الآن فيما عليه أهل وحدة الوجود ابن عربي وابن الفارض والتلمساني وإخوانهم، فنقول: مذهب هذه الطائفة الملعونة.. وقد أحسن من قال: إن كفر هؤلاء، أغلظ من كفر اليهود والنصاري؛ وقد قال ابن القيم: حاشا النصاري أن يكونوا مثلهم وهم الحمير، أئمة الكفرانهم خصصوه بالمسيح، وأمه وألاء ما صانوه عن حيوان.ـ من محمد بن عبدالوهاب إلي عبدالله بن سحيم.. ولا يخفاك أني عثرت علي أوراق، عند ابن عزاز فيها اجازات له من عند مشايخه، وشيخ مشايخه، رجل يقال له عبدالغني، ويسمونه العارف بالله، وهذا اشتهر عنه أنه علي دين ابن عربي، الذي ذكر العلماء أنه أكفر من فرعون، حتي قال ابن المقري، من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر.ـ من ابن عبدالوهاب إلي سليمان بن سحيم، نذكر لك أنك أنت، وأبوك مصرحان بالكفر والشرك والنفاق.. وأنـــت إلي الآن أنت وأبوك، لا تفهمان شهادة أن لا إله إلا الله، أنا أشهد بهكذا شهادة يسألني الله عنها يوم القيامة، أنك لا تعرفها إلي الآن، ولا أبوك. قتال المخالفينسئل الشيخ: عبداللطيف بن عبدالرحمن، عن قتل المشرك الحربي، فأجاب: لا يمنع المسلم من قتل المشرك الحربي، ولو كان جارا للمسلم، أو معه في الطريق، إلا إذا أعطاه ذمة، أو أمنه أحد من المسلمين.ـ وذهبت إلي ما ذهب إليه أخوك فرعون (ما أريكم إلا ما أري..) فزعم عدو الله أنه واعظ مذكر، قبحه الله. 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية